من زراعة المنزل إلى زيادة الأرباح.. كيف تستغل المتاجر إقبال المواطنين المتزايد على الخضروات والأعشاب؟
زراعة الخضروات والأعشاب تقود نمو القطاع.. 7 طرق لتحويل اهتمام العملاء إلى مبيعات مستدامة
تحولت الزراعة المنزلية وإنتاج الخضروات والأعشاب في المنازل إلى قوة مؤثرة في سوق مراكز الحدائق والمشاتل، بعدما شهد هذا النشاط نموًا لافتًا خلال السنوات التي أعقبت جائحة كورونا، ليصبح أحد أسرع القطاعات نموًا في صناعة مراكز الحدائق والمشاتل.
ويضم قطاع العملاء المهتمين بزراعة غذائهم بأنفسهم، بصورة أساسية، جيل الألفية والعائلات التي لديها أطفال، وهو ما يجعله شريحة مهمة لا ينبغي لمراكز الحدائق تجاهلها، لما يمكن أن تسهم به في تعزيز الإيرادات، وزيادة متوسط قيمة مشتريات العميل، ورفع مستويات الولاء، وتنويع قاعدة السوق.
قطاع الزراعة المنزلية شهد طفرة هائلة مع بداية جائحة كوفيد-19، حيث تضاعفت مبيعات شتلات الأعشاب والخضروات، وأحيانًا وصلت إلى ثلاثة أمثالها، لدى مراكز الحدائق والمشاتل في مختلف أنحاء القطاع.
وتدعم الإحصاءات المتاحة هذا الاتجاه؛ فوفقًا للجمعية الوطنية للبستنة في الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة الأسر الأمريكية التي تمارس زراعة الغذاء من 35.4% عام 2018 إلى 41.3% عام 2021، بعدما سجلت 41.7% عام 2020.
كما أظهر استطلاع أجرته شركة «سكوتس ميراكل-جرو» حول الزراعة المنزلية، أن عدد الأمريكيين الذين زرعوا حدائق للخضروات ارتفع بنسبة 36% عام 2020 مقارنة بعام 2019، فيما أفاد 65% من هؤلاء المزارعين الجدد بأنهم قرروا زراعة الخضروات تحديدًا بسبب جائحة كورونا.

واللافت أن هذا الاهتمام لم يتراجع بعد انحسار مخاوف الجائحة، بل استمر حتى بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.
وقال ديتل-فريدلي، الذي أمضى عقدين من الزمن مديرًا للمشتريات ومديرًا للمنتجات في مشتل «فلامينجو رود» بولاية فلوريدا: «اكتشف الناس أن زراعة غذائهم بأنفسهم أمر ممتع، وأنها نشاط يجذبهم ويشجعهم على المشاركة. لقد أشعلت الجائحة اهتمامًا مستمرًا بالزراعة الغذائية، ولا يزال العملاء يمارسونها، كما أن الرغبة الأساسية في الزراعة لا تزال قوية».
وفي ظل استمرار هذا الاتجاه، يطرح خبراء الصناعة مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن لمراكز الحدائق والمشاتل الاعتماد عليها للاستفادة من سوق الزراعة المنزلية، وتعزيز علاقتها بالعملاء المهتمين بزراعة الخضروات والفواكه والأعشاب.
مراكز الحدائق بحاجة إلى معرفة عملائها
للاستفادة من استمرار الاهتمام بزراعة الفواكه والخضروات والأعشاب في المنازل، يقترح ديتل-فريدلي أن تقوم مراكز الحدائق والمشاتل بدراسة التركيبة السكانية والثقافية للمجتمعات المحلية التي تخدمها.
ويؤكد أن التركيبة السكانية المحلية تمثل عاملًا رئيسيًا في تحديد الطلب على أصناف نباتية محددة، موضحًا أن منطقة جنوب فلوريدا، على سبيل المثال، تضم جالية لاتينية كبيرة، وهو ما يخلق طلبًا مرتفعًا على مجموعة من النباتات المرتبطة بالتراث الثقافي لهذه المجتمعات.
ويضرب ديتل-فريدلي مثالًا بأشجار المانجو، موضحًا أنه عندما يأتي أحد العملاء لشراء شجرة مانجو، يبدأ بسؤاله عن بلد المنشأ أو الخلفية الثقافية، لأن ذلك قد يساعد في تحديد الأصناف التي يبحث عنها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان العميل من جامايكا، يمكن توجيهه إلى أصناف مانجو «جولي»، بينما يمكن للعملاء من أصول هندية أو سريلانكية توجيههم إلى أصناف «ألفونسو».

ويقول: «من المثير للاهتمام كيف أن كل صنف ونوع من النباتات يمكن أن يرتبط بمجموعة ثقافية معينة».
وينصح ديتل-فريدلي أصحاب مراكز الحدائق ومديري المبيعات بالاستثمار في الوقت والجهد للتعرف على المجموعات الثقافية المختلفة في مناطق خدمتهم، وفهم النباتات التي تفضلها كل مجموعة.
ويرى أن هذا النوع من البحث البسيط، إلى جانب التفاعل الشخصي مع العملاء، يمكن أن يساعد سريعًا في بناء علاقة أعمق وأكثر استدامة معهم.
موظفو مراكز الحدائق بحاجة إلى فهم لغة العملاء
إلى جانب معرفة العملاء، يمثل امتلاك فريق عمل يتمتع بالمعرفة والخبرة شرطًا أساسيًا للاستفادة من سوق الزراعة المنزلية.
إن موظفي المتاجر يمثلون المصدر الأساسي لتثقيف العملاء، كما أنهم في أفضل موقع للقيام بهذا الدور، نظرًا لقربهم المباشر من المستهلكين، ومعرفتهم بالمنتجات، وقدرتهم على مشاركة خبراتهم الشخصية في زراعة النباتات، فضلًا عن فهم احتياجات العملاء.
وهذا النهج انعكس بالفعل على المبيعات، موضحة أن الشركة شهدت زيادة ملحوظة في مبيعات الخضروات والأعشاب عبر متاجرها.
لكن مراكز الحدائق والمشاتل بحاجة أيضًا إلى إدراك أن العملاء أصبحوا يجرون أبحاثهم بأنفسهم قبل الشراء، وغالبًا ما يحصلون على معلوماتهم الزراعية الأولى من منصات التواصل الاجتماعي مثل «يوتيوب» و«تيك توك».
وهذه المعلومات، التي تنتشر في مجتمعات زراعية غير تقليدية، أدت إلى ظهور مفاهيم ومصطلحات زراعية تختلف بصورة كبيرة عن اللغة التي اعتاد تجار التجزئة استخدامها.
ويشير إلى أنه سمع ذات مرة أحد الموظفين يتحدث مع عميل عن مصطلح «Chop and Drop»، أي «القطع وترك البقايا»، فسأل الموظف عن معنى المصطلح، ليكتشف أنه مستمد من الزراعة المستدامة، حيث يتم قطع نبات سريع النمو، بغض النظر عن قيمته الزخرفية، وتركه على سطح التربة ليتحلل طبيعيًا، بما يسهم في إثراء التربة وتغذية النباتات المحيطة.
وبعد نحو أسبوع، استخدم أحد العملاء الأصغر سنًا المصطلح بشكل طبيعي خلال حديثه، وهو ما جعله يدرك ضرورة إدخال هذه المصطلحات الحديثة إلى حواراته مع العملاء.
استخدام اللغة التي يتداولها العملاء يساعدهم على إدراك أن موظف مركز الحدائق يتابع التطورات والمفاهيم الجديدة في عالم الزراعة، وليس شخصًا يقدم نصائح تقليدية عفا عليها الزمن.
وفي النهاية، النجاح يعتمد بدرجة كبيرة على الاستماع الفعلي إلى العملاء، ومتابعة المصطلحات والمفاهيم التي تحظى بشعبية بينهم، بما يعزز صورة المتخصص المحترف الذي يمتلك معرفة حديثة ومتطورة.

الزراعة الشاملة تعزز ارتباط العملاء بالنباتات
توجد علاقة قديمة بين الزراعة والرفاهية الشخصية، إذ اعتاد الناس تاريخيًا اللجوء إلى الحدائق باعتبارها مصدرًا للراحة والدعم، إلا أن هذا الاتجاه شهد اهتمامًا متزايدًا في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.
وعودة الناس إلى حدائقهم دفعتهم أيضًا إلى زيادة اهتمامهم بالأعشاب واكتشاف استخداماتها المختلفة.
هذا الاتجاه يرتبط بالتطور الذي شهدته الزراعة المنزلية خلال السنوات الماضية، والذي حفزته الحاجة إلى أنشطة منزلية أثناء جائحة كورونا.
فضول العملاء تجاه الأعشاب كان موجودًا دائمًا، لكن توفير المعلومات والتعليم بطريقة بسيطة وسهلة يجعل المستهلكين أكثر استعدادًا لاكتساب المعرفة وتجربة نباتات جديدة.
إن البستانيين الذين نجحوا في زراعة النباتات الأساسية، مثل الطماطم والخيار والفلفل، بدأوا الآن في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، من خلال إضافة النباتات المصاحبة والزهور والأعشاب إلى حدائقهم، وهي نباتات يمكن أن تؤدي وظائف متعددة.
وذلك يمثل فرصة مهمة أمام مراكز الحدائق للحديث مع العملاء عن الاستخدامات المختلفة للنباتات، والطرق التي يمكن من خلالها دمجها في حياتهم اليومية.

التعليم بعد البيع مفتاح عودة العملاء
يمثل التواصل مع العملاء بعد إتمام عملية الشراء مجالًا مهمًا يمكن لمراكز الحدائق والمشاتل من خلاله تعزيز علاقتها بعملاء الزراعة المنزلية، إلا أن ديتل-فريدلي يرى أن هذا الجانب لا يحظى بالاهتمام الكافي في القطاع.
ويعد استمرار التعليم والإرشاد أحد أفضل الطرق لبناء علاقة طويلة الأمد مع العملاء بعد الشراء.
و الفعاليات التعليمية يجب أن تكون مرتبطة بصورة مباشرة بما يزرعه العملاء أو يخططون لزراعته حاليًا، وألا تكون موضوعاتها عامة بصورة مبالغ فيها.
فالموضوعات الواسعة، مثل «الزراعة العضوية»، لا تزال تحظى بشعبية، لكن العملاء أصبحوا أكثر معرفة وخبرة، ولذلك يبحثون بصورة متزايدة عن معلومات متخصصة وتفصيلية.
ولهذا، ينبغي لمراكز الحدائق التركيز على موضوعات تجذب البستانيين من المستوى المتوسط والمتقدم، الذين تجاوزوا مرحلة تعلم المصطلحات الأساسية وأصبحوا يبحثون عن فهم أعمق للممارسات الزراعية.
والتعليم الشامل يمثل المفتاح الأساسي للتواصل مع المزارعين المنزليين والاستفادة من نمو سوق الزراعة الغذائية.
وتشمل هذه الأنشطة تعليمًا عمليًا يقدم بمشاركة خبراء زائرين، إلى جانب ورش العمل التطبيقية التي يتعلم خلالها العملاء تقنيات زراعة أنواع مختلفة من الفواكه والخضروات والأعشاب.
العملاء يهتمون فعلًا بمعرفة الاستخدامات المختلفة للأعشاب، أو الطرق الصحيحة لتقليم أشجار الفاكهة لزيادة الإنتاجية، مؤكدة أن هناك طرقًا عديدة لتقديم التعليم داخل مراكز الحدائق، لكن الأكثر فاعلية هو التأكد من معرفة العملاء بما ينبغي عليهم فعله بالنباتات بعد شرائها، وكيفية الحفاظ عليها وتحقيق النجاح في زراعتها.
أهمية توفير بيئة غير رسمية وغير حُكمية خلال الفعاليات التعليمية، بحيث يبدأ النقاش بدعوة مفتوحة لطرح الأسئلة، بما يشجع المشاركين حتى على طرح الأسئلة البسيطة، ويجعل جميع الحاضرين أكثر ارتياحًا للمشاركة.
ومن خلال اختيار موضوعات متخصصة ومتقدمة، والابتعاد عن الاقتصار على الموضوعات التمهيدية العامة، تستطيع مراكز الحدائق والمشاتل بناء علاقات أعمق مع العملاء، وتحويل نفسها إلى شريك مستمر في نجاحهم الزراعي.
الاستفادة من خبرات الموردين
يمثل التعاون مع الموردين وسيلة مباشرة وفعالة لتعزيز المعرفة لدى العملاء وموظفي مراكز الحدائق على حد سواء.
فالموردون لديهم دافع قوي للمشاركة في البرامج التعليمية، لأن العميل أو الموظف الذي يمتلك معرفة أفضل بالمنتج يكون أكثر قدرة على استخدامه والتوصية به، وهو ما ينعكس في النهاية على زيادة المبيعات.
ويقول ديتل-فريدلي إن الموردين والموزعين يقدمون في كثير من الأحيان تدريبات لموظفي مراكز الحدائق، كما يشاركون في تعريف العملاء بالمنتجات المتخصصة.
ويوصي كذلك باستغلال خبرات الموردين من خلال تنظيم جلسات تعليمية غير رسمية ومركزة للعملاء.
لكنه يحذر من تنظيم عروض عامة وواسعة النطاق، ويفضل أن تكون الجلسات محددة للغاية، بحيث يركز كل مورد على مجال واحد من مجالات خبرته، لأن هذا الأسلوب يعزز مصداقية مركز الحدائق أمام العملاء.

لا تتحدث فقط.. استمع إلى العملاء
تحديد احتياجات العملاء عملية مستمرة وتعاونية تبدأ بالاستماع إلى موظفي البيع بالتجزئة.
فالموظفون يمثلون حلقة الاتصال المباشرة مع العملاء، ويمكنهم نقل الأسئلة والمخاوف ومواطن الالتباس التي يسمعونها بشكل يومي، وهو ما يوفر صورة مهمة عن طريقة تفكير العملاء المهتمين بالزراعة المنزلية.
وهذه المعلومات تمثل مصدرًا مهمًا للشركة، لأن موظفي المتاجر لا يساعدون العملاء على النجاح في زراعتهم فقط، بل يستطيعون أيضًا تحديد نقاط الالتباس والأخطاء المتكررة، ومن ثم نقلها إلى أقسام التعليم والتسويق.
فإذا أبدى الموظفون رغبة في اكتساب معرفة أكبر حول موضوع محدد، يوفر قسم التعليم التدريب الداخلي اللازم لهم.
والشركة تحرص على تثقيف موظفيها حتى يشعروا بالثقة والقدرة على الإجابة عن أسئلة العملاء، كما توفر لهم مزيدًا من المعرفة عندما يواجهون موضوعات لا يمتلكون خبرة كافية فيها.
وتدريب الموظفين على خط إنتاج معين أو موضوع زراعي محدد ينعكس بصورة واضحة على المبيعات، لأن الموظفين يصبحون أكثر قدرة على شرح المنتج للعملاء، وفهم كيفية استخدامه، وتقديم التوصيات المناسبة.
فإن نجاح مراكز الحدائق في الاستفادة من طفرة الزراعة المنزلية لا يعتمد فقط على توفير شتلات الخضروات والأعشاب والفواكه، وإنما يرتبط بقدرتها على فهم عملائها، وتدريب موظفيها، وتقديم التعليم العملي، والاستفادة من خبرات الموردين، والاستماع المستمر إلى احتياجات السوق.
ومع انتقال عدد متزايد من البستانيين من مرحلة زراعة النباتات الأساسية إلى تجارب أكثر تقدمًا، تزداد الفرصة أمام مراكز الحدائق لتحويل هذا الاهتمام إلى علاقة طويلة الأمد مع العميل، وزيادة قيمة مشترياته، وتعزيز ولائه، وخلق سوق أكثر تنوعًا واستدامة.





