أخبارتغير المناخصحة الكوكب

الكوارث لا تعني الجوع دائمًا.. ماذا تفعل الدول التي تنجو من أزمات الغذاء؟ 3 عوامل تكشفها دراسة عالمية

87 دولة تكشف المفاجأة.. الكارثة الأقسى لا تعني بالضرورة جوعًا أكبر

عندما يدمر إعصار حقول الأرز أو تجرف الفيضانات مخزونات الحبوب، يبدو أن الطريق إلى الجوع واضحًا. لكن دراسة عالمية تكشف أن العلاقة ليست بهذه البساطة؛ فالدول التي تتعرض لكوارث أشد ليست بالضرورة الأكثر تعرضًا لارتفاع الجوع.

فخلال الفترة بين عامي 2011 و2019، تعرضت دول مثل الفلبين والهند وفيتنام لكوارث أشد من المتوسط، ومع ذلك واصلت نسبة السكان الذين لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء انخفاضها.

وتشير الدراسة إلى أن الفارق قد لا يكون في شدة الكارثة وحدها، وإنما في قدرة النظام الغذائي والاقتصاد والحكومة على امتصاص الصدمة والاستمرار في توفير الغذاء.

وشملت الدراسة 87 دولة، ووجد الباحثون أن ثلاثة عوامل ارتبطت بحدوث تقلبات أقل في الجوع بعد الكوارث: كفاءة الحكومة، وتنوع مصادر الغذاء، والنمو الاقتصادي.

لماذا لا تتحول كل كارثة إلى أزمة غذاء؟

قاد الدراسة كريستوف بينيه من تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية، بمشاركة 26 باحثًا آخرين.

وقارن الباحثون بيانات 87 دولة على مدى تسع سنوات، مستفيدين من مؤشرات النظم الغذائية وبيانات الكوارث الدولية.

وقاسوا أثر الكوارث من خلال التغير في حجم الأضرار مقارنة بالعام السابق، مع ربطها بحجم اقتصاد كل دولة، حتى لا تبدو الدول الغنية أكثر تضررًا لمجرد أن لديها بنية تحتية وممتلكات أكثر تكلفة يمكن أن تتعرض للخسائر.

أما الجوع فقيس من خلال نسبة السكان الذين لا يحصلون على كمية كافية من السعرات الحرارية، أو ما يعرف بمعدل نقص التغذية.

والنتيجة الأولى كانت لافتة: لم يظهر ارتباط واضح بين شدة الكارثة وارتفاع الجوع على المستوى العام.

بمعنى آخر، الدولة التي تتعرض لفيضانات أو أعاصير أو زلازل أكثر قسوة ليست بالضرورة الدولة التي سيزداد فيها عدد الجائعين أكثر

لماذا لا تتحول كل كارثة إلى أزمة غذاء؟

.

الفلبين والهند وفيتنام.. كوارث أشد وجوع أقل

برزت مجموعة من دول جنوب وجنوب شرق آسيا بصورة خاصة.

فقد واجهت الفلبين والهند ونيبال وتايلاند وفيتنام واليابان كوارث تفوق المتوسط، شملت أمطارًا موسمية قياسية وأعاصير شديدة وزلازل، ومع ذلك سجلت هذه الدول انخفاضًا في الجوع خلال الفترة التي درستها الأبحاث.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن بعض هذه الدول تضم أعدادًا ضخمة من السكان، ما يعني أن ملايين الأشخاص يمكن أن يعيشوا في مناطق شديدة التعرض للكوارث دون أن تتحول كل صدمة طبيعية بالضرورة إلى أزمة غذائية واسعة.

وفي المقابل، شهدت دول أخرى كوارث أقل من المتوسط، لكنها سجلت ارتفاعًا في الجوع.

كما لم يكن مستوى ثراء الدولة وحده كافيًا لتفسير الفارق.

وهنا انتقل الباحثون إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي يجعل نظامًا غذائيًا أكثر قدرة على الصمود أمام الكارثة؟

الفلبين والهند وفيتنام.. كوارث أشد وجوع أقل

3 عوامل تقلل قفزات الجوع بعد الكوارث

أظهرت النماذج الإحصائية أن هناك ثلاثة عوامل ارتبطت بتقليل التقلبات في مستويات الجوع بمرور الوقت.

1- حكومة أكثر قدرة على الاستجابة

كلما تحسنت قدرة الحكومة على إدارة الخدمات العامة، ارتبط ذلك بارتفاع أقل في الجوع بعد الصدمات.

والسبب المنطقي أن الكارثة لا تؤثر في الغذاء فقط عبر تدمير المحاصيل، وإنما قد تضرب الطرق والكهرباء والمياه والأسواق والمخازن والخدمات الصحية.

وبالتالي، فإن الدولة التي تستطيع استعادة الخدمات وإيصال المساعدات وتنظيم الأسواق بسرعة قد تمنع تحول الضرر الزراعي أو اللوجستي إلى أزمة غذاء واسعة.

2- تنوع مصادر الغذاء

العامل الثاني هو ما وصفه الباحثون بـالتنوع أو التكرار الوظيفي في النظام الغذائي.

فالدولة التي تعتمد على مصدر واحد أو محصول واحد أو منطقة إنتاج واحدة تكون أكثر عرضة للاضطراب إذا ضربت الكارثة هذا المصدر.

أما وجود مصادر متعددة للغذاء والإنتاج والتوريد، فيوفر بدائل عندما يتعطل أحدها.

وتشبه الفكرة ما يحدث في النظم البيئية وشبكات الكهرباء؛ فوجود بدائل متعددة يجعل النظام أكثر قدرة على الاستمرار عندما يفشل أحد مكوناته.

ويرى الباحثون أن هذه الدراسة تقدم أحد الأدلة الواقعية المبكرة على أن التنوع ليس مجرد وسيلة لزيادة الخيارات الغذائية، بل قد يكون أداة لحماية الأمن الغذائي من الصدمات.

3- الاقتصاد الذي ينمو

ارتبط النمو الاقتصادي أيضًا بتقليل تقلبات الجوع.

لكن اللافت أن الباحثين لم يجدوا أن الدولة الأغنى بالضرورة أكثر قدرة على مقاومة الصدمات، بل كان التغير في الوضع الاقتصادي بمرور الوقت أكثر أهمية من مستوى الثروة في نقطة زمنية واحدة.

وهذا يعني أن دولة فقيرة تحقق نموًا اقتصاديًا مستمرًا قد تبني قدرة أفضل على مواجهة الكوارث من دولة أكثر ثراءً لكنها تعاني من ركود اقتصادي.

استقرار أسعار الغذاء يعني استقرارًا أكبر في الجوع

كشفت المقارنة بين الدول عن عامل آخر شديد الأهمية: تقلب أسعار الغذاء.

فالدول التي شهدت تغيرات أكبر في أسعار الغذاء سجلت أيضًا تقلبات أكبر في مستويات الجوع.

وتعيد هذه النتيجة إلى الذاكرة أزمة أسعار الغذاء العالمية في عامي 2008 و2009، عندما ساهم ارتفاع الأسعار في دفع ملايين الأشخاص إلى حالة نقص التغذية، وفق تقدير استشهد به الباحثون.

وهذا يعني أن حماية الأمن الغذائي لا تتعلق فقط بتوفير كمية كافية من الطعام، وإنما أيضًا بقدرة الناس على تحمل تكلفة الحصول عليه.

فحتى إذا كانت الحبوب متوافرة في الأسواق، فإن ارتفاع الأسعار بصورة حادة قد يجعل الغذاء بعيدًا عن متناول الأسر الفقيرة.

العاصفة الاستوائية ضربت الفلبين
استقرار أسعار الغذاء يعني استقرارًا أكبر في الجوع

رأس المال الاجتماعي.. شبكة حماية بطيئة

وجدت الدراسة أيضًا أن الدول التي تتمتع بروابط مجتمعية وشبكات اجتماعية أقوى شهدت تقلبات أقل في الجوع.

ويستخدم الباحثون مفهوم رأس المال الاجتماعي لوصف قوة العلاقات والثقة والشبكات التي تساعد المجتمعات على التعاون ومواجهة الأزمات.

لكن هذه الحماية لم تظهر بوضوح عندما نظر الباحثون إلى التغيرات قصيرة الأجل داخل الدولة نفسها.

وقد يعني ذلك أن أثر العلاقات الاجتماعية يحتاج إلى وقت أطول حتى يظهر، وأن فائدتها قد تكون تراكمية أكثر من كونها استجابة فورية لكارثة مفاجئة.

لماذا تبدو أفريقيا جنوب الصحراء وشمال أفريقيا وغرب آسيا أكثر هشاشة؟

رصد الباحثون تقلبات أكبر في الجوع في ثلاث مناطق، هي شمال أفريقيا وغرب آسيا، وأوقيانوسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، بغض النظر عن شدة الكوارث.

ويرجح الباحثون أن يكون للصراعات المسلحة دور في تفسير جزء من هذه النتيجة، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها الأزمات السياسية والأمنية مع الكوارث الطبيعية.

أما العديد من دول أوقيانوسيا فهي جزر صغيرة تواجه في الوقت نفسه مخاطر اقتصادية ومناخية متعددة، من الكوارث الطبيعية إلى ارتفاع مستوى سطح البحر.

وهذا يكشف نقطة مهمة: قد لا تكون الكارثة الطبيعية وحدها هي المشكلة؛ وإنما اجتماعها مع نقاط ضعف سياسية واقتصادية واجتماعية موجودة مسبقًا.

هل الاستيراد يحمي من الجوع؟

لم تجد الدراسة علاقة واضحة بين الاعتماد على واردات الحبوب وبين ارتفاع أو انخفاض الجوع.

وتترك هذه النتيجة بابًا مفتوحًا أمام نقاش مهم حول دور التجارة الدولية في حماية الأمن الغذائي عند وقوع الكوارث.

فالدولة التي تستورد جزءًا كبيرًا من غذائها قد تتمكن من تعويض خسائر الإنتاج المحلي، لكنها في المقابل قد تصبح أكثر تعرضًا لاضطرابات التجارة العالمية والأسعار والشحن.

ولذلك لا تقدم الدراسة إجابة بسيطة من نوع «الإنتاج المحلي أفضل دائمًا» أو «الاستيراد أكثر أمانًا»، وإنما تشير إلى الحاجة إلى فهم أعمق لكيفية تفاعل التجارة مع الصدمات المختلفة.

الدراسة لا تشمل كل أنواع الكوارث

رغم اتساع نطاق البحث، هناك حدود مهمة للنتائج.

فالدراسة ركزت على الصدمات المفاجئة، ولم تدخل بصورة كاملة في الضغوط البطيئة مثل موجات الجفاف التي تستمر لسنوات أو الارتفاع التدريجي لمستوى سطح البحر.

كما أن 87 دولة لا تمثل كل دول العالم، والمؤشرات الوطنية الواسعة قد تخفي فروقًا كبيرة بين منطقة وأخرى داخل الدولة نفسها.

وقد تتعرض قرية زراعية لأضرار كارثية بينما تظل المؤشرات الوطنية مستقرة لأن بقية المناطق لم تتأثر بالقدر نفسه.

كما أن بعض الجوانب المهمة من كيفية انتقال الغذاء من المزرعة إلى المستهلك لا تزال غير موثقة بصورة كافية، حتى في الدول الغنية.

الدرس الأكبر: الأمن الغذائي لا يبدأ عند وقوع الكارثة

تكشف الدراسة في جوهرها أن الاستعداد للكوارث جزء من سياسة الأمن الغذائي، وليس ملفًا منفصلًا عنها.

فالمشكلة ليست فقط في عدد المحاصيل التي يمكن أن تدمرها الفيضانات أو الأعاصير، وإنما في قدرة الدولة على تعويض الخسائر، والحفاظ على الأسواق، وتوفير بدائل للغذاء، والسيطرة على تقلبات الأسعار، وحماية الأسر الأكثر ضعفًا.

ولهذا فإن بناء نظام غذائي قادر على الصمود لا يعني البحث عن أعلى كفاءة إنتاجية فقط، أو الاعتماد على سلاسل توريد تعمل وفق مبدأ «في الوقت المناسب» بأقل قدر من المخزون والبدائل.

بل قد يكون التنوع ووجود البدائل والقدرة على الاستجابة أكثر أهمية عندما تقع الصدمة.

وفي عالم تتزايد فيه مخاطر الفيضانات والجفاف والعواصف والحرارة الشديدة، تصبح هذه الفكرة أكثر إلحاحًا: الكارثة قد تكون حتمية في بعض المناطق، لكن تحولها إلى مجاعة ليس كذلك بالضرورة.

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة