أخبارالتنوع البيولوجيالزراعة

الأشجار تحتضر.. ومفاجأة تحدث تحت الأرض قبل موتها

«شبكة الإنترنت الخشبية».. كيف تتبادل الأشجار الكربون تحت التربة؟

كشفت أبحاث علمية عن ظاهرة مثيرة تحدث في باطن الغابات، إذ يمكن للكربون أن ينتقل من شجرة إلى أخرى عبر شبكات فطرية مرتبطة بالجذور، خاصة عندما تكون بعض الأشجار في حالة تدهور أو تقترب من نهاية دورة حياتها.

وعلى الرغم من انتشار وصف هذه الظاهرة باعتبارها «الهدية الأخيرة» التي تقدمها الأشجار المحتضرة إلى جيرانها، فإن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا؛ فالدراسات تؤكد وجود انتقال للكربون بين النباتات، لكنها لا تحسم أن الأشجار تتصرف بدافع من «الإيثار»، كما أن حجم هذه التدفقات ودورها الفعلي في دعم الأشجار الأخرى لا يزالان موضع نقاش بين الباحثين.

شبكة خفية تحت الأرض

الأشجار

تحت أقدامنا توجد شبكة واسعة من الخيوط الفطرية التي ترتبط بجذور الأشجار، وتعرف باسم شبكات الميكوريزا أو الفطريات الجذرية التكافلية.

وتنشأ هذه الشبكات عندما تستعمر الفطريات جذور نباتات متعددة، فتنتشر خيوط دقيقة تعرف باسم «الهيفات» داخل التربة، ويمكن أن تربط بين أشجار من النوع نفسه أو حتى بين أنواع مختلفة.

ويطلق بعض علماء الأحياء على هذه الشبكة اسم «شبكة الإنترنت الخشبية»، في إشارة إلى قدرتها على ربط النباتات وتسهيل تبادل بعض الموارد بينها.

وأظهرت تجارب باستخدام نظائر الكربون أن الكربون يمكن بالفعل أن ينتقل من شجرة إلى أخرى عبر هذه الشبكات الفطرية، بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أن حركة الكربون قد تتغير عندما تدخل إحدى الأشجار في مرحلة من التدهور.

تبادل للمنافع وليس «إيثارًا»

رغم الصورة الرومانسية التي تصور الأشجار على أنها تتبرع بكربونها للأشجار الصغيرة أو المحتضرة، فإن العلماء يشيرون إلى أن العلاقة بين الأشجار والفطريات تقوم أساسًا على التكافل وتبادل المنافع.

فالأشجار توفر للفطريات السكريات والمركبات الكربونية الناتجة عن عملية البناء الضوئي، بينما تساعد الفطريات جذور الأشجار على الوصول إلى المياه والعناصر المعدنية في التربة.

وبالتالي، فإن انتقال الكربون عبر الشبكة الفطرية لا يعني بالضرورة أن الأشجار «تقرر» مساعدة بعضها بعضًا، وإنما قد يكون نتيجة طبيعية للعلاقة التكافلية بين النبات والفطر.

وكانت الباحثة الكندية سوزان سيمارد من أبرز العلماء الذين ساهموا في لفت الانتباه إلى هذه العلاقات، بعدما نشرت عام 1997 دراسة في دورية «Nature» وثقت انتقال الكربون بين الأشجار عبر شبكات الفطريات الجذرية في الظروف الطبيعية.

وساعدت هذه الأبحاث في توسيع فهم العلماء للغابات، التي لم تعد تُدرس فقط باعتبارها تجمعات من الأشجار المتنافسة على الضوء والمياه، بل باعتبارها أيضًا أنظمة بيئية مترابطة تتبادل الموارد عبر شبكات تحت الأرض.

الأشجار
الأشجار

كم من الكربون ينتقل بين الأشجار؟

كشفت تجارب تتبع الكربون باستخدام النظائر عن انتقال ملموس للمركبات الكربونية بين الأشجار المرتبطة بالشبكة الفطرية نفسها.

وفي إحدى التجارب التي شملت أشجار البتولا والتنوب دوغلاس، تراوحت كمية الكربون التي تلقاها التنوب بين 10 و25% من ناتجه الناتج عن البناء الضوئي.

وفي تجربة أخرى أجريت في غابات منطقة جورا السويسرية، انتقل نحو 4% من المركبات الكربونية الناتجة عن البناء الضوئي في إحدى الأشجار إلى أشجار مجاورة مرتبطة بالشبكة الفطرية نفسها.

كما أظهرت بعض التجارب تغير اتجاه تدفق الكربون وفقًا للموسم؛ ففي الصيف، عندما تكون أشجار البتولا أكثر تعرضًا لأشعة الشمس، يمكن أن تنتقل كميات من الكربون منها إلى أشجار التنوب الموجودة في الظل، بينما قد يتغير اتجاه التدفق في الخريف بعد تساقط أوراق البتولا.

ماذا يحدث عندما تحتضر الشجرة؟

تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة في احتمال تغير حركة الكربون عندما تدخل الشجرة مرحلة التدهور.

وقد أشارت أبحاث إلى أن الأشجار الكبيرة والمتقدمة في العمر، والتي ترتبط بشبكات فطرية واسعة، يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من حركة الكربون داخل الغابة.

ومع تراجع قدرة الشجرة على النمو واستخدام مخزونها الكربوني، قد تصبح بعض مركبات الكربون متاحة للانتقال عبر الشبكة الفطرية إلى نباتات أخرى لا تزال نشطة.

لكن العلماء يحذرون من تفسير هذه الظاهرة باعتبارها «وصية أخيرة» أو قرارًا واعيًا من الشجرة.

أحد التفسيرات المحتملة هو أن الفطر نفسه قد يكون عاملًا رئيسيًا في عملية النقل؛ إذ إن الفطريات تعتمد على السكريات التي تحصل عليها من النباتات الحية، وبالتالي يمكن أن تكون لديها مصلحة بيولوجية في تعزيز العلاقات مع الأشجار القادرة على الاستمرار في توفير الكربون.

الأشجار

دراسة تكشف دور الفطريات في أوقات الضغط

أضافت دراسة نشرت عام 2025 في دورية «Plant Diversity» طبقة جديدة إلى فهم هذه العلاقة.

فعندما خفّض الباحثون كمية الكربون المتاحة لأشجار الصنوبر، تراجعت الأنشطة الفسيولوجية للجذور، لكن في المقابل ارتفعت نسبة استعمار الجذور بالفطريات الجذرية بنسبة 110%، بينما زاد طول الخيوط الفطرية الممتدة خارج الجذور بنسبة 340%.

وتشير هذه النتائج إلى أن الفطريات قد تزيد من نشاط شبكتها عندما تتعرض الشجرة لضغط كربوني، وهو ما يدعم فكرة أن بعض التدفقات الكربونية قد تكون مرتبطة بمصلحة الفطر واستمرار العلاقة التكافلية، وليس بسلوك تعاوني مقصود من الشجرة.

«الأشجار الأم» وشبكات الغابات

تضم الغابات القديمة أشجارًا كبيرة ومرتبطة بعدد كبير من النباتات الأخرى عبر الشبكات الفطرية، ويطلق على بعضها بصورة غير رسمية وصف «الأشجار الأم».

وقد أثارت هذه الفكرة اهتمامًا واسعًا لأنها تشير إلى أن الأشجار الكبيرة قد تؤدي دورًا مهمًا في بنية الشبكات الموجودة تحت التربة، وربما تساعد في استمرار بعض عمليات تبادل الموارد داخل الغابة.

لكن هذه الفكرة أيضًا ليست محسومة بالكامل؛ إذ حذر باحثون من أن بعض النتائج التجريبية حول «الأشجار الأم» جرى تعميمها إعلاميًا بصورة أكبر من حجم الأدلة العلمية المتاحة.

وفي عام 2023، خلص تحليل علمي إلى أن الأدلة الميدانية على بعض الادعاءات الشائعة بشأن قيام الأشجار الكبيرة بدور «الأمهات» التي تتعمد رعاية الأشجار الأخرى أضعف وأكثر تعقيدًا مما توحي به الروايات المتداولة.

نمو الأشجار
الأشجار

شبكة مهمة لمواجهة تغير المناخ

بعيدًا عن فكرة «الهدية الأخيرة»، فإن وجود شبكات الفطريات الجذرية وانتقال الكربون عبرها يحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى فهم دور الغابات في دورة الكربون.

فالغابات تخزن كميات هائلة من الكربون، ولا يقتصر هذا التخزين على جذوع الأشجار وأغصانها وأوراقها، بل يمتد إلى التربة والمواد العضوية الموجودة تحت سطحها.

وتساعد العلاقات بين النباتات والفطريات في تكوين مواد عضوية مستقرة داخل التربة، كما يمكن أن تعزز قدرة النظام البيئي على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.

ولهذا السبب، يرى الباحثون أن حماية الغابات لا ينبغي أن تركز فقط على الأشجار الظاهرة فوق سطح الأرض، وإنما يجب أن تشمل أيضًا الشبكات الحيوية الموجودة تحتها.

إزالة الغابات تهدد شبكة الحياة الخفية

إزالة الغابات

يمكن لإزالة الغابات والزراعة المكثفة والاستخدام الواسع لبعض المواد الكيميائية أن يؤدي إلى تدمير أو إضعاف الشبكات الفطرية الموجودة في التربة.

ولا تعني إزالة الأشجار فقدان الغطاء النباتي فقط، بل قد تؤدي أيضًا إلى تفكيك البنية التحتية البيولوجية التي تعتمد عليها علاقات التكافل بين النباتات والفطريات.

وتشير هذه الصورة إلى أن صحة الغابة تعتمد على منظومة أكثر تعقيدًا بكثير مما يظهر فوق سطح الأرض؛ فبينما نرى الأشجار والسيقان والأوراق، تعمل شبكة خفية من الجذور والفطريات والكائنات الدقيقة على إدارة جزء من حركة المياه والعناصر والكربون.

وفي النهاية، قد لا تكون «الهدية الأخيرة» للشجرة المحتضرة بالمعنى الذي تصوره القصص الشائعة حقيقة مثبتة بالكامل، لكن العلم يؤكد أن الكربون يمكن أن يتحرك بين الأشجار عبر شبكات فطرية تحت الأرض.

والأهم أن هذه الشبكات قد تكون جزءًا أساسيًا من قدرة الغابات على تخزين الكربون، والاحتفاظ بالمياه، ومقاومة الجفاف والاضطرابات المناخية؛ ما يجعل حماية الحياة تحت التربة أهمية لا تقل عن حماية الأشجار التي نراها فوقها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة