من البيض إلى البقوليات.. أطعمة يومية قد ترتبط بأداء إدراكي أفضل لدى المسنين
باحثون يرصدون ارتباطًا بين مادة غذائية شائعة وتحسن اختبارات التفكير لدى كبار السن
كشفت دراسة صينية عن ارتباط ارتفاع استهلاك مادة الليسيثين، الموجودة في عدد من الأطعمة الشائعة مثل البيض وفول الصويا والبقوليات واللحوم، بنتائج أفضل في اختبارات الذاكرة والتفكير لدى كبار السن، إلى جانب انخفاض احتمالات الإصابة بالضعف الإدراكي البسيط.
وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين تناولوا كميات أكبر من الليسيثين سجلوا درجات أعلى، وإن كان الفارق محدودًا، في الاختبارات التي تقيس القدرات المعرفية، كما انخفضت لديهم احتمالات تشخيص الضعف الإدراكي البسيط، وهي حالة تتجاوز فيها مشكلات التفكير والذاكرة ما يُتوقع مع التقدم الطبيعي في العمر، لكنها لا تصل إلى مستوى الخرف.
ومع ذلك، لا تثبت النتائج أن الليسيثين يحسن الذاكرة أو يبطئ تراجع القدرات الإدراكية؛ إذ قيّم الباحثون النظام الغذائي والقدرات الذهنية للمشاركين في وقت واحد، ما يعني أن الدراسة رصدت ارتباطًا إحصائيًا دون أن تحدد علاقة سببية بينهما.
وأُجريت الدراسة بقيادة الباحثتين شياويينج لي وتشنغيان تشي، من مستشفيين تابعين لجامعة العاصمة الطبية في بكين، بمشاركة الباحث يواندي شي، أستاذ الصحة العامة بالجامعة، والمتخصص في دراسة التغذية والذاكرة وفقدان الكتلة العضلية لدى كبار السن. ونُشرت النتائج في دورية Chinese Medical Journal.
ما الليسيثين ولماذا يرتبط بالذاكرة؟
الليسيثين خليط من المواد الدهنية التي تدخل في تكوين الأغشية الرقيقة المحيطة بخلايا الجسم، وتوجد في أطعمة متعددة، من بينها البيض وفول الصويا والبقوليات واللحوم.
وعند هضم الليسيثين، يحصل الجسم أيضًا على مادة الكولين، التي يستخدمها في إنتاج أحد النواقل الكيميائية المسؤولة عن نقل الإشارات بين الخلايا العصبية، وهو ما يوفر أساسًا بيولوجيًا لدراسة العلاقة المحتملة بين استهلاك الليسيثين والذاكرة.
وسبق أن ربطت دراسة فنلندية شملت 2497 رجلًا في منتصف العمر بين ارتفاع استهلاك الفوسفاتيديل كولين، أحد مكونات الليسيثين، وانخفاض خطر الإصابة بالخرف.
لكن سجل الليسيثين باعتباره علاجًا للخرف أقل وضوحًا؛ إذ خلصت مراجعة لتجارب عشوائية نُشرت عام 2003 إلى أن الأدلة المتاحة لا تدعم استخدامه علاجًا لهذه الحالة.
وفي الدراسة الجديدة، اتجه الباحثون إلى فحص مرحلة تسبق الخرف، لمعرفة ما إذا كان الحصول على كميات أكبر من الليسيثين من الوجبات اليومية يرتبط بأداء أفضل في اختبارات الذاكرة والتفكير.

تفاصيل الدراسة واستهلاك الليسيثين
شملت الدراسة 1917 شخصًا من ثلاث مدن صينية هي بكين وجينتشنج وليني، وجرى اختيار المشاركين خلال الفترة من عام 2020 إلى عام 2023، بالاعتماد على سجلات التعداد السكاني أو سجلات القرى.
وكان جميع المشاركين يبلغون 60 عامًا أو أكثر، وأقاموا في المناطق التي شملتها الدراسة لمدة عام على الأقل.
وأجرى الباحثون مقابلات مباشرة مع المشاركين لجمع معلومات عن حالتهم الصحية والأطعمة التي يتناولونها، كما استخدموا استبيانًا لتحديد معدل تناول أنواع مختلفة من الأغذية.
وبالاستعانة بإجابات المشاركين وقاعدة بيانات تركيب الأغذية في الصين، قدّر الفريق متوسط كمية الليسيثين التي يحصل عليها كل شخص يوميًا.
وبلغت نقطة المنتصف بين مستويات الاستهلاك نحو 88 ملليجرامًا يوميًا، واعتمد الباحثون عليها لتقسيم المشاركين إلى مجموعتين، إحداهما تستهلك كميات أعلى من هذا المستوى، والأخرى تستهلك كميات أقل.
اختبارات الذاكرة والتفكير لدى المشاركين
استخدم الباحثون اختبار مونتريال للتقييم المعرفي (Montreal Cognitive Assessment)، الذي تبلغ درجته القصوى 30 نقطة، للكشف عن المشكلات المحتملة في الذاكرة والتفكير.
واختلفت الدرجة التي تشير إلى احتمال وجود مشكلة إدراكية وفقًا للمستوى التعليمي؛ إذ اعتُبرت الدرجة 13 أو أقل مؤشرًا يستدعي الفحص لدى الأشخاص الذين لا يستطيعون القراءة، بينما حُددت الدرجة 24 أو أقل بوصفها حدًا للكشف لدى من تلقوا تعليمًا لمدة سبع سنوات أو أكثر.
وخضع الأشخاص الذين أشارت نتائج الفحص الأولي إلى احتمال وجود مشكلات لديهم لفحوص أجراها أطباء متخصصون في طب الأعصاب، واستخدم الأطباء معايير المعهد الوطني للشيخوخة وجمعية ألزهايمر في الولايات المتحدة لتحديد حالات الضعف الإدراكي البسيط.
وخلص التقييم إلى تشخيص 1023 مشاركًا بهذه الحالة، أي ما يزيد قليلًا على نصف إجمالي المشاركين البالغ عددهم 1917 شخصًا.
ارتفاع الليسيثين يرتبط بانخفاض احتمالات الضعف الإدراكي
أظهرت المقارنة أن المجموعة التي تجاوز استهلاكها 88 ملليجرامًا من الليسيثين يوميًا سجلت درجات أعلى بنحو نصف نقطة في الاختبارات المعرفية، مقارنة بالمجموعة الأقل استهلاكًا.
واستمرت هذه العلاقة بعد أخذ مجموعة من العوامل في الاعتبار، شملت العمر والجنس والمستوى التعليمي والسعرات الحرارية ودهون الدم وتركيب الجسم، إلى جانب سبعة أمراض مزمنة، من بينها السكري والسكتة الدماغية.
ورغم أن الفارق البالغ نصف نقطة يُعد محدودًا على مقياس تصل درجته القصوى إلى 30 نقطة، فإنه ظهر ضمن النتائج الإحصائية للدراسة. وبلغ متوسط الدرجات لدى الأشخاص الذين لم يُشخّصوا بالضعف الإدراكي البسيط 23 نقطة، مقابل 19 نقطة لدى المصابين به.
كما سجلت المجموعة الأعلى استهلاكًا لليسيثين احتمالات أقل بنحو 20% لتشخيص الضعف الإدراكي البسيط.
وعندما قسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث مجموعات وفقًا لمستويات استهلاك الليسيثين، توصلوا إلى نتيجة متقاربة؛ إذ انخفضت احتمالات التشخيص لدى المجموعة الأعلى استهلاكًا بنحو 27% مقارنة بالمجموعة الأقل استهلاكًا.
البيض والبقوليات واللحوم ضمن مصادر الكولين
وصف الباحثون نتائجهم بأنها دليل وبائي يوضح نمطًا صحيًا لدى مجموعة من الأشخاص، وليس إثباتًا لتأثير مباشر لليسيثين في القدرات العقلية.
وأشار الفريق إلى أن ضمان الحصول على كمية كافية من الليسيثين من خلال نظام غذائي متوازن قد يمثل نهجًا عمليًا لدعم الصحة الإدراكية لدى كبار السن.
واستشهد الباحثون بالقيم المرجعية اليومية للكولين في الصين، والتي تبلغ 450 ملليجرامًا للرجال و380 ملليجرامًا للنساء.
لكن هذه الكميات تخص الكولين، وليس الليسيثين؛ فهما مادتان مختلفتان، ولا ينبغي الخلط بين المستويات المرجعية للكولين وكميات الليسيثين التي قاسها الباحثون في الدراسة.
ووفقًا للمؤلفين، يمكن لنظام غذائي متوازن يضم البيض والبقوليات واللحوم قليلة الدهون أن يوفر احتياجات الجسم من الكولين. كما أشارت أبحاث سابقة إلى ارتباط أنماط غذائية، مثل حمية البحر المتوسط، بنتائج أفضل في اختبارات التفكير خلال مراحل العمر المتقدمة.

التعليم قد يؤثر في العلاقة بين الليسيثين والذاكرة
رصد الباحثون اختلافًا واضحًا في العلاقة بين استهلاك الليسيثين والقدرات المعرفية وفقًا للمستوى التعليمي للمشاركين.
فمن بين المشاركين، كان 1025 شخصًا قد تلقوا تعليمًا لا يتجاوز المرحلة الابتدائية، بينهم 387 شخصًا لا يستطيعون القراءة.
وفي هذه المجموعة، سجل الأشخاص الذين تناولوا كميات أكبر من الليسيثين درجات أعلى بنحو نقطة كاملة تقريبًا، بينما كان الفارق محدودًا للغاية بين المشاركين الذين وصلوا إلى المرحلة الإعدادية أو تجاوزوها، وبلغ عددهم 892 شخصًا.
ولم تختلف العلاقة بصورة موثوقة وفقًا للعمر أو الجنس أو الأمراض المزمنة التي فحصها الباحثون، لكن المستوى التعليمي أظهر اختلافًا ملحوظًا.
ويرجح المؤلفون أن ما يُعرف بالاحتياطي المعرفي قد يفسر هذا التباين؛ إذ يمكن للتعليم والأنشطة التي تتطلب جهدًا ذهنيًا أن يمنحا الدماغ وسائل إضافية للتعامل مع الأضرار والتغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.
وبناءً على ذلك، قد يكون الأشخاص الذين يمتلكون احتياطيًا معرفيًا أقل أكثر تأثرًا بالاختلافات الغذائية، لكن الدراسة لا تثبت أن تعديل وجباتهم الغذائية سيؤدي بالضرورة إلى تحسن ذاكرتهم.
تحليل الدم يكشف اختلافات في أغشية خلايا الدم الحمراء
أجرى الفريق تحليلًا إضافيًا لأغشية خلايا الدم الحمراء، التي يمكن أن تعكس تركيبة الدهون التي تناولها الشخص على مدى فترة زمنية.
واختار الباحثون عشوائيًا 30 مشاركًا لهذا الجزء من الدراسة، بواقع 15 شخصًا مصابًا بالضعف الإدراكي البسيط و15 آخرين لا يعانون منه، ثم فحصوا عينات الدم الخاصة بهم.
وأظهرت النتائج أن أغشية خلايا الدم الحمراء لدى المصابين بالضعف الإدراكي احتوت على كميات أقل من الليسيثين، كما اختلف تركيب الأحماض الدهنية المرتبطة به؛ إذ انخفضت نسبة الليسيثين الحامل للأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، مقابل ارتفاع نسبة الأنواع المرتبطة بالأحماض الدهنية المشبعة.
ويُعد حمض الدوكوساهيكسانويك (DHA) أحد الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، ويوجد بتركيزات مرتفعة في الخلايا العصبية.
كما كان أحد أشكال الليسيثين الحامل لحمض اللينوليك، وهو حمض دهني آخر متعدد غير مشبع، ضمن ستة أنواع من الدهون الموجودة في الأغشية الخلوية التي ساعدت على التمييز بين المجموعتين.
لكن هذا التحليل اقتصر على 30 شخصًا فقط، ولم يتمكن الباحثون من تحديد تأثير الليسيثين الحامل لحمض DHA على وجه الخصوص.
حدود الدراسة والحاجة إلى متابعة طويلة الأمد
أكدت الدراسة أنها لا تستطيع تحديد اتجاه العلاقة بين النظام الغذائي والقدرات المعرفية؛ فمن المحتمل أن تكون مشكلات الذاكرة قد بدأت بالفعل لدى بعض المشاركين، وأثرت في عاداتهم الغذائية قبل إجراء التقييم.
كما لم تتوافر لدى الباحثين معلومات عن دخل الأسر أو عدد أفرادها، وهما عاملان قد يؤثران في نوعية الغذاء وصحة الدماغ.
واعتمد تقدير استهلاك الليسيثين أيضًا على تذكر المشاركين للأطعمة التي تناولوها، وهو ما يترك مجالًا لحدوث أخطاء في تسجيل الكميات.
واقتصرت الدراسة على سكان ثلاث مدن صينية، كما أُجريت التشخيصات الطبية دون استخدام مجموعة كاملة من اختبارات الذاكرة.
وأشار المؤلفون إلى أن دراسات تُجرى في مناطق أخرى قد تصل إلى أنماط مختلفة، واقترحوا أن السؤال عن استهلاك الليسيثين قد يصبح مستقبلًا خطوة أولية منخفضة التكلفة ضمن برامج الفحص المجتمعي للذاكرة.
وتمكن نموذج إحصائي جمع بين استهلاك الليسيثين والعمر والجنس والتعليم والسعرات الحرارية وعدد من المؤشرات الصحية من التمييز بين المجموعتين بدرجة معقولة.
ومع ذلك، لا تقدم الدراسة دليلًا على أن زيادة تناول الليسيثين تؤدي إلى إبطاء تراجع الذاكرة، ولذلك دعا الباحثون إلى إجراء دراسات طويلة الأمد تتابع كبار السن لسنوات، وترصد أنظمتهم الغذائية والتغيرات التي تطرأ على قدراتهم المعرفية.





