ملفات خاصةأخبارالسياحة

الأوروبيون لم يرسموا أفريقيا وحدهم.. كيف أخفت الخرائط الاستعمارية دور المرشدين والتجار الأفارقة؟

من الرسم على الرمال إلى خرائط الاستعمار.. كيف ساهم الأفارقة في كشف جغرافية قارتهم؟

قبل خرائط الأوروبيين.. تقاليد أفريقية في رسم الطرق والمسافات سبقت الاستعمار

كشفت دراسة في تاريخ رسم الخرائط بأفريقيا أن الأوروبيين لم يكونوا وحدهم وراء رسم الخرائط التي شكلت التصور الجغرافي الحديث للقارة، إذ استند كثير من المستكشفين والضباط الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر إلى معلومات جغرافية قدمها مرشدون ومترجمون وتجار وحكام أفارقة، قبل أن تُنسب هذه الخرائط في وقت لاحق إلى صانعيها الأوروبيين وحدهم.

وتعيد هذه النتائج النظر في رواية تاريخية شائعة تصور رسم أفريقيا بوصفه إنجازًا أوروبيًا خالصًا، بينما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن جانبًا كبيرًا من المعلومات التي ظهرت في الخرائط الاستعمارية كان مستمدًا من ممارسات محلية أفريقية في تحديد المواقع ورسم الطرق وتقدير المسافات، وإن لم يُعترف دائمًا بمصادرها الأصلية.

وتأتي هذه المناقشة بعد اعتماد الأمم المتحدة، في سبتمبر 2026، قرارًا يؤيد خريطة أكثر إنصافًا في تمثيل أحجام الكتل الأرضية، ضمن مبادرة «تصحيح الخريطة» (Correct the Map)، التي سلطت الضوء على التشوهات الناتجة عن إسقاط سطح الأرض الكروي على خرائط مسطحة، وما تسببه من إظهار أفريقيا أصغر من مساحتها الحقيقية.

لكن هذه المبادرة فتحت الباب أمام سؤال آخر يتعلق بما لا تزال التصورات العالمية تقلل من شأنه في تاريخ القارة، وهو الدور الذي أداه الأفارقة أنفسهم في إنتاج المعرفة الجغرافية التي اعتمدت عليها الخرائط الأوروبية.

الخرائط الاستعمارية

الأفارقة رسموا الطرق على الرمال قبل الخرائط الأوروبية

يوضح الباحث المتخصص في تاريخ خرائط أفريقيا أن تقاليد رسم الخرائط لدى المجتمعات الأفريقية قبل الاستعمار لم تكن موثقة بصورة كافية، أو كانت مؤقتة لا تترك سجلات مكتوبة، إلا أن رسم الطرق على الأرض وتقديم المعلومات الجغرافية شفهيًا كانا من الممارسات الشائعة، وحظيا بقيمة عملية كبيرة.

واعتمد المستكشفون الأوروبيون على هذه الممارسات خلال رحلاتهم، إذ كان المرشدون والتجار والمترجمون الأفارقة يشرحون لهم الطرق والمسافات ومواقع المدن ومراكز التجارة، كما كانوا يرسمون المسارات على الأرض باستخدام العصي، أو يوضحون المسافات بوسائل بسيطة.

ومن الأمثلة على ذلك خريطة المستكشف الفرنسي هنري دوفيريه للصحراء الكبرى عام 1861، التي استندت أجزاء منها إلى الخرائط التي رسمها دليله الشيخ عثمان على الرمال، وتشير الدراسة إلى أن أكثر من ثلث المعلومات الواردة في خريطة دوفيريه جاء من مصادر محلية.

كما اعتمد الملازم في البحرية الفرنسية لويس جوستاف بينجيه، خلال رحلاته في غرب أفريقيا، على المعلومات التي قدمها مترجمه فوفانا دياوي، الذي رسم على الأرض مخططًا لمدينة نيليه، الواقعة حاليًا في شمال كوت ديفوار.

وكان زعيم المدينة قد منع بينجيه من زيارتها، ما جعل الرسم الذي أعده المترجم الأفريقي مصدرًا مهمًا للمعلومات عن تخطيطها. وفي واقعة أخرى، ذكر بينجيه أن وسيطًا أفريقيًا استخدم قطعًا متفاوتة الأطوال من القش على الأرض لتوضيح المسافات بين المواقع في منطقة كونج.

بو المُقداد، مترجم ومستكشف سنغالي، رسم خريطة طريق من شمال السنغال إلى غرب وسط المغرب

65% من الطرق في خريطة فرنسية مصدرها أفريقي

وخلال استكشافه المنطقة الواقعة بين نهر النيجر وخليج غينيا في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، جمع ضابط البحرية الفرنسية جان باتيست مارشان معلومات عن الطرق من السكان المحليين، خصوصًا الأماكن التي لم يتمكن من الوصول إليها بنفسه.

وظهرت هذه المعلومات في خريطته المهمة للمنطقة على هيئة خطوط متقطعة، في حين رُسمت الطرق التي سلكها مارشان وغيره من المستكشفين الأوروبيين بخطوط متصلة.

وعند حساب إجمالي أطوال الطرق الواردة في الخريطة، تبين أن المصادر الأفريقية أسهمت في تحديد نحو 65% منها، ما يوضح حجم الاعتماد على المعرفة المحلية في رسم المسارات الجغرافية للقارة.

وساعدت المعلومات التي قدمها الوسطاء والمرشدون الأفارقة المستكشفين الأوروبيين أيضًا على تصحيح تصورات جغرافية خاطئة، من بينها اكتشاف بينجيه أن جبال كونج الأسطورية، التي ظهرت في عدد كبير من خرائط القرن التاسع عشر وامتدت عبر مساحات واسعة من القارة، لم تكن موجودة في الواقع.

ساهم المرشدان والمترجمان الأفريقيان، فوفانا دياوي وموسى دياوارا، في استكشاف ورسم خرائط الملازم لويس جوستاف بينغر في الفترة 1887-1889 لمنطقة منحنى نهر النيجر ف
ساهم المرشدان والمترجمان الأفريقيان، فوفانا دياوي وموسى دياوارا، في استكشاف ورسم خرائط الملازم لويس جوستاف بينغر في الفترة 1887-1889 لمنطقة منحنى نهر النيجر

كما تعلم مارشان، أن نطاق السافانا يمتد إلى داخل الغابات المطيرة في الجزء الجنوبي الأوسط من كوت ديفوار بدرجة أكبر مما كان يُعتقد، وأن عبور الغابة الكثيفة قد يستغرق مسافة أقصر من التقديرات السابقة.

ولم تقتصر أهمية هذه المعلومات على تصحيح الخرائط، بل ساعدت أيضًا في تسهيل التوسع الاستعماري الفرنسي، بعدما كشفت طرقًا أقصر وممرات جغرافية لم تكن معروفة للمستكشفين الأوروبيين.

جزء من خريطة هنري دوفيرييه وإدوارد دي ديسبويسون لعام 1861 للصحراء الغربية

خلاف أوروبي حول الاعتراف بالمعرفة الأفريقية

لم يكن إدراج المعلومات الجغرافية التي قدمها الأفارقة في الخرائط الأوروبية أمرًا متفقًا عليه بين الجغرافيين والضباط العسكريين الأوروبيين؛ إذ رفض بعض صانعي الخرائط الاعتماد على هذه المعلومات، بحجة أنها لا تتوافق مع معايير علم رسم الخرائط، لأنها تستند إلى الروايات الشفهية بدلًا من القياسات المباشرة.

في المقابل، رأى ضباط عسكريون آخرون، خصوصًا المشاركين في توسيع الحدود الاستعمارية، أن المعلومات والخرائط المحلية تتمتع بقيمة عملية كبيرة، حتى إن لم تكن قد أُعدت وفق المعايير العلمية الأوروبية السائدة آنذاك.

وكان هذا الخلاف مرتبطًا أيضًا بالفكرة الاستعمارية التي افترضت تفوق المعرفة الأوروبية، واعتبرت أن المعلومات التي يقدمها السكان المحليون أقل دقة أو موثوقية.

وظهرت هذه النظرة في استخدام الخطوط المتقطعة على بعض الخرائط للإشارة إلى الطرق والمعلومات المستمدة من السكان الأفارقة، مقابل الخطوط المتصلة التي خُصصت للمسارات التي قاسها الأوروبيون بأنفسهم، بما أوحى بأن المعلومات المحلية مؤقتة وستُستبدل لاحقًا بقياسات أوروبية أكثر دقة.

خريطة أرضية لمدينة نييلي من إعداد المرشد والمترجم الأفريقي فوفانا دياوي

المساحات الفارغة لم تكن دائمًا مناطق مجهولة

ومن الجوانب التي تعيد الدراسة النظر فيها تفسير المساحات الفارغة التي ظهرت في عدد من الخرائط الأوروبية للقارة، إذ اعتُبرت هذه الفراغات أحيانًا دليلًا على غياب المعلومات الجغرافية، أو مناطق غير مستكشفة يمكن التوسع الاستعماري داخلها.

لكن مراجعة تقارير المستكشفين والضباط الأوروبيين تشير إلى أن بعض هذه المساحات لم تكن مجهولة بالضرورة، بل ظهرت لأن السلطات الأفريقية رفضت السماح للأوروبيين بدخول أراضيها أو التنقل عبرها.

وكان الحكام المحليون يدركون أن رسم الطرق وتحديد المواقع قد يخدم أهدافًا استعمارية وعسكرية، ولذلك فرضوا قيودًا على حركة المستكشفين الأوروبيين، ومنعوهم في بعض الحالات من الحصول على تصاريح السفر أو الاستعانة بمرشدين محليين.

وفي مذكراته عن رحلاته في مناطق تقع حاليًا ضمن مالي وكوت ديفوار وبوركينا فاسو، أرجع بينجيه ظهور المساحات الفارغة في خريطته المؤلفة من أربع لوحات إلى عدم حصوله على دليل جيد أو تصريح سفر من السلطات الأفريقية.

وللتغلب على هذه القيود، استعانت السلطات الاستعمارية بأفارقة في عمليات الاستكشاف ورسم الخرائط، وظهرت آثار رحلاتهم في الخرائط التجميعية التي أعدها الأوروبيون خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ومن بين هؤلاء المستكشفان السنغاليان روجيه بانيه، الذي نفذ رحلة عام 1850، وبو المجداد سيك، الذي رسم مسارًا من شمال السنغال إلى غرب وسط المغرب خلال عامي 1860 و1861، وظهرت مسارات رحلتيهما في خريطة أفريقيا التي أعدها هيرمان هابنيخت في 10 لوحات خلال عامي 1885 و1886.

كما ظهرت المعلومات الجغرافية التي جمعها الأفريقيان بيدرو جواو بابتيستا وأمارو خوسيه، اللذان عملا وكيلين للتجارة البرتغالية في وسط أفريقيا، ضمن إحدى لوحات خريطة أفريقيا التي أعدها رينو دو لانو دي بيسي، والمكونة من 63 لوحة.

وتشير الدراسة إلى أن أكثر من ثلثي معلومات الطرق الواردة في لوحة سيغو سيكورو من خريطة لانو عام 1882 استندت إلى ممارسات رسم الخرائط الأفريقية، كما أدرجت مسارات المستكشفين الأفارقة بخطوط متصلة، على غرار المسارات الأوروبية.

نسخة رقمية من خريطة جان باتيست مارشان لعام ١٨٩٦ لجزء من غرب أفريقيا.

خرائط شارك الأفارقة في إعدادها استُخدمت لتقسيم القارة

واكتسبت هذه الخرائط أهمية سياسية كبيرة، إذ استُخدمت خلال مؤتمر برلين لأفريقيا عامي 1884 و1885، لتحديد حدود مناطق التجارة الحرة في حوضي نهري الكونغو والنيجر.

وكان المؤتمر نقطة انطلاق لمرحلة التنافس الاستعماري الأوروبي على أفريقيا، المعروفة باسم «التدافع على أفريقيا»، والتي استمرت حتى القرن العشرين.

وتكشف هذه المفارقة أن الخرائط التي ساهم الأفارقة في إعدادها، من خلال معلوماتهم الجغرافية ورحلاتهم الاستكشافية، استُخدمت لاحقًا في رسم الحدود التي قسمت أراضيهم إلى مستعمرات أوروبية.

يدعو قرار الأمم المتحدة إلى تمثيل العالم تمثيلاً صحيحاً من خلال اعتماد خرائط مثل إسقاط الأرض المتساوية

وبعد عقود من إنهاء الاستعمار، بدأت دراسات تاريخ الخرائط في إعادة فحص الوثائق المحفوظة داخل الأرشيفات الوطنية والمكتبات، بما أتاح الكشف عن الأدوار الأفريقية التي لم تحظ بالاعتراف الكافي.

وتشير هذه الأبحاث إلى أن الخرائط التي صُنفت طويلًا باعتبارها إنجازات أوروبية خالصة كانت في الحقيقة نتاجًا مشتركًا لتفاعلات ثقافية ومعرفية معقدة، شارك فيها مستكشفون أوروبيون ومرشدون ومترجمون وتجار ومستكشفون أفارقة.

وبذلك، لا تقتصر إعادة قراءة تاريخ خرائط أفريقيا على تصحيح أسماء المشاركين في رسمها، بل تكشف أيضًا كيف جرى توظيف المعرفة الجغرافية المحلية في خدمة المشروع الاستعماري، بينما ظل أصحاب جانب كبير من هذه المعرفة خارج الرواية التاريخية السائدة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى