أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

النحاس في قلب سباق الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.. منجم أمريكي ضخم يهدد أرضًا مقدسة

ثروة بـ40 مليار رطل.. منجم نحاس أمريكي يصطدم بحماية البيئة وحقوق السكان الأصليين

تحت مساحة من الصحراء المرتفعة في ولاية أريزونا الأمريكية، تختبئ واحدة من أكبر رواسب النحاس غير المستغلة في العالم، بموارد تقدر بنحو 40 مليار رطل من المعدن.

هذا الاحتياطي يجعل مشروع Resolution Copper أكثر من مجرد منجم جديد؛ فهو يأتي في لحظة تتزايد فيها حاجة الولايات المتحدة والعالم إلى النحاس لتوسيع شبكات الكهرباء، وتصنيع السيارات الكهربائية، ومشروعات الطاقة المتجددة، وبناء مراكز البيانات العملاقة التي تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي.

لكن تحت الأرض التي تحتوي على هذه الثروة المعدنية توجد أيضًا Oak Flat، أو «Chi’chil Biłdagoteel» بلغة الأباتشي، وهي منطقة ذات أهمية دينية وثقافية عميقة لدى السكان الأصليين.

وهنا تتصادم حاجتان استراتيجيتان: الحاجة إلى معدن أصبح أساسيًا للتحول الكهربائي والاقتصاد الرقمي، والحفاظ على موقع طبيعي وثقافي تعتبره قبائل الأباتشي مقدسًا.

40 مليار رطل من النحاس تحت أريزونا

يقع مشروع Resolution Copper في منطقة «Copper Triangle» شرق مدينة فينيكس، وتطوره شركة مشتركة بين عملاقي التعدين Rio Tinto وBHP.

وتقول الشركة إن المنجم يمكن أن يوفر ما يصل إلى 25% من الطلب الحالي للولايات المتحدة على النحاس، إلى جانب معادن ومنتجات مصاحبة تشمل الموليبدينوم والفضة والتيلوريوم والإنديوم والبزموت.

وتكتسب هذه الكميات أهمية خاصة بالنسبة إلى واشنطن، في ظل اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على واردات النحاس، بينما ظل الإنتاج المحلي راكدًا نسبيًا لعقود.

وفي 2025، أضافت إدارة الرئيس دونالد ترامب النحاس إلى قائمة المعادن الحرجة، في انعكاس للأهمية المتزايدة للمعدن في الأمن الاقتصادي والصناعي الأمريكي.

لماذا أصبح النحاس معدن المستقبل؟

النحاس

قد لا يحظى النحاس بالاهتمام الإعلامي الذي تحظى به معادن مثل الليثيوم والكوبالت، لكنه أحد الأعمدة الأساسية للبنية التحتية الكهربائية الحديثة.

فالمعدن يتمتع بقدرة عالية على توصيل الكهرباء، ولذلك يستخدم على نطاق واسع في الكابلات والمحولات والمحركات والمولدات والشبكات الكهربائية.

وتزداد الحاجة إليه مع توسع السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء وتحديث شبكات النقل والتوزيع.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف محرك طلب جديدًا.

فمراكز البيانات العملاقة تحتاج إلى كميات كبيرة من النحاس في أنظمة توزيع الكهرباء، والأسلاك، ومعدات التبريد والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة.

وتشير التقديرات الواردة في الدراسة إلى ارتفاع الطلب العالمي على النحاس من نحو 28 مليون طن متري حاليًا إلى 42 مليون طن بحلول 2040، مدفوعًا بالسيارات الكهربائية وتوسيع الشبكات والطاقة المتجددة والدفاع ومراكز البيانات.

أما مراكز البيانات وحدها، فمن المتوقع أن تستهلك ما بين 330 ألفًا و420 ألف طن من النحاس سنويًا بحلول 2030.

وبذلك أصبح النحاس جزءًا من المعركة العالمية على المعادن اللازمة لبناء الاقتصاد الكهربائي والرقمي الجديد.

منجم أمريكي بقيمة اقتصادية ضخمة

تقدر شركة Resolution Copper أن المشروع يمكن أن يضيف نحو مليار إلى 1.2 مليار دولار سنويًا إلى اقتصاد أريزونا، وأن يدعم قرابة 3700 وظيفة، مع أجور وتعويضات سنوية مجمعة تقدر بنحو 270 مليون دولار.

وتشير دراسات اقتصادية أعدت للمشروع إلى إمكانية وصول القيمة الاقتصادية الإجمالية التي يحققها لأريزونا إلى نحو 61 مليار دولار على مدى 60 عامًا.

كما تقول الشركة إن نحو 90% من قوتها العاملة الحالية يعيشون على مسافة لا تتجاوز 40 ميلًا من موقع المشروع.

وفي الوقت الحالي، يجري تنفيذ برنامج للحفر بعد الموافقة مؤخرًا على استثمار بقيمة 500 مليون دولار، بينما تستهدف الشركة بدء الإنتاج في منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.

منجم أمريكي

لكن هناك مشكلة واحدة ضخمة.. الأرض نفسها ستنهار

المشروع لا يعتمد على منجم مفتوح تقليدي، وإنما يستخدم تقنية تعدين تحت الأرض تعرف باسم Block Caving.

هذه التقنية تسمح باستخراج الخام من أعماق كبيرة عبر تقويض الجزء السفلي من كتلة الخام، بحيث تبدأ الصخور في الانهيار تحت تأثير وزنها.

لكن الانهيار لا يبقى تحت الأرض.

مع مرور الوقت، يمكن أن يمتد إلى سطح الأرض، وهو ما سيؤدي في حالة Resolution Copper إلى تغير هائل في شكل المنطقة.

ووفق تقييم الأثر البيئي للمشروع، من المتوقع أن يظهر انخفاض واضح في سطح الأرض على هيئة حفرة بعد نحو 41 عامًا من بدء التعدين.

وفي نهاية عمر المنجم، يمكن أن يصل قطر الحفرة إلى نحو 1.8 ميل، بينما يتراوح عمقها بين 800 و1115 قدمًا.

وتقول الشركة إنها ستتخلى عن أجزاء من الخام في بعض المناطق الحساسة بهدف الحد من نطاق الهبوط، بينما تقدر أقصى مساحة سطحية متأثرة بنحو 1800 فدان في نهاية عمر المشروع.

Oak Flat .. عندما تصبح الأرض أكثر من مجرد مورد

تكمن حساسية المشروع في أن الأرض المستهدفة ليست مساحة صحراوية عادية بالنسبة إلى السكان الأصليين.

فمنطقة Oak Flat، المعروفة باسم Chi’chil Biłdagoteel لدى الأباتشي، استخدمت في الطقوس والممارسات الدينية منذ أجيال طويلة، وتحظى بمكانة خاصة في الثقافة والهوية المحلية.

وفي 2016، أدرجت المنطقة في السجل الوطني للأماكن التاريخية.

ولهذا، فإن الاعتراض على المشروع لا يرتبط فقط بمخاوف تلوث أو تدمير موائل طبيعية، وإنما يمتد إلى حماية موقع ديني وثقافي تعتبره قبائل الأباتشي جزءًا من تراثها الحي.

معارضة واسعة من قبائل أريزونا

تقول المادة إن المشروع يواجه معارضة من 21 قبيلة من أصل 22 قبيلة معترف بها اتحاديًا في أريزونا، إلى جانب المؤتمر الوطني للهنود الأمريكيين.

وتقود منظمة Apache Stronghold جانبًا رئيسيًا من الحملة القانونية ضد نقل الأرض للمشروع.

ويقول معارضو المشروع إن خسارة Oak Flat لا يمكن تعويضها ماليًا أو من خلال إجراءات حماية جزئية، لأن الضرر المحتمل يتعلق بمكان ذي قيمة دينية وثقافية لا يمكن استعادتها بمجرد إعادة تأهيل الموقع.

في المقابل، تؤكد Resolution Copper أن المشروع خضع لأكثر من عقد من المشاورات والتعديلات، وأنها غيرت تصميم المنجم لتجنب مئات المواقع ذات الأهمية بالنسبة إلى السكان الأصليين.

كيف حصلت الشركة على الأرض؟

كانت الأرض في الأصل جزءًا من الأراضي الفيدرالية التابعة لغابة Tonto National Forest، وظلت محاولات نقلها محل خلاف سياسي وقانوني لسنوات.

لكن نقطة التحول جاءت في 2014، عندما أضيف قانون Southeast Arizona Land Exchange and Conservation Act إلى مشروع قانون للإنفاق الدفاعي كان من التشريعات التي يصعب تعطيلها.

وفي مارس 2026، اكتملت عملية تبادل الأراضي، حيث حصلت Resolution Copper على نحو 2422 فدانًا بالقرب من منجم Magma التاريخي، مقابل نقل أكثر من 5400 فدان أخرى إلى الحماية الدائمة.

وتظل الطريقة التي جرى بها تمرير التشريع أحد مصادر الجدل حول المشروع حتى اليوم.

الشركة تحاول تقليل الأثر

تقول Resolution Copper إنها أدخلت تعديلات عديدة على المشروع نتيجة المشاورات مع المجتمعات المحلية والقبائل.

ومن بين هذه الإجراءات تجنب منطقة Apache Leap ذات الأهمية الثقافية، ووضعها تحت حماية دائمة باعتبارها منطقة إدارة خاصة، مع تنازل الشركة عن حقوق التعدين فيها.

كما تشمل الإجراءات برنامجًا لمراقبة أنشطة التعدين بمشاركة ممثلين عن القبائل، ومبادرة لإعادة زراعة أشجار البلوط، ونقل إدارة مخيم Oak Flat إلى شركة مملوكة لأفراد من قبيلة San Carlos Apache.

وتؤكد الشركة أن هدفها هو الحفاظ على شكل المنطقة وطابعها قدر الإمكان، رغم التغيرات التي سيحدثها التعدين على المدى الطويل.

صناعة النحاس

المياه ومخلفات التعدين.. الأزمة التي قد تمتد لعقود

بعيدًا عن الحفرة العملاقة، يثير المشروع سؤالين بيئيين آخرين: المياه ومخلفات التعدين.

فالمنطقة تقع في بيئة جافة، ما يجعل استهلاك المياه وإدارتها قضية حساسة بالنسبة إلى المجتمعات المحلية والمعارضين للمشروع.

وتتوقع خطط المشروع إنتاج نحو 1.37 مليار طن من مخلفات التعدين على مدى عمر المنجم.

ومن المخطط نقل هذه المخلفات في صورة ملاط عبر خط أنابيب يبلغ طوله نحو 20 ميلًا إلى منشأة تخزين مخصصة.

في المقابل، تشير الشركة إلى جهودها في إعادة استخدام المياه، وتقول إنها أعادت تدوير نحو 8 مليارات جالون من المياه حتى الآن.

لكن المخاوف التي يطرحها المعارضون تتعلق ليس فقط بحجم الاستهلاك، وإنما باحتمالات التأثير طويل الأجل في الموارد المائية وجودة المياه في منطقة تعاني أصلًا من ندرة المياه.

معركة قضائية لم تنتهِ

وصل الصراع حول المشروع إلى المحكمة العليا الأمريكية.

وفي مايو 2025، رفضت المحكمة العليا نظر القضية التي رفعتها Apache Stronghold، وهو قرار إجرائي يعني رفض مراجعة القضية وليس حكمًا في جوهر جميع الادعاءات المتعلقة بالمشروع.

وكان القاضي نيل جورساتش قد خالف قرار الأغلبية، وانضم إليه القاضي كلارنس توماس، معتبرًا أن رفض النظر في القضية خطأ جسيم.

وفي مرحلة لاحقة، رفضت محكمة الاستئناف الفيدرالية التاسعة إحدى الدعاوى المتبقية.

لكن المعركة لم تختفِ، ففي 2026، قدمت Apache Stronghold دعوى محدثة تسعى إلى عكس عملية نقل الأرض قبل وقوع أضرار تعتبرها غير قابلة للعكس.

معضلة التحول الأخضر

هنا تظهر المفارقة التي تجعل قضية Resolution Copper أكبر من مجرد نزاع محلي في أريزونا.

فالعالم يريد مزيدًا من السيارات الكهربائية، وشبكات كهرباء أكبر، وطاقة متجددة، وبنية تحتية رقمية قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي.

لكن كل هذه التقنيات تحتاج إلى معادن ومواد خام.

والنحاس في مقدمة هذه القائمة، وبالتالي، فإن تسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون لا يعني التخلص من التعدين، بل قد يعني في بعض الحالات زيادة الطلب على التعدين.

وهذا يخلق واحدة من أكثر المفارقات تعقيدًا في سياسات التحول الأخضر:

كيف يمكن بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على الكهرباء والطاقة النظيفة، من دون نقل الأضرار البيئية والاجتماعية إلى مناطق التعدين؟

هل يكفي أن يكون المعدن «أخضر»؟

لا توجد إجابة بسيطة، فالنحاس المستخرج من المنجم يمكن أن يدخل في شبكة كهرباء جديدة، أو سيارة كهربائية، أو مزرعة رياح، أو مركز بيانات يدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

لكن ذلك لا يجعل عملية استخراج النحاس خالية تلقائيًا من الأضرار البيئية.

وهنا تبرز أهمية مفهوم سلسلة القيمة المستدامة للمعادن، التي لا تقيس فائدة المعدن النهائي فقط، وإنما تنظر أيضًا إلى كيفية استخراج الخام، واستهلاك المياه والطاقة، وإدارة المخلفات، وحماية التنوع البيولوجي، واحترام حقوق المجتمعات المحلية والسكان الأصليين.

النحاس بين أمن الإمدادات وحماية البيئة

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل Resolution Copper فرصة لزيادة الإنتاج المحلي من معدن استراتيجي وتقليل الاعتماد على الواردات في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على المعادن الحرجة.

وبالنسبة إلى الشركة، فإن المشروع يجمع بين احتياطي ضخم، وموقع قريب نسبيًا من السوق الأمريكية، وحاجة متزايدة إلى النحاس.

لكن بالنسبة إلى معارضي المشروع، فإن قيمة النحاس لا يمكن أن تلغي قيمة الأرض التي سيُستخرج منها، خصوصًا عندما تكون تلك الأرض جزءًا من التراث الديني والثقافي للسكان الأصليين.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تحتاج أمريكا إلى النحاس؟

فالطلب المتزايد على المعدن يجعل الإجابة واضحة إلى حد كبير.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع أمريكا توفير النحاس الذي يحتاجه عصر الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية، من دون أن تدفع ثمنًا بيئيًا وثقافيًا لا يمكن استعادته؟

هذه هي المعضلة التي تجعل منجم Resolution Copper واحدًا من أكثر مشاريع التعدين إثارة للجدل في سباق العالم نحو الاقتصاد الكهربائي الجديد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة