أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

تغير المناخ يهدد حدائق الحيوان.. هل أصبحت الحيوانات مستعدة لموجات الحر؟

موجات الحر تضع حدائق الحيوان أمام اختبار صعب.. الأسود والفيلة تحت تهديد الإجهاد الحراري

بعد نفوق 3 أسود في اليابان.. تغير المناخ يهدد الحيوانات داخل حدائق الحيوان

عندما يفكر الناس في تأثيرات تغير المناخ على الحيوانات، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى ذوبان الجليد البحري، والجفاف الذي يضرب النظم البيئية، والأنواع التي تكافح من أجل البقاء في البرية.

لكن اهتمامًا أقل يُمنح للحيوانات التي تعيش تحت رعاية الإنسان، رغم أن تزايد موجات الحر وشدتها وعدم القدرة على التنبؤ بها قد يجعل حدائق الحيوان أمام أحد أكبر تحديات رعاية الحيوانات خلال العقود المقبلة.

وأعادت وفاة ثلاثة أسود في حديقة تاما للحيوانات في اليابان خلال موجة حر تجاوزت درجات الحرارة فيها 40 درجة مئوية، تسليط الضوء على هذه القضية. ولا تزال التحقيقات جارية بشأن الوفيات، لكن الحادثة تطرح سؤالًا مهمًا: هل نفهم بالفعل كيف ستتعامل الحيوانات مع الحرارة المرتفعة، وما إذا كانت قادرة على التكيف معها في ظل مناخ سريع التغير؟

لماذا قد تتأثر الأسود بالحرارة؟

قد يتفاجأ كثيرون من أن الأسود يمكن أن تكون عرضة للإجهاد الحراري، فهي تطورت في إفريقيا وترتبط في أذهان الناس بالبيئات الحارة والجافة.

لكن هذا التصور يبسط الطريقة التي تختبر بها الحيوانات الحرارة، إذ لا تمثل درجة الحرارة وحدها العامل المحدد لقدرة الحيوان على تحمل الظروف الحارة.

وتلعب الرطوبة دورًا بالغ الأهمية أيضًا. فالأسود، مثل العديد من الثدييات، لا تتعرق بكفاءة مثل الإنسان، وتعتمد بدلًا من ذلك على البحث عن الظل، وتقليل الحركة، واللهاث للمساعدة في التخلص من حرارة الجسم.

وعندما ترتفع الرطوبة، تصبح هذه الآليات أقل فعالية، لأن قدرة الجسم على التخلص من الحرارة من خلال تبخر الماء تتراجع.

ومن المفارقات أن الإنسان قد يكون أكثر قدرة على تحمل الحرارة من الأسود في بعض الظروف، إذ يستطيع التعرق عبر معظم أجزاء الجسم، ما يجعل التبريد بالتبخر وسيلة فعالة للحفاظ على درجة حرارة الجسم حتى في ظروف قد تضطر الأسود فيها إلى الراحة والبحث عن الظل.

البرية تمنح الحيوانات خيارات أكثر

في الطبيعة، تمتلك الأسود مجموعة من الخيارات التي تساعدها على التعامل مع الحرارة، فهي تستطيع التحرك عبر مساحات واسعة، واختيار المناطق ذات الظروف المناخية المحلية الأكثر ملاءمة، والراحة في أماكن مظللة، وتغيير أوقات نشاطها.

لكن الكثير من هذه الخيارات قد لا يكون متاحًا بالقدر نفسه داخل حدائق الحيوان.

وتشتهر الأسود البرية بقضاء جزء كبير من ساعات النهار في حالة من الخمول، قبل زيادة نشاطها خلال الفترات الأكثر برودة من اليوم، عندما تبدأ في الصيد والتفاعل الاجتماعي.

وهنا تظهر إحدى القضايا الأساسية في رعاية الحيوانات: قدرة الحيوان على الاختيار والتحكم في البيئة المحيطة به.

فرفاهية الحيوان لا تعتمد فقط على درجة الحرارة أو الظروف البيئية التي يتعرض لها، وإنما أيضًا على مقدار الخيارات المتاحة أمامه للتعامل مع تلك الظروف.

بعد نفوق 3 أسود في اليابان.. تغير المناخ يهدد الحيوانات داخل حدائق الحيوان
بعد نفوق 3 أسود في اليابان.. تغير المناخ يهدد الحيوانات داخل حدائق الحيوان

الدببة القطبية والبطاريق ليست وحدها المعرضة للخطر

هناك أنواع تبدو حساسيتها تجاه ارتفاع الحرارة واضحة، مثل الدببة القطبية والبطاريق والباندا الحمراء، التي تكيفت مع البيئات الباردة.

لكن تغير المناخ قد يؤثر أيضًا على أنواع ترتبط عادة بالبيئات الدافئة.

فالقردة العليا، وحيوانات التابير، والفهود، وحتى الأفيال، يمكن أن تعاني مستويات خطرة من الإجهاد الحراري عندما تجتمع درجات الحرارة المرتفعة مع مستويات عالية من الرطوبة.

وتزداد المشكلة بالنسبة إلى الأفيال بسبب أجسامها الكبيرة، خاصة عندما تكون فرص الوصول إلى الظل والمياه ووسائل التبريد الأخرى محدودة.

وهذا يعني أن تصنيف الحيوانات ببساطة وفقًا للمناخ الذي تنحدر منه لا يكفي لتحديد قدرتها على تحمل الظروف المستقبلية.

قدرة الدببة القطبية في جنوب غرينلاند على تعديل جيناتها لمواجهة الحرارة

تغير المناخ يعيد تعريف رفاهية الحيوانات

تاريخيًا، صُممت العديد من حدائق الحيوان، خصوصًا في المناطق المعتدلة مثل المملكة المتحدة، مع التركيز على حماية الحيوانات من الطقس البارد والأمطار.

وبُذلت جهود كبيرة لتوفير أماكن دافئة ومغلقة للأنواع التي تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة، بينما اعتُبرت الحرارة الشديدة في كثير من الأحيان مشكلة أقل أهمية.

لكن هذا الافتراض قد لا يكون صالحًا في ظل المناخ المتغير.

فمع زيادة تكرار موجات الحر وطول مدتها وشدتها في مناطق مختلفة من العالم، تحتاج حدائق الحيوان إلى إعادة التفكير في كيفية إدارة رفاهية الحيوانات.

وقد لا تكون أنظمة التحكم في درجات الحرارة التي كانت كافية قبل 10 أو 20 عامًا مناسبة للظروف الحالية أو للمناخ المتوقع في المستقبل.

البطريق الأفريقي

البنية التحتية وحدها لن تكون كافية

تمتلك حدائق الحيوان خبرة طويلة في إدارة الظروف البيئية للحيوانات ذات الاحتياجات الخاصة.

فالحيوانات الاستوائية، على سبيل المثال، تحصل عادة على أماكن داخلية مدفأة خلال فترات البرد.

لكن تغير المناخ يعيد تشكيل خط الأساس البيئي الذي صُممت هذه الأنظمة وفقًا له، ما يفرض على حدائق الحيوان تحديث خططها لمواجهة الحرارة الشديدة.

ومن نقاط القوة في إدارة حدائق الحيوان الحديثة إدراك أن الحيوانات أفراد وليست مجرد ممثلين لنوع واحد.

فقد يستجيب حيوانان من النوع نفسه، ويعيشان في القفص ذاته، بطريقة مختلفة تمامًا للظروف البيئية نفسها.

كما قد تكون الحيوانات الأكبر سنًا أقل قدرة على تحمل الإجهاد الحراري، بينما يمكن أن تكون الحيوانات التي تعاني مشكلات تنفسية أو حالات صحية أخرى أكثر عرضة للخطر.

وتملك حدائق الحيوان عادة سجلات تفصيلية لكل حيوان تشمل سلوكه وشخصيته وعلاقاته الاجتماعية وتاريخه الصحي وتجارب حياته، وهي معلومات يمكن أن تساعد في اكتشاف التغيرات المرتبطة بالحرارة ومراقبتها.

إجراءات جديدة لحماية الأسود والفيلة والأنواع الحساسة للحرارة
إجراءات جديدة لحماية الأسود والفيلة والأنواع الحساسة للحرارة

موجات الحر خطر يجب الاستعداد له

ينبغي التعامل مع الحرارة الشديدة بصورة متزايدة باعتبارها خطرًا متوقعًا على رفاهية الحيوانات، مثل العواصف الشديدة والفيضانات وتفشي الأمراض.

وقد يتطلب ذلك توسيع مساحات الظل، وإنشاء ملاجئ يمكن التحكم في مناخها، وتحسين أنظمة التهوية، وتركيب أنظمة للرذاذ والمياه، إلى جانب مراقبة درجات الحرارة والرطوبة بصورة فورية.

لكن تطوير البنية التحتية وحده لن يكون كافيًا.

فقد تحتاج حدائق الحيوان أيضًا إلى تغيير ممارسات الإدارة اليومية، مثل تعديل مواعيد تقديم الطعام وأنشطة الإثراء البيئي، وتغيير الروتين اليومي لتقليل تعرض الحيوانات للحرارة خلال أكثر ساعات اليوم سخونة.

سلوك الحيوانات يكشف الخطر مبكرًا

يعد السلوك أحد أهم المؤشرات المستخدمة في تقييم رفاهية الحيوانات.

فالحيوان الذي يبدو خاملًا أو منعزلًا أو أقل تفاعلًا مع البيئة المحيطة به قد يكون يرسل إشارة إلى تدهور حالته قبل ظهور أعراض مرضية واضحة.

وقد يؤدي الإجهاد الحراري إلى تغيير أنماط نشاط الحيوان، ودفعه إلى قضاء وقت أطول في أماكن معينة، وتغيير وضعيته، وتقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو تغيير طريقة تفاعله مع الحيوانات الأخرى.

والإنسان نفسه يغير سلوكه أثناء موجات الحر؛ فنحن نعدل روتيننا اليومي، ونبحث عن الأماكن الأكثر برودة، ونواجه صعوبة أكبر في النوم، ونقلل من النشاط البدني.

كما يمكن للحرارة الشديدة أن تؤثر على الإدراك والسلوك البشري، إذ تشير الأدلة إلى أن الانتباه والذاكرة واتخاذ القرارات قد تتأثر تحت ضغط الحرارة.

وتثير هذه النتائج تساؤلات مهمة حول الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها الحرارة الشديدة في سلوك الحيوانات الموجودة تحت رعاية الإنسان ورفاهيتها.

الحرارة والرطوبة.. خطر مزدوج يهدد الأسود والفيلة والباندا في حدائق الحيوان
الحرارة والرطوبة.. خطر مزدوج يهدد الأسود والفيلة والباندا في حدائق الحيوان

التحدي يتجاوز حدائق الحيوان

لا تقتصر هذه القضية على حدائق الحيوان وحدها، إذ تواجه جميع الحيوانات التي تعيش تحت إدارة الإنسان تحديات مشابهة مع تغير المناخ.

فالمزارع، وحدائق الحياة البرية، ومراكز إنقاذ الحيوانات، وحتى الحيوانات الأليفة، يمكن أن تتعرض لضغوط متزايدة مع ارتفاع وتيرة موجات الحر وشدتها.

ومع دخول العالم مرحلة تتسم بظروف جوية أكثر تطرفًا، لم يعد كافيًا أن تسأل حدائق الحيوان عما إذا كانت منشآتها مناسبة للمناخ الحالي.

السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل صُممت هذه المنشآت لتتعامل مع المناخ الذي ينتظر الحيوانات خلال العقود المقبلة؟

 الحرارة والرطوبة.. خطر مزدوج يهدد الأسود والفيلة والباندا في حدائق الحيوان
الحرارة والرطوبة.. خطر مزدوج يهدد الأسود والفيلة والباندا في حدائق الحيوان

فالاستعداد لتغير المناخ لا يعني فقط توفير الغذاء والمياه والمأوى، وإنما ضمان قدرة الحيوانات على الاختيار والابتعاد عن الحرارة والتبريد والتكيف مع الظروف المتغيرة.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، قد يصبح تطوير أنظمة رعاية الحيوانات القادرة على الاستجابة لموجات الحر المتزايدة جزءًا أساسيًا من حماية رفاهية الحيوانات، سواء كانت تعيش في البرية أو داخل حدائق الحيوان ومراكز الرعاية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة