حققت سوريا تحولًا لافتًا في قطاعها الزراعي خلال موسم القمح لعام 2026، بعدما أعلنت المؤسسة العامة للحبوب تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح الاستراتيجي، عقب وصول الكميات المستلمة من المزارعين إلى نحو 2.7 مليون طن، متجاوزة الاحتياجات السنوية المقدرة بنحو 2.55 مليون طن.
ويعني ذلك تسجيل فائض يقدر بنحو 150 ألف طن، في تحول ينقل البلاد من سنوات الاعتماد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من القمح إلى مرحلة جديدة من الاكتفاء الذاتي، مع استمرار عمليات استلام المحصول من المزارعين في بعض المناطق.

2.7 مليون طن في الصوامع والمستودعات
أعلنت المؤسسة العامة للحبوب السورية أن إجمالي كميات القمح المستلمة للموسم الحالي بلغ نحو مليونين و700 ألف طن، بزيادة قدرها 150 ألف طن على الاحتياجات السنوية المقدرة بنحو مليونين و550 ألف طن.
وقال معاون مدير المؤسسة العامة للحبوب، أحمد قاضون، إن هذه الكميات تعكس تحقيق سوريا الاكتفاء الذاتي من محصول القمح، مشيرًا إلى استمرار عمليات الاستلام طالما توجد كميات مجدية لدى المزارعين.
المؤسسة السورية للحبوب:
• كميات القمح المستلمة من الفلاحين تجاوزت 2.5 مليون طن
• تمثّل هذه الكميات مؤشرا على اقتراب سوريا من تحقيق اكتفائها الذاتي وأمنها الغذائي#اقتصاد pic.twitter.com/IzIugra0gn
— سوريا الآن – أخبار (@AJSyriaNowN) July 29, 2026
وأوضح أن عددًا كبيرًا من مراكز الاستلام توقف فعليًا عن العمل بعد نفاد الكميات القابلة للتسويق لدى المزارعين في نطاقها الجغرافي، في حين تستمر بعض المراكز الأخرى في استقبال المحصول.
ومع ارتفاع الكميات المستلمة، اتجهت المؤسسة إلى إدارة الفائض من خلال توزيع القمح بين الصوامع والصويمعات والمستودعات المجهزة، إلى جانب نقل جزء من المحصول من مناطق الإنتاج الرئيسية إلى المحافظات الأخرى.

الحسكة تتصدر مناطق الإنتاج
تتصدر محافظة الحسكة قائمة مناطق إنتاج القمح في سوريا، تليها محافظتا الرقة وحلب، إلى جانب إنتاج أقل في حماة ودير الزور ودرعا وإدلب وحمص ومناطق الساحل.
وبلغت كميات القمح التي استلمتها المؤسسة العامة للحبوب من مزارعي الحسكة حتى نهاية يوليو/تموز الماضي نحو 1.15 مليون طن، مع توقعات بارتفاع الكمية إلى نحو 1.2 مليون طن بنهاية موسم 2026.
وتعكس هذه الأرقام الوزن الكبير لمنطقة الجزيرة السورية في منظومة إنتاج القمح، بعدما استعادت دورها كإحدى أهم مناطق الإنتاج الزراعي والغذائي في البلاد.
ومع امتلاء عدد من الصوامع، جرى نقل كميات من القمح إلى محافظات أخرى، بينها دمشق وحلب، لتوفير مساحات تخزينية واستقبال المحصول الجديد.
وأشار مدير فرع المؤسسة في مدينة القامشلي، عبد الحميد داوود، إلى نقل نحو 350 ألف طن من القمح إلى محافظات أخرى، في ظل الضغوط التي تواجهها الطاقة التخزينية في الحسكة.
وتبلغ الطاقة التخزينية لصوامع المحافظة نحو 1.2 مليون طن، إلا أن وجود نحو 560 ألف طن من المخزون القديم لموسم العام الماضي قلص المساحات المتاحة لاستقبال محصول 2026، ما دفع إلى تسريع عمليات نقل القمح إلى مناطق أخرى.
رووداو عن مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في القامشلي عبدالحميد داوود:
• بلغت الكميات المستلمة من القمح في الحسكة حتى الآن مليونا و150 ألف طن؛ 400 ألف طن منها من الدرجة الأولى
• المؤسسة نقلت نحو 350 ألف طن من القمح المستلَم إلى محافظات أخرى أبرزها دمشق وحلب
• صوامع الحسكة… pic.twitter.com/9cRVXRU2cp
— سوريا الآن – أخبار (@AJSyriaNowN) August 1, 2026
موسم قياسي يقلب معادلة القمح
شهد موسم 2026 قفزة كبيرة مقارنة بالموسم السابق، إذ لم يتجاوز إجمالي الكميات المنتجة والمسلمة خلال موسم 2025 نحو 934 ألف طن، وفق البيانات الواردة في التقارير السورية.
ويرتبط جانب مهم من التحسن هذا الموسم بغزارة الأمطار التي شهدتها البلاد، والتي ساعدت على رفع إنتاجية الأراضي البعلية ودعم محصول القمح.
وبحسب معاون وزير الزراعة السوري لشؤون الثروة النباتية، تمام الحمود، فإن إجمالي الإنتاج الكلي للبلاد يتجاوز 3.5 ملايين طن عند احتساب الاحتياجات المرتبطة بالطحين وصناعات المعكرونة والبرغل والفريك.
وبلغت المساحة المزروعة بالقمح نحو 1.4 مليون هكتار، منها 650 ألف هكتار من الأراضي المروية و850 ألف هكتار من الأراضي البعلية التي تعتمد بصورة أساسية على مياه الأمطار.

كيف تحافظ سوريا على الاكتفاء الذاتي؟
لا يتوقف التحدي عند تحقيق فائض في موسم واحد، إذ تسعى السلطات السورية إلى تحويل هذا الإنجاز إلى مسار أكثر استدامة، خصوصًا في ظل تقلبات الطقس وتزايد مخاطر الجفاف التي تهدد إنتاج الحبوب في المنطقة.
وأوضح معاون وزير الزراعة أن خطة الوزارة لدعم إنتاج القمح اعتمدت على عدد من المحاور، في مقدمتها توفير احتياجات المزارعين من البذار المحلي، وتأمين الأسمدة والمبيدات من خلال عقود أبرمت عبر المصرف الزراعي وبالتعاون مع القطاع الخاص.
كما جرى التنسيق مع وزارة الطاقة لتأمين المحروقات اللازمة لعمليات الري التكميلي، بما يدعم استقرار الإنتاج في الأراضي التي تعتمد على الري.
وأكد الحمود أن الحفاظ على الاكتفاء الذاتي يتطلب استنباط وإدخال أصناف جديدة من بذور القمح تتمتع بقدرة أكبر على مقاومة الجفاف والعوامل الجوية، إلى جانب رفع إنتاجية وحدة المساحة وتعزيز قدرة المحصول على مواجهة التقلبات المناخية.

فائض القمح يفتح تحديًا جديدًا
ورغم أن ارتفاع الإنتاج وتحقيق فائض يمثلان تطورًا مهمًا للأمن الغذائي السوري، فإن الوفرة نفسها خلقت تحديًا جديدًا يتعلق بالتخزين وإدارة المخزون.
وقال معاون مدير المؤسسة العامة للحبوب إن المؤسسة تعمل على توجيه القمح إلى الصوامع والصويمعات، حيث يخضع لعمليات تعقيم دورية للحفاظ على صلاحيته لعدة سنوات، إلى جانب تخزين الفائض في مستودعات مغلقة ومجهزة ومعقمة.
كما تلجأ المؤسسة إلى التخزين في العراء لفترات قصيرة ومدروسة بالتزامن مع تفريغ السعات التخزينية في الصوامع عبر عمليات الطحن وإنتاج الدقيق اللازم للمخابز.
ويتم التخزين المكشوف وفق إجراءات فنية تشمل العزل الأرضي واستخدام الشوادر المخصصة وإجراء عمليات التعقيم اللازمة، بهدف الحد من مخاطر التلف والحفاظ على جودة المحصول.
الاكتفاء لا يعني انتهاء التحديات
وبينما حققت سوريا احتياجاتها السنوية من القمح وسجلت فائضًا يقدر بنحو 150 ألف طن من الكميات المستلمة، فإن استمرار هذا المسار يتطلب تطوير منظومة الإنتاج والتخزين والتصنيع في الوقت نفسه.
وتبرز الحاجة إلى زيادة الطاقات التخزينية، إذ تواصل المؤسسة أعمال تأهيل وتوسعة الصوامع والصويمعات في مختلف المحافظات، بهدف استيعاب الكميات المتوقع استلامها من المزارعين خلال المواسم المقبلة.
وفي المقابل، لا تزال جودة الخبز تمثل مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي امتلأت فيه بعض الصوامع وحققت البلاد فائضًا من القمح، تستمر شكاوى مرتبطة بجودة الخبز المنتج في بعض الأفران.
أما بالنسبة إلى مستحقات المزارعين، فتتم عملية صرف أثمان القمح عبر المصارف الزراعية، بعد تحويل المؤسسة الفواتير والبيانات الخاصة بالكميات المستلمة إليها.
وأكدت المؤسسة تحويل كامل فواتير الكميات المستلمة حتى الآن، مع استمرار صرف المستحقات وفق الآلية المعتمدة.
وهكذا، لا يمثل موسم 2026 مجرد زيادة في محصول القمح السوري، بل اختبارًا لقدرة البلاد على تحويل الوفرة الموسمية إلى أمن غذائي مستدام، من خلال الحفاظ على الإنتاج، وتطوير الأصناف الزراعية، وزيادة قدرات التخزين، وتقليل تأثير الجفاف والتقلبات المناخية على المحاصيل خلال المواسم المقبلة.





