أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

القارة القطبية الجنوبية تغيّر قواعد المناخ العالمي.. ماذا حدث للمحيط الجنوبي بعد 2015؟

تحول مفاجئ في المحيط.. كيف تعيد أنتاركتيكا تشكيل مناخ الكوكب؟

رغم أن القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا» تقع على مسافة بعيدة عن معظم سكان العالم، فإن تأثيرها يصل إلى كل مكان تقريبًا. فالقارة والمحيط الجنوبي المحيط بها يؤديان أدوارًا رئيسية في تنظيم مناخ الأرض، من خلال عكس أشعة الشمس، وسحب الحرارة والكربون إلى أعماق المحيطات، وتخزين كمية هائلة من المياه المتجمدة.

لكن هذه المنظومة بدأت تتغير بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن المحيط الجنوبي مرّ بتحول في حالته بعد عام 2015، بينما بدأ الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا يُظهر استجابات مختلفة من منطقة إلى أخرى، بدلًا من التحرك كوحدة واحدة.

الجليد البحري.. سطح أبيض يبرد الكوكب

الجليد البحري

يؤدي الجليد البحري دورًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية في النظام المناخي؛ فسطحه الأبيض يعكس جزءًا كبيرًا من أشعة الشمس إلى الفضاء قبل أن تمتصها مياه المحيط.

وعندما يتراجع الجليد وتظهر المياه الداكنة، يحدث العكس، إذ تمتص المحيطات مزيدًا من الطاقة الشمسية، ما يساعد على تدفئة المياه والهواء فوقها.

وتتغير مساحة الجليد البحري حول أنتاركتيكا بصورة هائلة بين الصيف والشتاء، إذ يتشكل ويذوب نحو 15 مليون كيلومتر مربع من الجليد خلال دورة موسمية واحدة، في واحدة من أكبر التحولات المتكررة على سطح الكوكب.

لكن هذه الدورة شهدت مستويات منخفضة بصورة استثنائية في السنوات الأخيرة.

وفي 21 فبراير 2023، انخفضت مساحة الجليد البحري في أنتاركتيكا إلى نحو 1.79 مليون كيلومتر مربع، وهو أدنى مستوى في سجل الأقمار الصناعية الذي بدأ عام 1979.
https://www.youtube.com/watch?v=QC_i4K9gdm8

كما سجل الحد الأقصى الشتوي في سبتمبر من العام نفسه مستوى قياسيًا منخفضًا، وجاءت أربعة من أدنى مستويات الجليد البحري الصيفية المسجلة منذ عام 2022.

ماذا حدث للمحيط الجنوبي بعد 2015؟

قدمت دراسة دولية نُشرت في مايو 2026 تفسيرًا محتملًا لهذا التحول،
ووفق الباحثين، أدت رياح غربية أقوى، مرتبطة بتغير المناخ الناجم عن انبعاثات غازات الدفيئة وثقب الأوزون، إلى دفع مياه أكثر دفئًا وملوحة نحو سطح المحيط.

وأدى اختلاط طبقات المياه إلى تحرير الحرارة الموجودة في الأعماق، بينما جعل ارتفاع درجة حرارة المياه القريبة من السطح تكوّن الجليد الجديد أكثر صعوبة.

ووصف الباحثون ما حدث بأنه تحول في حالة النظام المناخي للمحيط الجنوبي، ويعمل التدرج الطبيعي في المحيط الجنوبي عادة كغطاء يحافظ على الحرارة في الأعماق؛ إذ توجد مياه سطحية باردة وأقل ملوحة فوق مياه أكثر دفئًا وملوحة.

لكن هذا الحاجز أصبح أضعف مع ارتفاع ملوحة المياه السطحية، ما سمح لمياه الأعماق المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية بالارتفاع إلى مستويات أقرب إلى السطح، حيث يمكن أن تسهم حرارتها في إذابة الجليد من أسفل.

ويشير الباحثون إلى أن التغير لا يرتبط فقط بارتفاع درجة حرارة الهواء، بل بالتفاعل المعقد بين الرياح والمياه والجليد ودوران المحيطات.

شرق أنتاركتيكا يختلف عن غربها

لا تتصرف القارة القطبية الجنوبية بأكملها بالطريقة نفسها، ففي شرق أنتاركتيكا، كان ارتفاع حرارة المياه العميقة عاملًا رئيسيًا وراء فقدان الجليد.

أما في غرب القارة، فقد لعبت السحب الإضافية دورًا مختلفًا؛ إذ ارتبطت بكتل هوائية دافئة قادمة من المناطق شبه المدارية، وأسهمت في احتجاز الحرارة فوق المحيط، ما أدى إلى ذوبان الجليد من الأعلى.

وبلغ هذا التأثير ذروته خلال صيفي عامي 2016 و2019، ويفسر هذا الترابط بين الرياح والسحب والجليد البحري ودوران المحيطات سبب ظهور التغيرات بصورة مفاجئة نسبيًا، بدل أن تتطور بوتيرة ثابتة وبطيئة.

أنتاركتيكا.. محرك ضخم لتخزين الكربون

أنتاركتيكا

 

لا يقتصر دور الجليد البحري على عكس أشعة الشمس، إذ يؤدي تكوّنه إلى ترك الملح في المياه الموجودة أسفله.

وتصبح هذه المياه أكثر برودة وكثافة، فتغوص نحو قاع المحيط، وتساعد هذه العملية في تشغيل الجزء الجنوبي من «الدوران الانقلابي العالمي»، وهو النظام الذي ينقل المياه والحرارة والكربون الذائب بين أحواض المحيطات المختلفة.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية كبيرة في مواجهة تغير المناخ؛ إذ يدخل نحو 40% من ثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه المحيطات من الانبعاثات البشرية إلى المياه جنوب خط عرض 30 درجة جنوبًا، رغم أن هذه المنطقة تغطي أقل من ثلث مساحة المحيطات.

وعلى مستوى العالم، امتصت المحيطات نحو ربع ثاني أكسيد الكربون الذي أطلقه البشر.

لذلك، فإن إضعاف قدرة المحيط الجنوبي على سحب الكربون وتخزينه في الأعماق قد يعني بقاء كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ما يزيد الضغط على المناخ.

الجليد يخفي أكثر من 58 مترًا من ارتفاع مستوى البحار

تخزن صفيحة الجليد في أنتاركتيكا كمية هائلة من المياه المجمدة، تكفي نظريًا لرفع مستوى سطح البحر عالميًا بأكثر من 58 مترًا إذا ذابت بالكامل.

لكن هذا السيناريو لا يعني ارتفاعًا مفاجئًا بهذا المقدار، إذ يستغرق فقدان معظم الجليد قرونًا أو أكثر.

وفي دراسة نمذجة نُشرت في فبراير 2026، تعامل الباحثون مع الغطاء الجليدي باعتباره مكونًا من 18 حوضًا منفصلًا لتصريف الجليد، بدل اعتباره كتلة واحدة، ثم رفعوا درجة حرارة الأرض تدريجيًا لمعرفة نقاط التحول لكل حوض.

وأظهرت النتائج اختلافًا كبيرًا بين المناطق، وعند مستوى الاحترار الحالي الذي يبلغ نحو 1.3 درجة مئوية، قد يكون نحو 40% من الجليد الموجود في غرب أنتاركتيكا على مسار يؤدي إلى فقدان طويل الأمد.

وكان حوض بحر أموندسن، الذي يضم أنهارًا جليدية مثل ثويتس وباين آيلاند، من أكثر المناطق حساسية، إذ سجل أدنى عتبة للتحول بين المناطق التي درسها الباحثون.

نقطة التحول لا تعني انهيارًا فوريًا

يحذر العلماء من تفسير «نقطة التحول» على أنها تعني انهيار الجليد في اليوم التالي لتجاوز درجة حرارة محددة.

فتجاوز نقطة التحول قد يضع النظام على مسار طويل الأمد نحو فقدان الجليد، لكن عملية الانهيار نفسها يمكن أن تمتد على مدى قرون.

وتحتوي شرق أنتاركتيكا على كمية من الجليد تعادل نحو عشرة أضعاف الإمكانات المحتملة لارتفاع مستوى البحر مقارنة بغرب القارة.

وتبدأ بعض أحواض شرق أنتاركتيكا في الوصول إلى عتبات حرجة عند مستويات احترار تتراوح بين درجتين وخمس درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

ويجعل بطء هذه العمليات من الصعب إدراجها في التخطيط التقليدي قصير الأجل، رغم أن آثارها المحتملة تمتد إلى سواحل العالم وتؤثر في البنية التحتية التي تُبنى اليوم.

التأثير يصل إلى السواحل البعيدة

تتجاوز آثار التغيرات في أنتاركتيكا مسألة ارتفاع مستوى البحر، فبطء حركة المياه العميقة وتغير توزيع الحرارة في المحيطات يمكن أن يؤثرا في المناخ العالمي بطرق متعددة.

كما أن وصول المياه الدافئة إلى الرفوف الجليدية يمكن أن يضعف الحواجز التي تعمل على إبطاء حركة الأنهار الجليدية باتجاه البحر.

وفي الوقت نفسه، تعتمد أنواع كثيرة من الكائنات القطبية على الجليد البحري، ومنها البطاريق الإمبراطورية التي تحتاج إلى جليد ثابت ومستقر خلال جزء كبير من العام لتربية صغارها.

وخلال سنوات انخفاض الجليد بين 2022 و2024، تعرضت بعض مستعمرات البطاريق الإمبراطورية لخسائر كبيرة في الصغار، إذ غرق بعضها قبل أن يكتسب الريش المقاوم للماء.

كما يعتمد الكريل والحيتان ومصايد الأسماك المرتبطة بها على البيئة التي يصنعها الجليد البحري.

هل تعود أنتاركتيكا إلى نمطها القديم؟

شهد عام 2026 تعافيًا نسبيًا للجليد البحري في أنتاركتيكا، إذ اقترب الحد الأدنى الصيفي من المتوسط.

لكن العلماء يحذرون من اعتبار هذا التعافي عودة مؤكدة إلى النمط السابق.

فالنماذج المناخية توقعت اتجاهات التراجع، لكنها لم تكن دقيقة بالقدر الكافي في تحديد توقيت التغيرات الأخيرة وسرعتها والاختلافات الكبيرة بين شرق القارة وغربها.

وتشير هذه الفجوة بين التوقعات وما حدث فعليًا إلى الحاجة لمزيد من الرصد والنمذجة لفهم سلوك النظام الجنوبي شديد التعقيد.

وفي النهاية، فإن أهمية أنتاركتيكا لا تكمن في كونها أكبر مخزن للجليد على الأرض فحسب، بل في كونها جزءًا أساسيًا من الآلية التي تنقل الحرارة والكربون والمياه حول الكوكب.

وأي تغير طويل الأمد في هذه المنظومة يمكن أن يبدأ في القطب الجنوبي، لكن تأثيراته قد تظهر على بعد آلاف الكيلومترات، من تغير حركة المحيطات إلى ارتفاع مستوى البحار وتبدل المناخ في مناطق مختلفة من العالم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة