هل تنقذ الطاقة النووية شبكات الكهرباء من أزمة الطلب المتزايد؟.. خبراء يجيبون
الطاقة النووية في مواجهة عطش الكهرباء.. هل تنقذ الشبكات من الطلب المتصاعد؟
مع التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي وازدياد أعداد مراكز البيانات والسيارات الكهربائية، تواجه شبكات الكهرباء في الولايات المتحدة تحديًا جديدًا يتمثل في ارتفاع الطلب على الطاقة بوتيرة متسارعة، وهو ما يعيد الطاقة النووية إلى واجهة النقاش باعتبارها مصدرًا قادرًا على توفير كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات على مدار الساعة.
ويرى خبراء من جامعة ولاية بنسلفانيا أن الطاقة النووية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصًا مع الحاجة إلى مصادر موثوقة تعمل بصورة مستمرة إلى جانب الطاقة المتجددة.
لماذا تعود الطاقة النووية إلى الواجهة؟
تتميز محطات الطاقة النووية بقدرتها على إنتاج الكهرباء على نطاق واسع وبصورة مستمرة، إذ يمكنها العمل بكامل طاقتها تقريبًا على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، مع فترات توقف محدودة ومخططة لإعادة التزود بالوقود.
ويقول ماثيو زيرفي، أستاذ الهندسة النووية في جامعة ولاية بنسلفانيا، إن الطاقة النووية تعد مصدرًا منخفض الكربون ويمكن تشغيلها على نطاق كبير، كما تتمتع بمستويات مرتفعة من الموثوقية مقارنة بالعديد من مصادر الطاقة النظيفة الأخرى.
وتختلف الطاقة النووية في هذا الجانب عن الشمس والرياح، اللتين تتأثران بالظروف الجوية ويتغير إنتاجهما وفقًا لمستويات الإشعاع الشمسي وسرعة الرياح.
ورغم أن الطاقة النووية تنتج نفايات مشعة تحتاج إلى إدارة طويلة الأجل، فإن حجم هذه النفايات، وفق الخبراء، يظل صغيرًا مقارنة بكمية الطاقة التي يمكن إنتاجها.
كما أن البصمة البيئية للمحطات النووية أقل بكثير من مصادر الوقود الأحفوري، خصوصًا فيما يتعلق بانبعاثات الكربون وتلوث الهواء.

20% من كهرباء أمريكا نووية
تمثل الطاقة النووية بالفعل جزءًا مهمًا من منظومة الكهرباء الأمريكية، إذ توفر نحو 20% من إجمالي الكهرباء المنتجة في الولايات المتحدة.
وتعد المحطات النووية أكبر مصدر للكهرباء منخفضة الكربون في البلاد، وثاني أكبر مصدر لتوليد الكهرباء بصورة عامة.
لكن الاعتماد على الطاقة النووية يختلف من منطقة إلى أخرى، إذ تحصل مناطق الجنوب الشرقي ووسط الأطلسي والغرب الأوسط على حصة أكبر من الكهرباء النووية مقارنة بباقي أنحاء الولايات المتحدة.
ويعني ذلك أن مستقبل الطاقة النووية لن يعتمد فقط على التكنولوجيا، وإنما أيضًا على طبيعة أسواق الكهرباء واللوائح التنظيمية في كل ولاية.

الشبكة تحتاج إلى الكهرباء والمرونة
لا تواجه شبكات الكهرباء مشكلة زيادة الطلب فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى قدر أكبر من المرونة.
فالانتشار المتزايد للطاقة الشمسية وطاقة الرياح يعني أن جزءًا متناميًا من إنتاج الكهرباء يعتمد على الظروف الجوية، بينما يؤدي انتشار السيارات الكهربائية ومراكز البيانات وغيرها من التطبيقات الجديدة إلى تغييرات سريعة في الطلب على الكهرباء.
ومن ثم، تحتاج الشبكات إلى مصادر تستطيع توفير الكهرباء بصورة موثوقة، إلى جانب تقنيات قادرة على الاستجابة للتغيرات السريعة في العرض والطلب.
ويرى الخبير في سياسات واقتصاد الطاقة سيث بلومساك، أن الطاقة النووية يمكن من حيث المبدأ أن تساعد في تلبية كلا الاحتياجين.
هل تنقذ المفاعلات الصغيرة الشبكة؟

تظهر المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs) كأحد الخيارات التي تحظى باهتمام متزايد.
ويعتقد الباحثون أن هذه المفاعلات قد تتمتع بمرونة أكبر في التعامل مع التغيرات في إنتاج الطاقة الشمسية والرياح أو التغيرات في الطلب على الكهرباء، إلى جانب إمكانية إنتاج الكهرباء بصورة مستقرة ومنخفضة الكربون.
لكن هناك عقبة رئيسية، وهي أن المفاعلات الصغيرة المعيارية وغيرها من تقنيات الطاقة النووية المتقدمة لم تبدأ حتى الآن في توفير الكهرباء لشبكة الطاقة الأمريكية على نطاق تجاري.
كما أن القدرة على بناء هذه المفاعلات بتكلفة اقتصادية وتشغيلها بصورة آمنة وفعالة لا تزال عاملًا حاسمًا في تحديد مدى انتشارها.
مراكز البيانات تشعل الطلب على الكهرباء
أحد أبرز العوامل التي تدفع الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة حاليًا هو التوسع الهائل في مراكز البيانات التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويشير الخبراء إلى أن الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة ظل لعقود ينمو بصورة بطيئة ويمكن التنبؤ بها، لكن ظهور مراكز البيانات الضخمة، بالتزامن مع اتجاهات أخرى، أحدث زيادة غير مسبوقة في الحاجة إلى كهرباء موثوقة تعمل بصورة مستمرة.
وهنا تبرز الطاقة النووية باعتبارها أحد المصادر التي يمكن أن توفر كهرباء مستقرة على مدار الساعة، وهو أمر شديد الأهمية بالنسبة إلى مراكز البيانات التي لا يمكنها تحمل انقطاعات طويلة في الإمدادات.

مفاعلات نووية داخل مراكز البيانات
بدأت بعض الشركات بالفعل في دراسة العلاقة المباشرة بين الطاقة النووية ومراكز البيانات.
ومن الأمثلة على ذلك دعم شركة مايكروسوفت لإعادة تشغيل محطة نووية متوقفة في ولاية بنسلفانيا، بهدف توفير الكهرباء للشبكة التي يمكن أن تستخدمها مراكز البيانات التابعة لها.
كما اقترح مطورو مراكز بيانات آخرون استخدام مفاعلات نووية صغيرة معيارية داخل مواقع مراكز البيانات نفسها، لتوفير كميات كبيرة من الكهرباء الموثوقة ومنخفضة الكربون دون الاعتماد بالقدر نفسه على شبكة الكهرباء العامة.
ومن الناحية النظرية، يمكن أن تكون هذه المفاعلات مناسبة لتشغيل مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذا تمكنت صناعة الطاقة النووية من إثبات قدرتها على بناء هذه المنشآت بصورة اقتصادية وتشغيلها بأمان وكفاءة.
لكن هذه الفكرة لا تزال في مرحلة التطوير، ولم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق التجاري الواسع.
عقبة التكلفة والتنظيم
رغم التقدم الذي تحقق في تقنيات المفاعلات الصغيرة وفي الأطر التنظيمية الخاصة بالموافقة عليها، يرى الخبراء أن الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مرحلة الانتشار الواسع لهذه التكنولوجيا.
كما تواجه الطاقة النووية معارضة شعبية في بعض المناطق، وهو ما يعني أن نمو الصناعة لن يعتمد على التكنولوجيا والتمويل فقط، وإنما سيحتاج أيضًا إلى بناء الثقة العامة وتطوير الأطر التنظيمية المناسبة.
وتظل تكلفة إنشاء المفاعلات الجديدة أحد أهم التحديات، خصوصًا أن أي مشروع نووي يحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات طويلة نسبيًا قبل بدء التشغيل.

تحدٍ جديد: العمالة والأمن السيبراني
ومع توسع الصناعة النووية، لن تكون الحاجة مقتصرة على المهندسين.
ويؤكد الباحثون أن زيادة القدرة النووية في الولايات المتحدة تتطلب إعداد أعداد كبيرة من المشغلين والفنيين ومديري المشروعات والمتخصصين في الأمن السيبراني، إلى جانب كوادر أخرى قادرة على تصميم وبناء وتشغيل الأنظمة النووية المعقدة.
وتزداد أهمية الأمن السيبراني مع اتجاه الجيل الجديد من المنشآت النووية إلى الاعتماد بصورة أكبر على أنظمة القياس والتحكم الرقمية، والمراقبة عن بُعد، وبعض الأنظمة ذات مستويات أعلى من التشغيل الذاتي.
وهذا يفرض الحاجة إلى كوادر تجمع بين المعرفة في الهندسة النووية والأمن السيبراني لحماية المنشآت من المخاطر الرقمية.
هل تحل الطاقة النووية أزمة الكهرباء؟
لا يرى الخبراء أن الطاقة النووية ستكون حلًا وحيدًا لمشكلات شبكات الكهرباء، لكنها يمكن أن تصبح جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة في ظل ارتفاع الطلب.
فالشبكات المستقبلية ستحتاج إلى مزيج من مصادر الطاقة المستقرة والمتجددة وتقنيات التخزين وإدارة الطلب، إلى جانب تطوير خطوط النقل والبنية التحتية الكهربائية.
لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والسيارات الكهربائية إلى قلب منظومة الطلب على الطاقة، تبدو الحاجة إلى مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الكربون أكثر إلحاحًا.
ومن هنا، قد تحصل الطاقة النووية على فرصة جديدة لإثبات دورها، ليس باعتبارها بديلًا كاملًا للطاقة الشمسية والرياح، وإنما باعتبارها أحد أعمدة الشبكة القادرة على توفير الكهرباء عندما تحتاج إليها الأنظمة والمستهلكون، بغض النظر عن حالة الطقس.





