ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

156 موقعًا حول العالم تكشف تسارع ذوبان التربة الصقيعية.. والهضبة التبتية تسجل معدلات لافتة

ذوبان التربة الصقيعية يهدد بإطلاق الكربون المخزن منذ آلاف السنين.. ماذا كشفت 24 عامًا من الرصد؟

كشفت دراسة علمية عالمية عن اتساع ظاهرة ذوبان التربة الصقيعية في مناطق واسعة من العالم، مع تسجيل زيادات ملحوظة في عمق الطبقة الأرضية التي تتجمد وتذوب سنويًا، بما يشير إلى ارتفاع حرارة التربة وتراجع استقرارها، ويثير مخاوف بشأن البنية التحتية ومخازن الكربون الطبيعية ودورها في تغير المناخ.

واعتمدت الدراسة على بيانات 156 موقعًا للرصد في مناطق القطب الشمالي والقطب الجنوبي والجبال، جُمعت خلال الفترة من عام 2000 إلى 2024، بمتوسط سجل زمني بلغ 20 عامًا لكل موقع.

وأظهرت النتائج أن عمق الطبقة النشطة من التربة ارتفع بصورة ملحوظة في نسبة كبيرة من المواقع، بما يؤكد أن التغيرات لا تقتصر على بؤر محدودة، وإنما تشمل مناطق جغرافية واسعة.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Communications: Earth & Environment»، وشارك في إعدادها باحثون اعتمدوا على سجلات الرصد طويلة الأمد، التي تشمل قياسات ميدانية بسيطة لكنها توفر مؤشرات مهمة على التغيرات التي تحدث في الطبقات الأرضية المتجمدة.

كيف يقيس العلماء ذوبان التربة الصقيعية؟

تعتمد إحدى طرق الرصد على قياس ما يُعرف باسم «سُمك الطبقة النشطة» (Active Layer Thickness)، وهي الطبقة الموجودة فوق التربة الصقيعية، وتتجمد خلال الشتاء وتذوب خلال الصيف كل عام.

وفي الظروف المستقرة، يظل عمق هذه الطبقة متقاربًا عبر السنوات والعقود، لكن ازدياد سمكها بمرور الوقت قد يشير إلى ارتفاع حرارة التربة الصقيعية الموجودة أسفلها وتراجع استقرارها.

وتوضح الباحثة آنا كلين، التي أجرت قياسات ميدانية في ألاسكا على مدار نحو ثلاثة عقود، أن هذه العملية لا تحتاج إلى أجهزة معقدة؛ إذ يستخدم الباحثون قضيبًا معدنيًا يُدفع داخل الأرض حتى يصطدم بالطبقة المتجمدة، ثم يُقاس العمق الذي وصل إليه.

وتُعرف التربة الصقيعية بأنها تربة أو صخور أو رواسب تظل متجمدة لمدة عامين متتاليين على الأقل، وقد استمر تجمدها في مناطق عديدة آلاف السنين.

وتغطي هذه التربة نحو 15% من مساحة الأراضي المكشوفة في نصف الكرة الشمالي، إلى جانب معظم المناطق الخالية من الجليد في القارة القطبية الجنوبية.

وتكمن خطورة ذوبانها في احتوائها على مخزونات ضخمة من المواد العضوية والكربون؛ إذ يوجد نحو 70% من الكربون العضوي المخزن في ترب التربة الصقيعية ضمن الطبقات الثلاثة الأولى من سطح الأرض.

وعندما تذوب هذه الطبقات، تستطيع الكائنات الدقيقة تحليل المواد العضوية التي ظلت محفوظة في حالة تجمد، ما يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي، وهما من غازات الاحتباس الحراري التي تسهم في زيادة الاحترار العالمي.

ذوبان التربة الصقيعية

ارتفاع ملحوظ في عمق الطبقة النشطة بالقطبين والجبال

أظهرت بيانات الرصد خلال الفترة من 2000 إلى 2024 أن سمك الطبقة النشطة زاد بصورة ذات دلالة إحصائية في 55% من مواقع القطب الشمالي، و38% من مواقع القطب الجنوبي.

وكانت التغيرات أكثر وضوحًا في مناطق التربة الصقيعية الجبلية، حيث سجل أكثر من 90% من المواقع زيادات ملحوظة في عمق الطبقة النشطة، فيما تضاعف سمكها في بعض المواقع خلال فترة الدراسة.

وفي موقعين جبليين بالنرويج، هما «Juvvasshøe» و«Snøheim»، زاد عمق الطبقة النشطة بمعدل 8.45 سنتيمتر سنويًا، بينما سجلت مواقع في جبال الألب السويسرية زيادات تراوحت بين 9 و36 سنتيمترًا سنويًا.

وقال ديمتري ستريليتسكي، أستاذ الجغرافيا بجامعة جورج واشنطن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن التربة الصقيعية تُعد أحد أهم المؤشرات على تغير المناخ، لأنها تستجيب بصورة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة.

وأضاف أن أهمية الدراسة تكمن في أنها لم تعد تقتصر على رصد مواقع متفرقة تشهد تغيرات سريعة، بل تقدم تقييمًا عالميًا يستند إلى بيانات طويلة الأمد من مواقع متعددة.

الغطاء النباتي يحمي التربة من ارتفاع الحرارة

لم تستجب جميع المناطق للتغيرات المناخية بالمعدل نفسه، إذ أظهرت الدراسة أن المواقع المنخفضة في القطب الشمالي، التي تحتوي على طبقات عضوية سميكة، مثل الأراضي الخثية والمناطق كثيفة الغطاء النباتي، سجلت زيادات أقل في عمق الطبقة النشطة.

ويرجع ذلك إلى أن المواد العضوية تمتلك خصائص عازلة تساعد على حماية التربة من التقلبات في درجات حرارة الهواء، وتحد من انتقال الحرارة إلى الطبقات المتجمدة أسفلها.

وفي المقابل، كانت التغيرات أسرع في المواقع التي تفتقر إلى الغطاء النباتي، أو تتكون تربتها من الرمال والصخور المكشوفة.

وسجل المنحدر الشمالي لألاسكا زيادات في عمق الطبقة النشطة تراوحت بين 0.3 و0.6 سنتيمتر سنويًا في معظم المواقع التي شملها الرصد.

كما رصد الباحثون زيادات أكبر في المواقع التي سبق أن تعرضت لحرائق الغابات، إذ تؤدي الحرائق إلى إزالة الغطاء النباتي والطبقة العازلة الموجودة فوق التربة، ما يجعل الأرض المتجمدة أكثر تعرضًا لحرارة الصيف.

ذوبان التربة الصقيعية

حرارة الصيف والأمطار تتحكمان في معدلات الذوبان

أظهر التحليل الإحصائي أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يمثل العامل الرئيسي المؤثر في تغير عمق الطبقة النشطة بمناطق التربة الصقيعية المنخفضة في القطب الشمالي.

كما يؤدي ارتفاع إجمالي الهطول المطري السائل إلى زيادة إضافية، وإن كانت أقل تأثيرًا من الحرارة؛ إذ سجلت فصول الصيف الأكثر رطوبة معدلات ذوبان أعمق مقارنة بالصيف الأكثر جفافًا.

وفي المقابل، كان تأثير درجات الحرارة خلال المواسم الباردة محدودًا بعد احتساب الخصائص المختلفة لكل موقع.

أما التربة الصقيعية في المناطق الجبلية، فتُظهر سلوكًا أكثر تعقيدًا، ويصعب تفسير التغيرات فيها باستخدام النماذج المناخية المتاحة، بسبب الاختلافات الكبيرة بين المواقع وندرة البيانات المناخية الدقيقة في المرتفعات.

وسجلت بعض المواقع الجبلية، خاصة في جبال الألب السويسرية، معدلات تغير تفوق بكثير ما رُصد في المناطق المنخفضة بالقطب الشمالي.

الهضبة التبتية تسجل معدلات ذوبان مرتفعة

سلطت الدراسة الضوء على هضبة تشينغهاي-التبت في الصين، المعروفة باسم «القطب الثالث»، لأنها تحتوي على كمية من الجليد تفوق أي منطقة أخرى على الأرض خارج المناطق القطبية.

وبلغ متوسط التغير في عمق الطبقة النشطة هناك نحو 3.2 سنتيمتر سنويًا خلال الفترة من 2000 إلى 2024، وهو معدل يعادل نحو أربعة أضعاف متوسط القطب الشمالي في مناطق التربة الصقيعية المستمرة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأن الهضبة التبتية تشهد ارتفاعًا سريعًا في درجات الحرارة، وتضم بنية تحتية تمتد عبر تضاريس جبلية شديدة الصعوبة، ما يجعل استقرار التربة عاملًا أساسيًا في حماية المنشآت والطرق وخطوط النقل.

ذوبان التربة المتجمدة يهدد الطرق والمباني وخطوط الأنابيب

ذوبان التربة الصقيعية

لا تقتصر تداعيات تدهور التربة الصقيعية على التغيرات البيئية، بل تمتد إلى البنية التحتية التي أُنشئت على أساس بقاء الأرض متجمدة ومستقرة.

وتعتمد الطرق والسكك الحديدية والمطارات وخطوط الأنابيب والمباني في مناطق شمال ألاسكا وكندا وسيبيريا والهضبة التبتية على خصائص التربة الصقيعية التي توفر قاعدة مستقرة للمنشآت.

ومع ذوبان الجليد الموجود داخل التربة، يمكن أن تتحرك الأساسات وتتشقق الطرق أو تتعرض للهبوط، ما يتطلب إصلاحات مكلفة، وقد يصل الأمر إلى التخلي عن بعض المنشآت.

كما اضطرت مجتمعات في شمال ألاسكا بالفعل إلى دراسة خيارات الانتقال من مناطقها، نتيجة تراجع استقرار السواحل وهبوط الأراضي التي أُقيمت عليها المنازل.

وتشير الباحثة آنا كلين إلى أن التغيرات التدريجية في مواعيد الصقيع الأول وتساقط الثلوج قد لا تبدو واضحة عند رصدها على مدار عام واحد، لكن القياسات طويلة الأمد تكشف تراكم هذه التغيرات وتأثيرها في النظام البيئي بأكمله.

مخاوف من إطلاق الكربون المخزن لآلاف السنين

يمثل الكربون المخزن في التربة الصقيعية أحد أبرز مصادر القلق لدى علماء المناخ، إذ يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع درجات الحرارة إلى تقليص المساحات التي تظل فيها هذه التربة متجمدة، وإطلاق كميات من الكربون والميثان إلى الغلاف الجوي.

ولا تزال الكميات المحتملة للانبعاثات الناتجة عن ذوبان التربة الصقيعية من أكبر مصادر عدم اليقين في أبحاث المناخ، نظرًا لاختلاف خصائص التربة والغطاء النباتي والظروف المناخية من منطقة إلى أخرى.

وتؤكد نتائج الدراسة أهمية استمرار برامج الرصد الميداني طويلة الأمد، لأنها تتيح تتبع التغيرات البطيئة التي قد يصعب ملاحظتها خلال فترات قصيرة، لكنها تتراكم بمرور الوقت لتؤثر في استقرار النظم البيئية والبنية التحتية ودورة الكربون العالمية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى