اليوم ليس 24 ساعة تمامًا.. قلب الأرض المتذبذب قد يغيّر طول اليوم
الأرض لا تدور بانتظام كما نعتقد.. قلبها الداخلي قد يضيف أو يطرح ميلي ثانية من اليوم
36 قدمًا من التعرجات داخل قلب الأرض قد تغيّر طول اليوم
قد تبدو الساعة اليومية ثابتة، لكن كوكب الأرض لا يحافظ على مدة اليوم البالغة 24 ساعة بدقة كاملة؛ إذ يتغير طول اليوم بمقدار بضعة أجزاء من الألف من الثانية من فترة إلى أخرى.
وتشير دراسة جديدة إلى أن أحد أسباب هذه التغيرات قد يكون موجودًا على عمق أكثر من 4800 كيلومتر تحت سطح الأرض، حيث يبدو أن النواة الداخلية الصلبة للأرض تتأرجح ذهابًا وإيابًا، بينما تؤثر جاذبيتها في الوشاح الصخري المحيط بها، فتتغير سرعة دوران الكوكب بدرجة طفيفة.
وقاد الدراسة هويفنج تشانج، طالب الدكتوراه في الفيزياء بجامعة ألبرتا، بالتعاون مع أستاذ الفيزياء ماثيو دامبيري، في محاولة لفهم الآلية التي تقف وراء التغيرات طويلة الأمد في طول اليوم.
لماذا لا يستمر اليوم 24 ساعة بالضبط؟
عندما نقول إن اليوم يستمر 24 ساعة، فإننا نتحدث عن قيمة معيارية تبلغ 86,400 ثانية، لكن دوران الأرض الفعلي ليس منتظمًا تمامًا.
وتؤثر عدة عوامل في سرعة دوران الكوكب.
فالمد والجزر الناتج عن جاذبية القمر يؤدي إلى تغيرات صغيرة في طول اليوم، كما يمكن للرياح والتغيرات الموسمية في الغلاف الجوي والمحيطات أن تؤثر في دوران الأرض.
وعلى مدى ملايين السنين، يعمل الاحتكاك الناتج عن المد والجزر القمري على إبطاء دوران الأرض تدريجيًا، ما يجعل الأيام أطول بمرور الزمن.
لكن هناك أيضًا تغيرات تحدث على نطاق زمني أطول، يتراوح بين نحو 10 و70 عامًا، يمكن أن تغير طول اليوم بعدة ميلي ثوانٍ.
وقد عرف العلماء منذ أكثر من ثلاثة عقود أن هذه التغيرات متعددة العقود ترتبط بعمليات تحدث داخل الأرض، نتيجة تبادل الزخم الزاوي بين النواة السائلة والوشاح.
فعندما تتسارع النواة، يتباطأ الوشاح قليلًا، والعكس صحيح.
لكن السؤال الذي ظل مفتوحًا هو: ما القوة التي تسمح لهذه المكونات العميقة في الأرض بالتأثير في بعضها؟

3 قوى محتملة وراء تغير طول اليوم
درس الباحثون ثلاثة تفسيرات رئيسية محتملة.
الأول هو القوى المغناطيسية عند الحدود الفاصلة بين النواة والوشاح.
والثاني يتمثل في القوى الطبوغرافية، الناتجة عن تدفق الحديد السائل داخل النواة الخارجية واحتكاكه بتضاريس أو نتوءات عند الحد الفاصل مع الوشاح.
أما الاحتمال الثالث فهو الجاذبية الناتجة عن النواة الداخلية الصلبة.
والنواة الداخلية ليست كرة مثالية تمامًا، إذ تحتوي على انتفاخات طفيفة يمكن أن تتفاعل جاذبيًا مع اختلافات توزيع الكتلة في الوشاح.
وقارن تشانغ ودامبيري تأثير هذه القوى بالتغيرات الفعلية في طول اليوم التي رُصدت بين عامي 1964 و2019.

قلب الأرض يتأرجح مثل البندول
اعتمد الباحثون في تحليلهم للنواة الداخلية على إعادة بناء لحركتها باستخدام الموجات الزلزالية، وهي دراسة نُشرت عام 2023 بواسطة الباحثين يي يانغ وشياودونغ سونغ من جامعة بكين.
وأظهرت إعادة البناء أن النواة الداخلية يمكن أن تدور بالنسبة إلى الوشاح بنحو 2.35 درجة في اتجاه، ثم تتحرك في الاتجاه المعاكس.
وأشار الباحثان إلى أن دوران النواة الداخلية اقترب من التوقف حول عام 2009 قبل أن يبدأ في الاتجاه المعاكس.
وتشير هذه النتائج إلى أن حركة النواة الداخلية بالنسبة إلى سطح الأرض قد تشبه حركة البندول أو الأرجوحة، مع دورة تستغرق نحو 70 عامًا.
وعندما تخرج النواة الداخلية عن محاذاتها مع توزيع الكتلة في الوشاح، يمكن لانتفاخاتها أن تؤثر جاذبيًا في الكتل المحيطة بها.
ويطلق الباحثون على هذا التأثير اسم العزم الجاذبي.
الجاذبية تتطابق مع سجل تغير طول اليوم
عند مقارنة النماذج المختلفة بالبيانات المرصودة، وجد الباحثون أن القوى المغناطيسية والقوى الطبوغرافية توقعت تغيرات في طول اليوم كانت في معظمها معاكسة للتغيرات التي جرى قياسها.
في المقابل، تمكن العزم الجاذبي الناتج عن النواة الداخلية من مطابقة حجم وتوقيت التغيرات التي حدثت على مدى عدة عقود.
وخلص نموذج الفريق إلى أن حركة النواة الداخلية يمكن أن تكون المحرك الرئيسي للتغيرات طويلة المدى في طول اليوم، بينما تعمل القوى الموجودة عند الحدود بين النواة والوشاح على مقاومة هذه الحركة.
وقال الباحثون إن قدرة العزم الجاذبي على تفسير التغيرات متعددة العقود في طول اليوم تشير إلى أنه قد يكون العامل الرئيسي خلال الفترة الممتدة من 1964 إلى 2019.
النواة الداخلية ليست كرة حديدية صلبة تمامًا
أظهرت النمذجة أيضًا أن النتائج لا تتفق مع تصور النواة الداخلية باعتبارها جسمًا صلبًا تمامًا.
فلكي تتطابق النتائج مع البيانات، احتاج الباحثون إلى افتراض أن التغيرات في شكل النواة الداخلية تحدث ببطء، وأن الانتفاخات الموجودة على سطحها تحتاج إلى نحو 10 سنوات حتى تستعيد شكلها.
وهذا يشير إلى أن النواة الداخلية قد تتصرف بدرجة ما مثل مادة يمكنها التدفق ببطء، وليس مثل كرة حديدية صلبة لا تتغير.
نتوءات صغيرة.. وتأثيرها يمتد إلى دوران الكوكب
رغم أهمية هذه النتوءات بالنسبة إلى دوران الأرض، فإن حجمها صغير للغاية مقارنة بحجم الكوكب.
وتقدر الدراسة ارتفاعها بنحو 11 إلى 29 مترًا تقريبًا بين القمة والقاع.
ورغم ذلك، فإن تغيير اتجاه هذه التكوينات بنحو درجة واحدة فقط يمكن أن ينتج العزم الجاذبي الذي يحتاج إليه النموذج لتفسير التغيرات في طول اليوم.
وتقدم النتائج أيضًا مؤشرات حول طبيعة المناطق العميقة في الوشاح، بما يتوافق مع وجود تجمعات من الصخور الدافئة ذات التركيب الكيميائي المختلف.
كما يمكن أن تتوافق النتائج، إذا كانت القوى المغناطيسية هي المسؤولة عن معظم قوة المقاومة، مع وجود طبقة رقيقة غنية بالحديد وموصلة للكهرباء يبلغ سمكها نحو 2 كيلومتر فوق النواة.

حركة بطيئة للنواة الداخلية
تشير الدراسة كذلك إلى أن النواة الداخلية تتحرك في المتوسط باتجاه الشرق بالنسبة إلى الوشاح بمعدل يقارب 0.12 درجة سنويًا.
وعلى مدى 9 آلاف عام، يمكن أن يعادل ذلك ما يقرب من ثلاث دورات كاملة.
وتأتي هذه النتائج في سياق مجموعة متزايدة من الدراسات التي تشير إلى أن النواة الداخلية ليست جسمًا ثابتًا تمامًا، وأنها قد تكون عرضة لتغيرات في الشكل والبنية، بل وربما تحتوي على طبقات داخلية مختلفة.
لماذا لا تزال النواة الداخلية لغزًا؟
رغم النتائج الجديدة، لا يزال العلماء يواجهون صعوبة كبيرة في دراسة ما يحدث في أعمق مناطق كوكب الأرض.
فالدراسة تعتمد على نماذج لحركة النواة الداخلية وتدفق الحديد داخل النواة الخارجية، ويمكن أن تتغير أفضل التقديرات بنحو 30% عند استخدام نماذج مختلفة لتدفق المواد داخل النواة.
كما أن بعض القياسات المتعلقة بحركة النواة الداخلية لا تزال موضع نقاش بين علماء الزلازل والجيوفيزياء.
وأشار عالم الزلازل جون فيدال من جامعة جنوب كاليفورنيا إلى أن النماذج المختلفة لم تتمكن، في رأيه، من تفسير جميع البيانات بشكل كامل.
كما توقع الجيوفيزيائي هرفوي تكلتشيتش من الجامعة الوطنية الأسترالية أن يظل المجتمع الجيوفيزيائي منقسمًا حول تفسير هذه النتائج، مؤكدًا أن صورة العلماء عن أعماق الأرض لا تزال غير واضحة بالكامل.
هل يتغير طول اليوم بشكل ملحوظ؟
بالنسبة للإنسان، فإن التغير بمقدار بضعة ميلي ثوانٍ لا يمثل فارقًا محسوسًا في الحياة اليومية.
لكن بالنسبة إلى العلماء وأنظمة قياس الزمن الدقيقة، فإن هذه التغيرات مهمة للغاية.
فدوران الأرض ليس ثابتًا بالدرجة نفسها التي تتمتع بها الساعات الذرية التي تعتمد عليها أنظمة التوقيت الحديثة.
وتكشف هذه الفروق الصغيرة عن عمليات فيزيائية ضخمة تحدث في أعماق الكوكب، بعيدًا عن قدرة الإنسان المباشرة على الوصول إليها.
ومع ذلك، فإن الدراسة لا تعني أن الأرض ستضيف أو تفقد ساعات من اليوم، ولا تشير إلى تغير محسوس في طول اليوم بالنسبة للإنسان.
إنها تكشف ببساطة أن دوران الأرض أكثر تعقيدًا مما يبدو، وأن حركة مادة على بعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا يمكن أن تؤثر، ولو بضع ميلي ثوانٍ فقط، في إيقاع دوران الكوكب.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Nature، وتقدم نتائجها دليلًا جديدًا على أن فهم دوران الأرض يتطلب النظر إلى أعماق الكوكب، وليس فقط إلى سطحه والغلاف الجوي والمحيطات.





