ملفات خاصةأخبارالتنوع البيولوجي

طيور بحرية نادرة تصل إلى بنما بأعداد كبيرة.. إل نينيو يعيد رسم خريطة الغذاء في المحيط الهادئ

إنذار من المحيط.. نزوح طيور بحرية إلى بنما يكشف تأثير إل نينيو على السلسلة الغذائية

تدفع موجة الاحترار غير المعتادة في شرق المحيط الهادئ، المرتبطة بتطور ظاهرة «إل نينيو»، أعدادًا متزايدة من الطيور البحرية بعيدًا عن موائلها المعتادة، في مشهد لافت قبالة سواحل بنما، حيث ظهرت طيور تنتمي أصلًا إلى المياه الباردة والغنية بالمغذيات قبالة بيرو وتشيلي.

ولم يكن وصول هذه الطيور إلى خليج بنما مجرد ظاهرة استثنائية تهم مراقبي الطيور، بل يراه علماء البيئة إشارة مبكرة إلى اضطراب أوسع في النظام البيئي البحري، يبدأ من ارتفاع حرارة المياه، ويمتد إلى الأسماك ثم الطيور والكائنات التي تعتمد عليها في الغذاء.

ومن بين أكثر الأنواع التي أثارت الانتباه الأطيش أزرق القدمين، الذي شوهد بالقرب من مدينة بنما وبالقرب من مدخل قناة بنما بأعداد أكبر بكثير من المعتاد.

طيور لا تهاجر.. لكنها اضطرت إلى الرحيل

تكمن المفارقة في أن هذه الطيور ليست من الأنواع المهاجرة بطبيعتها، ومع ارتفاع درجة حرارة المياه في شرق المحيط الهادئ، بدأت الأسماك الصغيرة التي تمثل جزءًا أساسيًا من غذائها، وعلى رأسها الأنشوجة والسردين، تتحرك بعيدًا عن مناطق تغذيتها المعتادة.

وبدأت الطيور في ملاحقة فرائسها، لتقطع مسافات أكبر بحثًا عن الغذاء وتصل إلى مناطق لا تظهر فيها عادة بهذه الكثافة.

وقالت روزابل ميرو، مديرة جمعية أودوبون في بنما، إن ما يحدث لا يمثل هجرة طبيعية للطيور، وإنما تحركًا فرضه نقص الغذاء.

وتكشف هذه الظاهرة جانبًا مهمًا من تأثير «إل نينيو»: فالكائنات البحرية لا تنتظر حتى تصل آثار تغير المناخ إلى اليابسة، وإنما تستجيب سريعًا لأي تغير في درجة حرارة المياه أو توافر الغذاء.

يمكننا حماية الطيور من الضوضاء

أعداد الطيور تكشف حجم التغير

بدأ مراقبو الطيور في بنما رصد الزائرين غير المعتادين منذ يونيو، أي قبل أسابيع من صدور التحذيرات الرسمية بشأن احتمال تطور ظاهرة «إل نينيو» قوية.

وتشير بيانات منصة eBird، التي تعتمد على مساهمات مراقبي الطيور حول العالم، إلى تسجيل ما بين 60 و400 طائر من الأطيش أزرق القدمين في مناطق حول بينيون دي سان خوسيه والمناطق المجاورة منذ يونيو.

وتبدو الأرقام أكثر وضوحًا عند مقارنتها بظواهر «إل نينيو» السابقة، فخلال ظاهرة 2014-2016، تراوحت أعداد الطيور المرصودة في المنطقة بين 21 و200 طائر، بينما سجلت الفترة المرتبطة بظاهرة 2023-2024 ما بين 3 و62 طائرًا فقط.

وبالتالي، فإن الزيادة الحالية لا تبدو مجرد تغير عابر في مشاهدات الطيور، وإنما تتزامن مع تحول واضح في الظروف البحرية.

سرعة تغير المناخ تهدد بقاء الطيور البحرية أكثر من اتجاهه

الأزمة تبدأ تحت سطح البحر

لفهم ما يحدث للطيور، يجب النظر أولًا إلى ما يجري في المحيط، تؤدي ظاهرة «إل نينيو» إلى ارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ، وهو تغير يمكن أن يؤثر في حركة المياه وتوزيع المغذيات والكائنات البحرية.

وفي الظروف الطبيعية، تصعد المياه الباردة الغنية بالعناصر الغذائية من الأعماق إلى الطبقات القريبة من السطح، في عملية تعرف باسم الرفع الساحلي للمياه، وتساعد هذه المغذيات على دعم نمو العوالق النباتية، التي تشكل قاعدة مهمة في السلسلة الغذائية البحرية.

لكن «إل نينيو» يمكن أن يغير هذا النظام، وأوضح ستيفن باتون، المشرف على شبكة من محطات الطقس وأجهزة مراقبة المحيطات التابعة لمعهد سميثسونيان للأبحاث الاستوائية، أن الظاهرة القوية تجعل الخط الحراري «الثرموكلين» أكثر عمقًا.

وهذا الحد الفاصل بين المياه الدافئة القريبة من السطح والمياه الباردة الغنية بالمغذيات في الأعماق، يصبح أبعد عن السطح، ما يجعل وصول المغذيات إلى الطبقات العليا أكثر صعوبة.

والنتيجة المحتملة هي انخفاض الإنتاجية البحرية، وتراجع توافر الغذاء بالنسبة إلى الأسماك، ثم انتقال التأثير إلى الطيور والحيوانات المفترسة التي تعتمد عليها.

الطيور البحرية

سلسلة غذائية تبدأ من الحرارة وتنتهي بالطيور

يمكن تلخيص ما يحدث في سلسلة مترابطة:
ارتفاع حرارة المحيط → تغير حركة المياه والمغذيات → انخفاض الإنتاجية البحرية → تحرك الأسماك → نقص الغذاء → انتقال الطيور إلى مناطق جديدة.

وهذه السلسلة تفسر لماذا يمكن أن يصبح ظهور طيور بحرية بأعداد غير معتادة في مكان ما مؤشرًا على تغيرات تحدث بعيدًا عن اليابسة وتحت سطح المحيط.

فالطيور ليست السبب في التغير، وإنما واحدة من أكثر حلقات السلسلة الغذائية وضوحًا للعين البشرية.

بنما نفسها تواجه حرارة استثنائية

ولا يقتصر تأثير الظاهرة على مياه المحيط، فبحسب بيانات شبكة الرصد التي يشرف عليها معهد سميثسونيان، شهدت بنما منذ مايو أشهرًا كانت إما الأكثر حرارة أو ثاني أكثر الأشهر حرارة مقارنة بسجلات الأشهر نفسها.

كما تشهد أجزاء من حوض قناة بنما معدلات أمطار أقل من المعتاد، بينما تشير التوقعات إلى استمرار الظروف الأكثر حرارة وجفافًا حتى نهاية العام، وربما امتداد بعض آثارها إلى منتصف العام المقبل.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى بنما، التي يعتمد اقتصادها وبيئتها بدرجة كبيرة على المياه، ليس فقط عبر قناة بنما، وإنما أيضًا من خلال النظم البيئية الساحلية والغابات الاستوائية.

تهديد لا يتوقف عند الجوع

قد يبدو انتقال الطيور إلى مناطق جديدة تكيفًا طبيعيًا مع الظروف المتغيرة، لكن المشكلة أن العثور على الغذاء في منطقة جديدة لا يضمن بقاء النوع على المدى الطويل.

فنقص الغذاء خلال مواسم التكاثر يمكن أن يؤدي إلى اضطراب دورات التزاوج وانخفاض نجاح التكاثر، كما يمكن أن يؤثر في بقاء الفراخ.

وبالتالي، فإن التأثير الحقيقي لـ«إل نينيو» قد لا يظهر فقط في أعداد الطيور التي نشاهدها اليوم، بل في أعداد الأجيال الجديدة التي ستظهر خلال السنوات التالية.

وتصبح المخاطر أكبر بالنسبة إلى الأنواع التي تعتمد على مناطق محددة للتكاثر أو التغذية ولا تستطيع الانتقال بسهولة إلى بيئات بديلة.

مؤشر حي على تغير المحيط

يمنح وصول الطيور إلى بنما العلماء فرصة لمراقبة تأثيرات المحيط المتغير من خلال سلوك الحياة البرية.

فبدلًا من الاعتماد فقط على الأقمار الصناعية وأجهزة قياس حرارة المياه، يمكن أن تكشف تحركات الحيوانات نفسها عن اضطرابات في توزيع الغذاء والموائل.

وفي هذا السياق، تصبح الطيور البحرية أشبه بـ**«أجهزة إنذار بيولوجية»**؛ إذ يمكن لتحركها غير المعتاد أن يشير إلى تغيرات تحدث في قاعدة السلسلة الغذائية.

ومع ذلك، يحذر العلماء من القفز إلى استنتاجات تربط كل تغير في «إل نينيو» مباشرة بتغير المناخ، إذ لا يزال هناك نقاش علمي حول مدى تأثير الاحترار العالمي في دورة «إل نينيو-لا نينيا» نفسها.

لكن المؤكد أن ارتفاع حرارة المحيطات يضيف ضغطًا جديدًا إلى نظام بيئي شديد الحساسية للتغيرات الحرارية.

ماذا يحدث عندما ينتهي «إل نينيو»؟

إذا عادت درجات حرارة المحيط إلى مستوياتها الطبيعية، فقد تختفي الطيور غير المعتادة التي تجمعت على سواحل بنما بالسرعة نفسها التي وصلت بها.

لكن رحيلها لن يعني بالضرورة أن كل شيء عاد إلى ما كان عليه.

فالعلماء يهتمون بما إذا كانت الأسماك ستعود إلى مناطقها الأصلية، وما إذا كانت السلاسل الغذائية ستستعيد توازنها، وما إذا كانت الطيور التي عانت من نقص الغذاء خلال الظاهرة ستتمكن من استعادة معدلات التكاثر الطبيعية.

وهنا تكمن أهمية المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد تجمع استثنائي لطيور بحرية.
فطيور الأطيش أزرق القدمين التي ظهرت فوق مياه بنما قد تكون في الواقع رسالة قادمة من أعماق المحيط: عندما تتغير حرارة المياه، يمكن أن تتحرك السلسلة الغذائية بأكملها.

‫2 تعليقات

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة