دراسة تكشف: لا تحتاج إلى 10 آلاف خطوة يوميًا لتقليل خطر الوفاة المبكرة
سرعة المشي وعدد الخطوات معًا يرتبطان بانخفاض خطر الوفاة المبكرة
لطالما اعتُبرت قاعدة 10 آلاف خطوة يوميًا معيارًا شائعًا للحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الوصول إلى هذا الرقم ليس شرطًا للاستفادة من المشي، وأن سرعة الحركة قد تلعب دورًا مهمًا إلى جانب عدد الخطوات.
وتشير النتائج إلى أن الأشخاص الذين يمشون عددًا أقل بكثير من 10 آلاف خطوة يوميًا قد يظلون أقل عرضة للوفاة المبكرة إذا كانت خطواتهم بوتيرة أسرع، ما يشير إلى أن هناك أكثر من طريقة للاستفادة من النشاط البدني اليومي.
سرعة المشي قد تعوض انخفاض عدد الخطوات
قاد الدراسة إيمانويل ستاماتاكيس، من مركز تشارلز بيركنز بجامعة سيدني، حيث أوضح الباحثون أن النتائج قد تكون مهمة بشكل خاص للأشخاص الذين يجدون صعوبة في الوصول إلى أعداد مرتفعة من الخطوات بسبب ضيق الوقت أو الإعاقة أو طبيعة البيئة التي يعيشون فيها.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة British Journal of Sports Medicine.
وقال ستاماتاكيس إن خطر الوفاة كان أقل بشكل ملحوظ بين الأشخاص الذين حققوا وتيرة خطوات أعلى رغم تسجيل أقل من 5 آلاف خطوة يوميًا.
وفي المقابل، انخفض خطر الوفاة المبكرة أيضًا بين الأشخاص الذين سجلوا ما بين 5 آلاف و7500 خطوة يوميًا حتى عندما كانت وتيرة خطواتهم أقل سرعة.
وتشير هذه النتائج إلى أن الهدف الصحي لا يجب أن يكون رقمًا ثابتًا للجميع، وإنما يمكن أن يعتمد على مزيج من عدد الخطوات وسرعة الحركة والقدرة الفردية على النشاط.

من أين جاءت قاعدة 10 آلاف خطوة؟
رغم انتشار هدف 10 آلاف خطوة حول العالم باعتباره معيارًا يوميًا للصحة، فإن هذا الرقم لم ينشأ في الأصل من دراسة علمية تحدد أنه المستوى الأمثل للصحة.
وأوضح نيكولاس كويميل، أحد المشاركين في الدراسة من جامعة موناش، أن الرقم ارتبط بحملة تسويقية لجهاز عدّ الخطوات في اليابان خلال ستينيات القرن الماضي، وليس بحد صحي مثبت علميًا.
ويرى الباحثون أن التعامل مع 10 آلاف خطوة باعتبارها هدفًا إلزاميًا قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، خصوصًا بالنسبة لكبار السن أو الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الحركة أو العاملين بنظام الورديات أو من لديهم وقت متقطع خلال اليوم.
فإذا بدا الهدف صعبًا للغاية، قد يقرر بعض الأشخاص عدم محاولة زيادة نشاطهم من الأساس، رغم إمكانية تحقيق فوائد صحية من مستويات أقل من النشاط.
الدراسة اعتمدت على بيانات من أجهزة تتبع النشاط
استخدم فريق البحث بيانات من البنك الحيوي البريطاني UK Biobank، وشملت الدراسة بالغين ارتدوا جهازًا لتتبع النشاط على المعصم لمدة أسبوع بين عامي 2013 و2015.
وللدخول في التحليل، كان يتعين توفر بيانات نشاط صالحة لمدة 3 أيام على الأقل، بينها يوم واحد من عطلة نهاية الأسبوع.
ولقياس سرعة المشي، اعتمد الباحثون على أسرع 30 دقيقة من حيث عدد الخطوات خلال اليوم، وحسبوا متوسط عدد الخطوات في الدقيقة خلال هذه الفترات.
لكن هذه الدقائق الثلاثين لم يكن مطلوبًا أن تكون متواصلة؛ إذ كان من الممكن أن تتوزع فترات الحركة الأسرع على أوقات مختلفة خلال اليوم.
وهذا يعني أن النتائج لا تعني بالضرورة أن المشاركين كانوا يمارسون نصف ساعة متواصلة من المشي السريع، وهي نقطة مهمة عند تفسير نتائج الدراسة.
كما أشار الباحثون إلى أن أجهزة تتبع النشاط التي تُرتدى على المعصم لها بعض القيود، إذ يمكن أن تفوّت بعض الخطوات أو تسجل بعض حركات الذراع باعتبارها خطوات.

80 خطوة في الدقيقة ارتبطت بانخفاض الخطر
شمل التحليل الرئيسي 64,743 شخصًا، بمتوسط عمر بلغ 61.5 عامًا، وتوفي 1697 منهم خلال فترة متابعة استمرت نحو 8 سنوات.
وقارن الباحثون المشاركين بمجموعة مرجعية محددة، ضمت الأشخاص الذين سجلوا أقل من 5 آلاف خطوة يوميًا وكانوا أيضًا ضمن أبطأ 5% من حيث وتيرة المشي.
وبين الأشخاص الذين سجلوا أقل من 5 آلاف خطوة يوميًا، ارتبط المشي بوتيرة تبلغ نحو 80 خطوة في الدقيقة بانخفاض تقديري في خطر الوفاة المبكرة بنسبة 28% مقارنة بالمجموعة المرجعية.
وأصبحت النتائج أقل وضوحًا عند السرعات الأعلى، لأن عدد الأشخاص الذين جمعوا بين عدد خطوات منخفض جدًا وسرعة مشي مرتفعة كان محدودًا.
ولذلك ظهر النمط الأكثر وضوحًا عند سرعات متوسطة، حيث توافرت بيانات أكبر تسمح بإجراء مقارنات أكثر موثوقية.
5 آلاف إلى 7500 خطوة قد تحقق فوائد دون سرعة كبيرة
أظهرت النتائج مسارًا آخر للاستفادة من المشي بين الأشخاص الذين سجلوا ما بين 5 آلاف و7500 خطوة يوميًا.
فحتى عند وتيرة تبلغ نحو 60 خطوة في الدقيقة، ارتبط هذا المستوى من النشاط بانخفاض تقديري في خطر الوفاة بنحو 30% مقارنة بالمجموعة المرجعية.
أما أقل مستويات الخطر فظهرت لدى الأشخاص الذين سجلوا ما بين 7500 و10 آلاف خطوة يوميًا، حيث ارتبطت وتيرة تبلغ نحو 100 خطوة في الدقيقة بانخفاض تقديري في خطر الوفاة بلغ حوالي 43%.
وتشير هذه النتائج إلى أن زيادة عدد الخطوات يمكن أن تكون مفيدة حتى دون الحاجة إلى الوصول إلى أسرع وتيرة ممكنة.
النمط نفسه ظهر في وفيات أمراض القلب والأوعية الدموية
درس الباحثون أيضًا العلاقة بين عدد الخطوات وسرعتها والوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.
وشمل هذا التحليل مجموعة منفصلة من 70,075 شخصًا، توفي 502 منهم بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.
وظهر نمط مشابه، إلا أن الخطر بدا وكأنه يرتفع عند أعلى سرعات المشي. لكن هذا الارتباط ضعف عند استخدام طريقة إحصائية أخرى.
ويؤكد الباحثون أن الدراسة لا تثبت أن المشي بسرعة شديدة يسبب ضررًا، كما أنها لا تعني أن الخطوات السريعة يمكنها ببساطة أن تحل محل الخطوات البطيئة.
وبدلًا من ذلك، تشير النتائج إلى وجود تركيبات مختلفة من عدد الخطوات وسرعة المشي ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة.

التنفس قد يكون أبسط طريقة لقياس سرعة المشي
يرى الباحثون أن الاستمرارية قد تكون أهم من بذل مجهود كبير لفترة قصيرة.
وأوضح ماثيو أحمدي، أحد المشاركين في الدراسة، أن الجسم يستجيب للأنماط المعتادة من النشاط أكثر من الجهود غير المنتظمة والمتقطعة، وبالتالي فإن ما يفعله الشخص في معظم أيامه على مدار أشهر وسنوات قد يكون أكثر أهمية من فترة قصيرة من الحماس.
ولا توجد سرعة واحدة للمشي تناسب الجميع؛ فالوتيرة التي تبدو مريحة لشخص يتمتع بلياقة جيدة في الأربعينيات من عمره قد تكون شاقة للغاية بالنسبة لشخص في السبعين.
ولهذا اقترح أحمدي الاعتماد على التنفس كاختبار بسيط لتحديد ما إذا كانت الوتيرة تُعد سريعة نسبيًا.
فعند المشي بوتيرة نشطة والمحافظة عليها لمدة دقيقة أو أكثر، ينبغي أن يصبح التنفس أكثر وضوحًا ويشعر الشخص بالدفء، مع قدرته على مواصلة الحديث بجمل قصيرة، لكن من دون القدرة على الغناء بشكل مريح.

الهدف ليس الوصول إلى رقم مثالي
رغم النتائج اللافتة، يؤكد الباحثون أن الدراسة رصدية، ولذلك لا يمكنها إثبات أن المشي بسرعة أكبر أو زيادة عدد الخطوات هو السبب المباشر في إطالة العمر أو خفض خطر الوفاة.
وأخذ الباحثون في الاعتبار عوامل عدة يمكن أن تؤثر في النتائج، من بينها العمر والتدخين والنظام الغذائي والنوم واستخدام الأدوية، لكن لا يمكن استبعاد وجود عوامل أخرى غير مقاسة أثرت في العلاقة.
كما أن قياس النشاط البدني تم خلال فترة قصيرة نسبيًا، بينما جرت متابعة الوفيات لسنوات، فضلًا عن أن عينة UK Biobank كانت في معظمها من الأشخاص البيض، ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع السكان.
ومع ذلك، تضيف الدراسة دليلًا جديدًا إلى النقاش حول النشاط البدني اليومي، وتشير إلى أن المشي لا يحتاج إلى الالتزام برقم 10 آلاف خطوة حتى يكون مفيدًا.
والرسالة الأهم قد تكون أن أهداف المشي يمكن أن تكون مرنة؛ فزيادة الحركة بانتظام، سواء من خلال عدد أكبر من الخطوات أو وتيرة أسرع أو مزيج من الاثنين، قد تكون نهجًا أكثر واقعية من مطاردة رقم واحد يناسب الجميع.





