الذكاء الاصطناعي يقترب من التنبؤ بظواهر الطقس النادرة.. طريقة جديدة تتوقع موجات الحر «الاستثنائية»
تنبؤات الطقس تدخل عصرًا جديدًا.. دمج الذكاء الاصطناعي والفيزياء لرصد الأحداث المناخية النادرة
في الوقت الذي أصبحت فيه توقعات الطقس اليومية أكثر دقة، لا تزال الظواهر الجوية شديدة الندرة، التي قد تحدث مرة واحدة كل ألف عام، تمثل تحديًا كبيرًا للعلماء، خاصة موجات الحر القياسية التي يمكن أن تتسبب في خسائر بشرية واقتصادية واسعة.
ويعمل فريق دولي من الباحثين في الولايات المتحدة وفرنسا على تطوير طريقة جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي ونماذج الطقس والمناخ القائمة على الفيزياء، بهدف تحسين القدرة على توقع احتمالات وقوع هذه الأحداث النادرة بسرعة أكبر، مع خفض كبير في الوقت والطاقة الحاسوبية اللازمين لإجراء المحاكاة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Physical Review Letters.
لماذا يصعب التنبؤ بالطقس شديد التطرف؟
تحسنت نماذج التنبؤ بالطقس بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، إلا أن توقع الأحداث التي تقع في أقصى حدود الاحتمالات يظل مشكلة معقدة.
وتُعد موجات الحر من أخطر الظواهر الجوية المتطرفة، إذ تسببت موجة الحر التي ضربت أوروبا عام 2003 في وفاة نحو 70 ألف شخص، بينما ارتبطت موجة الحر التي ضربت روسيا عام 2010 بنحو 56 ألف وفاة.
كما أصبحت موجات الحر الشديدة أكثر تكرارًا وحدّة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
لكن ندرة هذه الأحداث تجعل دراسة احتمالات حدوثها أمرًا صعبًا؛ فالنموذج المناخي يحتاج إلى إجراء عدد هائل من المحاكاة قبل أن يصادف حدثًا يقع في أقصى حدود التوزيع الإحصائي.
ولتوضيح المشكلة، يشير الباحثون إلى أن حساب احتمال وصول درجة الحرارة في مدينة مثل شيكاغو إلى 32 درجة مئوية في يوليو لا يتطلب عددًا كبيرًا من المحاكاة، لأن مثل هذه الدرجة ليست نادرة.
أما إذا كان المطلوب معرفة احتمال ارتفاع الحرارة إلى 41 درجة مئوية، فإن النموذج يحتاج إلى إجراء عدد أكبر بكثير من التجارب قبل أن يظهر هذا الحدث.
وهذا يعني استهلاك كميات ضخمة من القدرة الحاسوبية والطاقة.

الذكاء الاصطناعي ليس كافيًا وحده
تستخدم النماذج التقليدية المعتمدة على الفيزياء قوانين الغلاف الجوي والمحيطات لمحاكاة عدد كبير من السيناريوهات المحتملة، ما يجعلها قادرة على التقاط الظواهر المتطرفة.
لكن تشغيلها على نطاق واسع يحتاج إلى وقت وموارد حاسوبية كبيرة.
في المقابل، حققت نماذج التنبؤ القائمة على الذكاء الاصطناعي تقدمًا كبيرًا في التنبؤ بالطقس اليومي، لكنها قد تواجه صعوبة في التعامل مع الأحداث شديدة الندرة، خصوصًا إذا لم تكن هناك أمثلة كافية عليها ضمن بيانات التدريب.
وقال بيدرَام حسن زاده، الأستاذ المشارك في علوم الجيوفيزياء بجامعة شيكاغو، إن نماذج الطقس والمناخ المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تمثل إنجازًا مهمًا، لكنها لا تستطيع التعامل بصورة مثالية مع ما يُعرف بـ«البجعات الرمادية»، وهي الأحداث النادرة والمتطرفة.
وأوضح أن النماذج الفيزيائية التفصيلية تستطيع محاكاة هذه الظواهر، لكنها تتطلب وقتًا وطاقة هائلين.
دمج الذكاء الاصطناعي مع محاكاة الأحداث النادرة
للتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون طريقة هجينة أطلقوا عليها اسم AI+RES، تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنية تُعرف باسم أخذ عينات الأحداث النادرة (Rare Event Sampling).
وتعمل تقنية أخذ عينات الأحداث النادرة على تسريع عمليات المحاكاة من خلال تقييم الظروف الأولية وتحديد السيناريوهات الأكثر احتمالًا للوصول إلى الظاهرة المطلوبة، بدلًا من إهدار الموارد على عدد ضخم من السيناريوهات التي لا تقود إلى حدث متطرف.
لكن هذه الطريقة التقليدية لا تعمل بالكفاءة نفسها مع الأحداث التي تتطور خلال فترات قصيرة، مثل موجات الحر التي تستمر عدة أيام أو أسبوعًا… وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.
ففي طريقة AI+RES، يستخدم الباحثون قدرات الذكاء الاصطناعي لتحسين آلية تقييم السيناريوهات، وتحديد الظروف التي يُرجح أن تقود إلى حدث متطرف قصير المدة.

محاكاة أقل بـ100 مرة تعطي النتائج نفسها
اختبر الباحثون الطريقة الجديدة باستخدام 50 ألف محاكاة لنموذج مناخي تقليدي بهدف دراسة موجات الحر في مناطق من فرنسا والغرب الأوسط للولايات المتحدة، وبعد ذلك قارنوا النتائج باستخدام طريقة AI+RES.
وكانت المفاجأة أن الطريقة الهجينة تمكنت من الوصول إلى نتائج قريبة جدًا من نتائج المحاكاة التقليدية، ولكن باستخدام واحد على مئة فقط من عدد المحاكاة.
وهذا يعني إمكانية الحصول على معلومات إحصائية دقيقة حول احتمالات وقوع الأحداث الجوية النادرة باستخدام جزء ضئيل من الموارد الحاسوبية المطلوبة بالطريقة التقليدية.
وقال ألكسندر ويكنر، الباحث في مجموعة حسن زاده والمؤلف المشارك الأول للدراسة، إن تكرار العملية يؤدي في النهاية إلى مجموعة من المحاكاة التي تلتقط الحدث المتطرف المطلوب، وكلما زاد عدد هذه المحاكاة تحسنت القدرة على تقدير احتمال وقوع الحدث.
خطوة مهمة للتنبؤ بموجات الحر القياسية
تكمن أهمية الطريقة الجديدة في أنها لا تكتفي بالتنبؤ بما إذا كان حدث متطرف سيقع أم لا، وإنما يمكن أن تساعد العلماء على تقدير احتمالات وقوعه.
وهذا فارق مهم بالنسبة إلى الحكومات ووكالات الطوارئ، إذ تحتاج خطط التكيف مع تغير المناخ إلى معرفة احتمالات وقوع موجات الحر الشديدة أو العواصف القوية أو الأمطار الغزيرة في مناطق محددة.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمعلومة دقيقة حول احتمال تعرض منطقة معينة لموجة حر شديدة أن تساعد في التخطيط لشبكات الكهرباء والمياه، وخدمات الطوارئ، والمستشفيات، ومراكز الإيواء، وإجراءات حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.

ماذا عن تغير المناخ؟
اختبر الباحثون الطريقة كإثبات لمفهومها باستخدام نموذج لا يأخذ في الاعتبار تأثير تغير المناخ.
ويعني ذلك أن تطبيق الطريقة على الواقع المناخي المستقبلي سيحتاج إلى خطوة إضافية، لأن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الغلاف الجوي يمكن أن يغيرا احتمالات وقوع الظواهر المتطرفة.
ويأمل الفريق في اختبار AI+RES باستخدام نماذج تعمل تحت سيناريوهات مختلفة لتغير المناخ، لمعرفة كيفية تغير احتمالات موجات الحر وغيرها من الظواهر مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب.
من موجات الحر إلى الأعاصير والأمطار الغزيرة
لا تقتصر إمكانات التقنية على موجات الحر، ويرى الباحثون أن المنهج الهجين يمكن تطبيقه على مجموعة واسعة من الأحداث الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة.
كما يمكن استخدام البيانات التي تنتجها الطريقة لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تسريع عمليات المحاكاة مستقبلًا.
ويعتقد الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في ربط نماذج التنبؤ العددي المتقدمة بالطقس والمناخ بنماذج ذكاء اصطناعي مدربة على بيانات الطقس الحقيقية.

أداة محتملة للتخطيط المناخي
إذا نجحت التقنية في الانتقال من مرحلة إثبات المفهوم إلى النماذج التشغيلية، فقد تمنح صناع القرار وسيلة أسرع وأقل تكلفة لتحديد احتمالات الأحداث المناخية شديدة التطرف على المستوى الإقليمي.
وقد تتيح هذه المعلومات تقدير تكرار موجات الحر والعواصف والأمطار الشديدة في مناطق محددة مثل تكساس وفلوريدا وكاليفورنيا، سواء في المناخ الحالي أو في ظل سيناريوهات الاحترار المستقبلية.
ويؤكد الباحثون أن القدرة على توقع الأحداث التي لا تظهر إلا نادرًا في السجلات المناخية قد تصبح عنصرًا أساسيًا في التخطيط للتكيف مع تغير المناخ، خاصة مع تزايد المخاطر التي تفرضها موجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة.
فالرهان هنا ليس على أن يحل الذكاء الاصطناعي محل النماذج الفيزيائية، وإنما على الجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي ودقة الفيزياء للوصول إلى تنبؤات أفضل بالأحداث التي يصعب على أي منهما التعامل معها بمفرده.





