مؤتمرات حماية الطبيعة تحت النار.. العالم يتعثر في تحقيق أهداف التنوع البيولوجي 2030
COP17 يكشف أزمة العمل البيئي الدولي.. 196 دولة لم تنجح في وقف تدهور الطبيعة
اختتام مؤتمر COP17 في أرمينيا وسط انتقادات لآليات التفاوض الأممية.. والدول تتجه للإخفاق في تحقيق معظم أهداف حماية الطبيعة، بينها حماية 30% من كوكب الأرض واستعادة النظم البيئية المتدهورة وإصلاح 500 مليار دولار من الدعم الضار بالبيئة
تصاعدت الدعوات الدولية لإجراء إصلاحات جوهرية في مؤتمرات الأمم المتحدة المعنية بالتنوع البيولوجي، بعد إخفاق الدول في تنفيذ تعهداتها بوقف تدمير الطبيعة، وسط مؤشرات على استمرار تعثر الحكومات في تحقيق الأهداف العالمية لحماية التنوع البيولوجي، في سابقة تعكس إخفاقًا ممتدًا طوال 34 عامًا من تاريخ الاتفاقية الدولية المعنية بهذا الملف.
واختُتمت مفاوضات مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي (COP17)، التي استضافتها العاصمة الأرمينية يريفان على مدار أسبوعين، صباح السبت، بتعهد الدول بتكثيف جهودها لتنفيذ الأهداف البيئية المقررة لهذا العقد، والتي تشمل حماية 30% من مساحة الكوكب لصالح الطبيعة، واستعادة ما يقرب من ثلث النظم البيئية المتدهورة، وإصلاح دعم مالي بقيمة 500 مليار دولار سنويًا يضر بالبيئة والتنوع البيولوجي.
وتأتي هذه التعهدات ضمن إطار الأهداف العالمية التي اتفقت عليها الحكومات قبل أربعة أعوام، بهدف إحداث تحول جذري في علاقة الإنسان بالطبيعة، ووقف التدهور المتسارع في النظم البيئية والأنواع الحية.
ورغم إحراز تقدم في بعض المجالات، فإن الدول لا تزال بعيدة عن تحقيق معظم هذه الأهداف، إذ تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تتجه إلى تحقيق 3 أهداف فقط من أصل 23 هدفًا وطنيًا مرتبطًا بحماية الطبيعة بحلول عام 2030.
COP17 يقر زيادة التحرك وتمويل التنوع البيولوجي
وبعد مفاوضات امتدت طوال ليلة الجمعة وحتى صباح السبت، وافقت الدول المشاركة على مجموعة من التدابير، من بينها الالتزام بتكثيف العمل لتنفيذ الأهداف القائمة، وإعادة تأكيد مستهدف زيادة التمويل المخصص للتنوع البيولوجي إلى 30 مليار دولار سنويًا بحلول نهاية العقد.
لكن نتائج المؤتمر لم تُنهِ الخلافات المتعلقة بآليات تنفيذ التعهدات، ولا سيما ما يرتبط بتوزيع الأعباء المالية بين الدول، وتحديد الأطراف التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية أكبر في تمويل حماية الطبيعة.
وخلال المؤتمر، دعا وزراء بيئة ونشطاء ومسؤولون إلى إجراء تغييرات جوهرية في طريقة تنظيم مؤتمرات الأطراف، لضمان انتقال الحكومات من مرحلة التعهدات والخطابات السياسية إلى تنفيذ إجراءات ملموسة تعالج الأسباب الرئيسية لفقدان التنوع البيولوجي.
«المؤتمرات صُممت للفشل».. انتقادات لآلية التوافق الدولي
وفي انتقاد حاد لآليات التفاوض الحالية، قال وزير البيئة البنمي خوان كارلوس نافارو، وهو أحد المدافعين المخضرمين عن حماية الطبيعة، إن عملية مؤتمرات الأطراف «صُممت للفشل»، معتبرًا أن اعتماد القرارات على التوافق بين جميع الدول يمنح دولة واحدة القدرة على تعطيل التقدم.
ودعا نافارو إلى اعتماد آليات لاتخاذ القرارات بالأغلبية بدلًا من اشتراط الإجماع في جميع القضايا، مشيرًا إلى أن الوصول إلى توافق بين كل دول العالم بشأن كل موضوع أمر غير واقعي.
وانتقد الوزير ما وصفه بكثرة الخطابات والوعود الجميلة خلال المؤتمرات، دون تحقيق نتائج تتناسب مع حجم الأزمة البيئية، محذرًا من أن استمرار المفاوضات البطيئة بينما تتدهور النظم الطبيعية يفاقم المخاطر.
كما دعا إلى تنظيم مؤتمر أممي بيئي موحد سنويًا، يجمع الملفات المتعلقة بالمناخ والتنوع البيولوجي والتلوث البلاستيكي وغيرها من القضايا البيئية، بدلًا من تعدد المؤتمرات والمسارات التفاوضية المنفصلة.
خلافات الدول تعرقل الطموحات البيئية والتمويل
وشهدت المفاوضات في العاصمة الأرمينية خلافات بشأن مستوى الطموح البيئي في الاتفاق النهائي، حيث ساهمت الأرجنتين والسعودية وروسيا في تخفيف بعض الصياغات المتعلقة بالالتزامات البيئية.
كما انقسمت الدول الأكثر ثراءً بشأن الجهات التي ينبغي أن تتحمل حصة أكبر من التمويل الدولي المخصص لحماية التنوع البيولوجي.
وتطالب دول أوروبية بتوسيع قائمة الدول المانحة، لتشمل الصين وعددًا من دول الخليج، التي لا تزال مصنفة ضمن الدول النامية في إطار الأمم المتحدة، رغم ما شهدته من نمو اقتصادي كبير على مدى العقود الماضية.
لكن الاتفاق النهائي في يريفان ترك هذه القضية مفتوحة دون حسم، بما يعكس استمرار الخلافات حول توزيع المسؤوليات المالية بين الدول.
صندوق تمويل حماية الطبيعة يتعثر.. 10 آلاف دولار فقط
ومن أبرز الملفات التي تأجل حسمها خلال المؤتمر القرارات المتعلقة بصندوق يستهدف حشد الموارد المالية من الشركات التي تحقق أرباحًا من الاستخدام التجاري للموارد البيولوجية الرقمية، ومن بينها شركات الأدوية والصناعات المعتمدة على المعلومات الجينية والموارد الطبيعية.
وكان يُؤمل أن يوفر الصندوق نحو مليار جنيه إسترليني سنويًا لتمويل جهود حماية الطبيعة، مع تخصيص حصة مهمة من موارده للمجتمعات الأصلية والمحلية التي تلعب دورًا رئيسيًا في حماية النظم البيئية.
لكن الصندوق لم ينجح حتى الآن في جمع سوى ما يزيد قليلًا على 10 آلاف دولار، وفقًا للتقرير، بينما تقرر تأجيل القرارات الرئيسية المتعلقة بآلية عمله إلى مؤتمر الأطراف المقبل في الإكوادور بعد عامين.
ويثير هذا التعثر تساؤلات بشأن قدرة الآليات الدولية الجديدة على إلزام الشركات التي تستفيد اقتصاديًا من الموارد الطبيعية بالمساهمة في تمويل حمايتها، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين الاحتياجات التمويلية والموارد المتاحة.
الأمم المتحدة تواجه تضخم المؤتمرات والاتفاقيات البيئية
ولا تقتصر الدعوات إلى إصلاح مؤتمرات التنوع البيولوجي على نتائج COP17، بل تعكس نقاشًا أوسع بشأن كفاءة منظومة المؤتمرات البيئية التابعة للأمم المتحدة.
فقد سبق أن دعا خبراء بارزون في سياسات المناخ، خلال مؤتمر المناخ COP29 في أذربيجان عام 2024، إلى إعادة النظر في آليات عمل مؤتمرات الأطراف، معتبرين أنها لم تعد ملائمة للتحديات الحالية، وأنها بحاجة إلى التركيز بصورة أكبر على التنفيذ بدلًا من الاكتفاء بالمفاوضات والتعهدات.
وقالت روث ديفيز، مبعوثة المملكة المتحدة لشؤون الطبيعة، إن هذه الاجتماعات قد تكون محبطة للغاية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن قدرًا كبيرًا من العمل التنفيذي يجري بالفعل في دول مختلفة حول العالم.
وشددت على ضرورة أن تتحول المنظومة الدولية إلى آلية تحقق نتائج ملموسة للمواطنين، محذرة من أن استمرار غياب النتائج قد يؤدي إلى تراجع ثقة المجتمعات في هذه العملية الدولية.
وأضافت أن إصلاح النظام يتطلب تعاون الحكومات التي تشارك في هذه المؤتمرات، إلى جانب بناء تحالفات تدعم الدول والمجتمعات الأكثر تأثرًا بتدهور الطبيعة.
مديرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة: الأجندة البيئية مزدحمة
من جانبها، قالت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إن النظام البيئي الدولي الحالي يسهم في إحداث تغييرات، لكنه يتحرك بوتيرة أبطأ من المطلوب.
وأشارت إلى أن الأجندة البيئية العالمية أصبحت مزدحمة بعدد كبير من المؤتمرات والاجتماعات والاتفاقيات، رغم أهمية كل منها، وهو ما يخلق تداخلًا في البرامج ويستنزف الجهود والموارد.
ودعت إلى البدء بخطوات عملية، من بينها معالجة التداخل بين برامج الاتفاقيات البيئية المختلفة، وتحقيق قدر أكبر من التنسيق بينها.
وأوضحت أن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتجارة غير القانونية في الحياة البرية، والأنواع المهاجرة، والتنوع البيولوجي، والأراضي الرطبة، ظهرت كل منها استجابة لتحديات بيئية مهمة في وقتها، لكن تراكم هذه الأطر والاتفاقيات يستدعي التفكير في سبل تحسين التنسيق بينها.
العالم أمام اختبار تنفيذ أهداف التنوع البيولوجي 2030
تكشف نتائج مؤتمر COP17 عن فجوة متزايدة بين الطموحات الدولية لحماية الطبيعة والقدرة الفعلية على تنفيذها، خصوصًا في ظل الخلافات حول التمويل، وبطء اتخاذ القرارات، وتعدد الاتفاقيات والجهات المسؤولة عن متابعة الالتزامات.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة مع اقتراب عام 2030، وهو الموعد المستهدف لتحقيق مجموعة من الالتزامات العالمية، من بينها حماية 30% من اليابسة والمحيطات، واستعادة النظم البيئية المتدهورة، وإعادة توجيه الدعم المالي الذي يتسبب في الإضرار بالطبيعة.
ويضع ذلك المجتمع الدولي أمام سؤال أساسي: هل تستطيع مؤتمرات الأطراف الانتقال من إدارة المفاوضات وإصدار التعهدات إلى فرض مسارات أكثر فاعلية لتنفيذ الالتزامات، وضمان توفير التمويل اللازم لحماية التنوع البيولوجي؟
فالمشكلة لم تعد تتعلق بنقص الأهداف أو الاتفاقيات، بقدر ما ترتبط بقدرة الحكومات على تحويل ما تعلنه في المؤتمرات إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج يمكن قياسها على أرض الواقع.





