ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

قمة بريكس تدفع نحو نظام مالي أقل اعتماداً على الدولار.. مصر تطالب بإصلاح التمويل الدولي

بريكس يفتح جبهة مالية في مواجهة هيمنة الدولار.. عملات محلية ومدفوعات عابرة للحدود

في قمة تعكس اتساع الطموح الاقتصادي والسياسي لمجموعة بريكس، انتقل التكتل في نيودلهي من الحديث عن إصلاح النظام العالمي إلى البحث عن أدوات عملية يمكن أن تغيّر طريقة التجارة والمدفوعات بين أعضائه، عبر توسيع استخدام العملات المحلية وربط أنظمة الدفع وتطوير آليات للمدفوعات العابرة للحدود، في خطوة تستهدف تقليص الاعتماد على الدولار الأميركي وتخفيف كلفة التجارة الدولية.

واعتمد قادة دول المجموعة، السبت، «إعلان نيودلهي» في ختام قمتهم الـ18، متضمناً دعوات إلى إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، وتحديث هيكل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي في مؤسسات صنع القرار الدولي.

لكن البعد الاقتصادي والمالي للقمة بدا أكثر وضوحاً، مع تأكيد الدول الأعضاء مواصلة العمل على إنشاء آليات أكثر كفاءة للمدفوعات العابرة للحدود، واستكشاف قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع وتبادل المعلومات المالية، إلى جانب تسهيل تسويات التجارة والاستثمار باستخدام العملات الوطنية.

بريكس والدولار.. من الخطاب إلى الأدوات

لا تطرح دول بريكس، وفق ما جاء في المناقشات والوثائق المرتبطة بالقمة، إنشاء عملة موحدة تحل محل الدولار، كما لا تعني الخطوات المطروحة التخلي عن العملة الأميركية باعتبارها عملة احتياط عالمية.

التحرك يستهدف شيئاً أكثر واقعية: تقليل الحاجة إلى الدولار في المعاملات التجارية والاستثمارية بين دول المجموعة، وخفض تكلفة المدفوعات، وتسريع حركة الأموال عبر الحدود.

وفي هذا الإطار، دعا قادة بريكس إلى مواصلة العمل على تطوير حلول عملية للمدفوعات العابرة للحدود تكون أسرع وأقل تكلفة وأكثر سهولة وكفاءة وشفافية وأماناً.

وتبحث المجموعة كذلك توسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، في وقت تواجه فيه التجارة العالمية اضطرابات متزايدة، وترتفع فيه تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وتتزايد المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد.

الهند تدفع نحو ربط أنظمة الدفع

وتدفع الهند باتجاه توسيع التعاون بين دول بريكس في مجال أنظمة الدفع، بما في ذلك بحث إمكانية ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية وتطوير بنية تحتية مالية تسمح بتسهيل المعاملات العابرة للحدود.

وتستند هذه التحركات إلى مسار بدأته المجموعة خلال السنوات الماضية بهدف جعل المدفوعات بين أعضائها أكثر استقلالاً عن البنية المالية التقليدية التي تهيمن عليها المؤسسات والعملات الغربية.

وتتمثل الفكرة في تمكين المستورد أو المصدر في دولة عضو من تنفيذ معاملاته بصورة أكثر مباشرة باستخدام العملة الوطنية، بدلاً من المرور في كل مرة عبر الدولار أو أنظمة مالية وسيطة ترفع التكلفة والوقت والمخاطر.

غير أن الطريق أمام هذه الخطوة ليس سهلاً، إذ تواجه عملية ربط أنظمة الدفع اختلافات في التشريعات والسياسات النقدية وضوابط رأس المال، إلى جانب تفاوت مستويات التطور الرقمي بين الدول الأعضاء.

كما أن الانتشار المحدود للعملات الرقمية للبنوك المركزية عالمياً يفرض تحديات إضافية أمام أي نظام موحد أو مترابط للمدفوعات.

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في قمة البريكس بالعاصمة الهندية نيودلهي
تضم مجموعة بريكس حالياً 11 دولة

الصين: الحرب في الشرق الأوسط لا تخدم العالم

ولم تقتصر قمة بريكس على الملفات الاقتصادية، إذ فرضت أزمات الشرق الأوسط نفسها بقوة على اجتماعات القادة.

ودعا الرئيس الصيني شي جين بينج مجموعة بريكس إلى الاضطلاع بدور أكبر في صناعة السلام في الشرق الأوسط، معتبراً أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي، وأن تداعيات الصراع امتدت إلى شعوب المنطقة والاقتصاد العالمي.

وشدد شي على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، داعياً إلى التمسك بدور الأمم المتحدة والمشاركة بصورة بناءة في معالجة الأزمات الدولية.

كما حث دول بريكس على رفض الحمائية التجارية ودعم النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تمثل منظمة التجارة العالمية جوهره.

وتكتسب هذه المواقف أهمية اقتصادية مباشرة، إذ لم تعد الصراعات الجيوسياسية منفصلة عن حركة التجارة والطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، فيما يمكن لأي اضطراب في منطقة الشرق الأوسط أن ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والتجارة العالمية.

السيسي: العالم أمام أزمات متشابكة

وفي قلب هذه التحولات، شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس، مؤكداً أن العالم يواجه أزمات متشابكة تمتد آثارها إلى الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.

وأكد السيسي أهمية تعزيز دور بريكس في إصلاح النظام المالي الدولي ودعم احتياجات الدول النامية، مشيراً إلى أن التطورات الراهنة في الشرق الأوسط تؤكد الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية.

وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر على خطوط التجارة العالمية، وامتلاكها قناة السويس وموانئ ومراكز لوجستية تربط بين أسواق آسيا وأوروبا وإفريقيا.

ودعا الرئيس المصري دول بريكس إلى توظيف قدراتها في إقامة مشروعات وبرامج تدعم التنمية المستدامة، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز الإنتاجية، وتقليص الفجوات التنموية والتكنولوجية.

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في قمة البريكس بالعاصمة الهندية نيودلهي
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في قمة البريكس بالعاصمة الهندية نيودلهي

إصلاح التمويل العالمي.. معركة الدول النامية

ومن أبرز الملفات التي طرحتها مصر قضية إصلاح الهيكل المالي الدولي، في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجه الدول النامية بسبب ارتفاع أعباء الديون وتراجع الحيز المالي المتاح لتمويل التنمية.

وأكد السيسي أهمية تطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، بما يسمح بتوفير تمويل أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الدول الأعضاء.

وهنا تتجاوز أهمية بريكس حدود التجارة والمدفوعات، لتصل إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة لدول الجنوب العالمي: من يملك قرار التمويل، ومن يحدد شروطه، ومن يضع قواعد النظام الاقتصادي العالمي؟

وتطالب دول بريكس منذ سنوات بإصلاح المؤسسات المالية الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بحيث تعكس بصورة أكبر الوزن الاقتصادي المتزايد للدول الناشئة والنامية.

رئيسا الصين وروسيا ورئيس وزراء الهند في اجتماعات قمة البريكس في نيودلهي
رئيسا الصين وروسيا ورئيس وزراء الهند في اجتماعات قمة البريكس في نيودلهي

الطاقة والغذاء والمناخ.. الوجه الآخر للمعركة

ولم تغب ملفات الاقتصاد الأخضر عن المشهد، إذ ربطت مصر بين التحولات الاقتصادية العالمية وبين أمن الطاقة والغذاء والمياه ومواجهة تغير المناخ.

وأكد السيسي ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، إلى جانب تسهيل حصول الدول النامية على التمويل المناخي.

كما دعا إلى دعم انتقال «عادل وواقعي» نحو اقتصادات منخفضة الانبعاثات، مع مراعاة اختلاف ظروف الدول واحتياجاتها التنموية.

وتكشف هذه الملفات عن أحد أهم التحديات التي تواجه دول الجنوب العالمي: الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون في وقت لا تزال فيه ملايين الدولارات مطلوبة لتوفير الغذاء والطاقة والمياه والبنية التحتية الأساسية.

وبالتالي، فإن معركة إصلاح النظام المالي العالمي لا تنفصل عن معركة تمويل المناخ؛ فالدول النامية تحتاج إلى مصادر تمويل أقل تكلفة وأكثر مرونة حتى تتمكن من الاستثمار في الطاقة النظيفة والتكيف مع تغير المناخ وتحسين كفاءة الموارد.

مصر تتطلع إلى رئاسة بريكس

وأعلن الرئيس السيسي تطلع مصر إلى تولي رئاسة مجموعة بريكس في المستقبل القريب، مؤكداً استعداد القاهرة لمواصلة دعم المشروعات المشتركة وتعزيز الشراكات بين أعضاء المجموعة.

وتراهن مصر على موقعها الجغرافي باعتباره نقطة اتصال بين إفريقيا وأوروبا وآسيا، وعلى دورها في التجارة والنقل والطاقة والخدمات اللوجستية، لتعزيز حضورها داخل المجموعة.

كما أبدت القاهرة دعمها للرئاسة الصينية المقبلة لبريكس، مع التطلع إلى البناء على ما تحقق خلال الرئاسة الهندية.

شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس
شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس

بريكس.. تحالف أكبر لكن أكثر تعقيداً

وتضم مجموعة بريكس حالياً 11 دولة، هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والسعودية والإمارات.

ويمنح هذا التوسع المجموعة ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً أكبر، لكنه في الوقت نفسه يجعل عملية تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية أكثر تعقيداً، في ظل اختلاف المصالح الاقتصادية وأنظمة النقد وأسواق المال وضوابط رأس المال بين أعضائها.

ومع ذلك، فإن الاتجاه الذي ظهر في قمة نيودلهي يبدو واضحاً: بريكس لا يريد الاكتفاء بانتقاد النظام الاقتصادي العالمي، وإنما يسعى تدريجياً إلى بناء أدوات موازية داخل التجارة والمدفوعات والتمويل.

وقد لا يؤدي هذا المسار إلى إسقاط الدولار أو إنهاء هيمنته على النظام المالي العالمي في المدى القريب، لكنه يمكن أن يفتح الباب أمام نظام أكثر تعددية، تصبح فيه العملات الوطنية وأنظمة الدفع الإقليمية والمؤسسات المالية الجديدة جزءاً أكبر من حركة التجارة والاستثمار.

قمة بريكس الـ18.. تحالف اقتصادي يبحث نظاماً مالياً أكثر توازناً ويستعد لمرحلة جديدة
قمة بريكس الـ18.. تحالف اقتصادي يبحث نظاماً مالياً أكثر توازناً ويستعد لمرحلة جديدة

وهنا تكمن أهمية قمة نيودلهي: فالمعركة لم تعد فقط حول من يملك أكبر اقتصاد أو أكبر احتياطي نقدي، وإنما حول من يملك البنية التي تتحرك من خلالها الأموال والتجارة والطاقة والاستثمارات في الاقتصاد العالمي الجديد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة