دراسة تاريخية: «إل نينيو» الحديث أقوى 36.5% من عصر ما قبل الصناعة
سجل مرجاني عمره ألف عام يكشف تصاعد قوة «إل نينيو» مع الاحترار العالمي
كشفت سجلات مناخية محفوظة داخل هياكل الشعاب المرجانية في جزر غالاباغوس عن دليل جديد على أن ظاهرة «إل نينيو» أصبحت أكثر قوة خلال العقود الأخيرة مقارنة بأي فترة مماثلة خلال نحو ألف عام.
وأظهرت دراسة علمية اعتمدت على عينات مرجانية تمتد سجلاتها إلى عام 1000، أن التقلبات المرتبطة بظاهرة إل نينيو في شرق المحيط الهادئ أصبحت في العصر الحديث أقوى بنحو 36.5% مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، مع هامش اختلاف يصل إلى نحو 8 نقاط مئوية بين العينات المختلفة.
وتشير النتائج إلى أن ما يحدث في العقود الأخيرة لا يمثل مجرد سلسلة من أحداث إل نينيو القوية ضمن النطاق الطبيعي المعتاد، بل إن شدة الظاهرة أصبحت تتجاوز النطاق الذي ظهر في السجل المناخي السابق.
وقادت الدراسة جوليا كول، رئيسة قسم علوم الأرض والبيئة في جامعة ميشيغان، بالتعاون مع باحثين استخدموا عينات مرجانية من جزر غالاباغوس لإعادة بناء تاريخ درجات حرارة المحيط في المنطقة.
الشعاب المرجانية.. «أرشيف» طبيعي للمناخ

تحدث ظاهرة إل نينيو عندما تضعف الرياح التجارية التي تدفع عادة المياه الدافئة غربًا على طول خط الاستواء، ما يسمح للمياه الدافئة بالتحرك شرقًا باتجاه سواحل أمريكا الجنوبية.
ويؤدي هذا التغير في درجات حرارة سطح البحر إلى اضطرابات واسعة في أنماط الطقس حول العالم، وقد يستمر تأثير الحدث من عدة أشهر إلى أكثر من عام.
وتوفر الشعاب المرجانية وسيلة مهمة لإعادة بناء تاريخ هذه التغيرات؛ إذ تنمو هياكلها من كربونات الكالسيوم بمعدل يتراوح تقريبًا بين 1 و2 سنتيمتر سنويًا، بينما تتأثر تركيبتها الكيميائية بدرجة حرارة المياه التي نمت فيها.
وبالتالي، يمكن للباحثين تحليل طبقات الهيكل المرجاني باعتبارها سجلًا زمنيًا لدرجات حرارة المحيط، أشبه بميزان حرارة طبيعي يمتد عبر مئات أو آلاف السنين.
جمع فريق الدراسة عينات من 13 مستعمرة مرجانية في خمس جزر داخل أرخبيل غالاباغوس، وشملت العينات مستعمرات حية وكتلًا مرجانية توقفت عن النمو منذ قرون.
ماذا كشفت العينات؟
حلل الباحثون نسب بعض العناصر الكيميائية في الهياكل المرجانية، وعلى رأسها نسبة السترونتيوم إلى الكالسيوم، وهي تتأثر بدرجة حرارة المياه التي نما فيها المرجان.
كما استخدموا نسب نظائر الأكسجين، التي توفر مؤشرًا آخر على درجة حرارة البيئة البحرية.
وأنتجت التحليلات 28 سلسلة زمنية منفصلة لدرجات الحرارة، سمحت للباحثين بمقارنة سلوك إل نينيو عبر فترات زمنية مختلفة.
وقسم الباحثون السجل إلى ثلاث مراحل رئيسية:
من عام 1000 إلى 1850، باعتبارها فترة ما قبل الصناعة.
من 1850 إلى 1981.
الفترة الحديثة منذ 1984.
وأظهرت النتائج أن الفترات الثلاث تختلف إحصائيًا عن بعضها، مع اتجاه عام نحو زيادة شدة التقلبات المرتبطة بإل نينيو.
وبالمقارنة مع فترة ما قبل الصناعة، كانت التقلبات الحديثة أكبر بنحو 36.5%، بينما كانت أكبر بنحو 16.2% مقارنة بمتوسط القرن العشرين.
كما أصبحت الأحداث الدافئة أكثر تطرفًا مقارنة بالأحداث الباردة، وهو نمط يرى الباحثون أنه يتوافق مع اشتداد ظاهرة إل نينيو، وليس مجرد زيادة عامة في اضطراب النظام المناخي للمحيط الهادئ.
هل يمكن أن يكون التغير طبيعيًا؟
طرح الباحثون سؤالًا أساسيًا: هل يمكن أن تكون هذه الزيادة الكبيرة في قوة إل نينيو نتيجة للتقلب الطبيعي للمناخ؟
فخلال الألف عام الماضية شهد الكوكب تغيرات طبيعية مؤثرة في المناخ، بما في ذلك الثورات البركانية والتغيرات في النشاط الشمسي.
وللإجابة عن هذا السؤال، استخدم الفريق نتائج 12 نموذجًا مناخيًا تحاكي سلوك إل نينيو خلال الفترة من عام 850 إلى 1850، مع احتساب التأثيرات الطبيعية، كما قارنوا ذلك بمحاكاة تستبعد تلك المؤثرات.
ولم تنتج النماذج تغيرًا يقترب من حجم الزيادة التي سجلتها الشعاب المرجانية.
وقدر الباحثون احتمالية أن تكون الزيادة التي رصدها السجل المرجاني ناتجة عن التقلب الطبيعي وحده بأقل من 5%، أي أقل من احتمال واحد من كل 20.
وشهد نموذجان من النماذج المستخدمة تقلبات قوية، لكن ذلك تزامن في الحالتين مع ثورات بركانية.
شرق المحيط الهادئ في قلب التغير
ركزت الدراسة على منطقة غالاباغوس لأن الاحترار المرتبط بظاهرة إل نينيو يكون قويًا بصورة خاصة في شرق المحيط الهادئ.
كما جمع الباحثون سجلًا مرجانيًا من منطقة أخرى في المحيط الهادئ الأوسط، بالقرب من جزر لاين، للمقارنة.
وأظهرت البيانات هناك أيضًا ارتفاعًا في التقلبات الحديثة، بلغ نحو 33.8% مقارنة بفترة ما قبل الصناعة، لكن السجلات القديمة في المنطقة كانت أكثر تباينًا، ولذلك لم تظهر العقود الأخيرة باعتبارها استثنائية بالوضوح نفسه الذي ظهر في شرق المحيط الهادئ.
ويشير الباحثون إلى أن الاختلاف قد يرتبط جزئيًا بكيمياء الشعاب المرجانية نفسها، إذ تتأثر إشارات الأكسجين في المحيط الهادئ الأوسط بتغيرات في المياه إلى جانب درجة الحرارة، وهو ما يصعب فصل تأثيراته اعتمادًا على البيانات المتاحة.
كما تتوافق النتائج مع توقعات سابقة لنماذج المناخ تشير إلى أن التأثيرات المرتبطة بالاحترار العالمي على إل نينيو قد تظهر أولًا وبصورة أوضح في شرق المحيط الهادئ.
إل نينيو الأقوى يعني مخاطر مناخية أكبر

لا تقتصر أهمية اشتداد إل نينيو على المحيط الهادئ، إذ يمكن للظاهرة أن تعيد توزيع الأمطار والعواصف على مساحات شاسعة من الكوكب.
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن أن تتحرك مسارات العواصف جنوبًا، ما يؤدي إلى زيادة الأمطار في جنوب غرب البلاد وزيادة الجفاف في الشمال الغربي.
وتؤدي التأثيرات المماثلة في مناطق أخرى من العالم إلى موجات من الجفاف والفيضانات، وما يرتبط بها من مخاطر على الزراعة والصحة العامة والحرائق وانتشار بعض الأمراض.
وتصبح هذه التأثيرات أكثر خطورة عندما تتزامن مع الاحترار العالمي المستمر.
وترى الباحثة جوليا كول أن حدث إل نينيو يجري فوق خلفية من الاحترار العالمي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تضخيم الارتفاع في درجات الحرارة المتوقع أصلًا نتيجة زيادة تركيزات غازات الدفيئة.
وبحسب توقعات أوردتها الدراسة، يمكن أن تكون درجات الحرارة خلال العام المقبل أعلى بنحو 1.7 إلى 1.8 درجة مئوية من مستويات ما قبل الصناعة.
الشعاب المرجانية نفسها تحت الخطر
المفارقة أن الشعاب المرجانية التي ساعدت العلماء على اكتشاف هذا التغير المناخي تواجه في الوقت نفسه خطرًا متزايدًا نتيجة ارتفاع درجات حرارة المحيطات.
وتؤدي موجات الحرارة البحرية المتكررة المرتبطة بأحداث إل نينيو القوية إلى زيادة الضغط على الشعاب المرجانية، وقد تتسبب في ظاهرة ابيضاض المرجان وموت أجزاء من النظم المرجانية عندما تتجاوز درجات الحرارة قدرة الكائنات على التحمل.
وبذلك، لا تمثل الشعاب المرجانية مجرد أدوات علمية لدراسة الماضي المناخي، بل أصبحت أيضًا من أكثر النظم البيئية تعرضًا لتداعيات تغير المناخ الحالي.
سجل الألف عام ليس كاملًا
ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن سجل الشعاب المرجانية لا يغطي جميع سنوات الألف عام بصورة متصلة.
وتغطي العينات نحو 48% من السنوات بين 1100 و2015، بينما تصبح البيانات أقل كثافة بصورة كبيرة قبل عام 1500.
كما أن إعادة بناء تاريخ إل نينيو باستخدام الشعاب المرجانية والأشجار والرواسب تشير في بعض الحالات إلى أن زيادة التقلبات بدأت في القرن التاسع عشر، أي قبل ظهور الجزء الأكبر من الاحترار الحديث.
ويشير فريق الدراسة إلى أن هذا الاختلاف قد يرتبط بأخطاء تأريخ العينات وبحقيقة أن معظم سجلات الشعاب المرجانية الموجودة في المناطق الاستوائية تبدأ بين عامي 1850 و1900.
كما أن الدراسة لا تمثل تحليلًا رسميًا لإسناد التغير المناخي، ولذلك لا تدعي وحدها إثبات مقدار محدد من التغير يمكن نسبته مباشرة إلى النشاط البشري.
الحاجة إلى سجلات مرجانية جديدة
ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في جمع المزيد من سجلات الشعاب المرجانية من شرق المحيط الهادئ الاستوائي لسد الفجوات الموجودة في السجل التاريخي.
ولا تزال هناك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان المحيط الهادئ الأوسط سيتبع النمط نفسه الذي ظهر بوضوح في منطقة غالاباغوس، ويخرج هو الآخر من نطاق التغير الطبيعي الذي شهدته المنطقة خلال الألف عام الماضية.
لكن الدراسة تقدم في الوقت نفسه إشارة مهمة: العقود الأخيرة من نشاط إل نينيو لا تبدو مجرد تكرار لأحداث قوية شهدها الماضي، بل ترتبط بزيادة واضحة في شدة التقلبات مقارنة بالسجل المرجاني المتاح.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Science العلمية، لتضيف سجلًا جديدًا إلى الأدلة التي يستخدمها العلماء لفهم العلاقة بين تغير المناخ وتطور واحدة من أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا على كوكب الأرض.





