تنظيف هواء المدن يحسن القدرات العقلية للأطفال.. دراسة تتبع أكثر من ألف أم وطفل
الهواء النظيف يبدأ تأثيره قبل الولادة.. دراسة تربط انخفاض التلوث بتحسن نمو أدمغة الأطفال
كشفت دراسة علمية امتدت لنحو 20 عامًا أن تحسن جودة الهواء في مدينة نيويورك تزامن مع تحسن ملحوظ في التطور الإدراكي للأطفال، بعدما انخفض تعرض النساء الحوامل لملوثات الهواء خلال الفترة نفسها.
وأظهرت النتائج أن الأطفال في أحدث مجموعة دراسية سجلوا زيادة بنسبة 26% في درجات القدرات الإدراكية عند عمر 3 سنوات مقارنة بالأطفال في المجموعة الأقدم، بالتزامن مع انخفاض كبير في مستويات ملوثات الهواء التي تعرضت لها أمهاتهم أثناء الحمل.
وتقدم الدراسة، التي قادها باحثون من كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا، أدلة جديدة على أن السياسات الرامية إلى تحسين جودة الهواء وخفض انبعاثات الوقود الأحفوري يمكن أن تمتد فوائدها إلى تطور أدمغة الأطفال قبل ولادتهم.
ونُشرت الدراسة في دورية Environmental Health.

20 عامًا من متابعة الأمهات والأطفال
اعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 1000 زوج من الأمهات والأطفال شاركوا في دراسات طويلة الأجل أجراها مركز كولومبيا لصحة الأطفال البيئية بين عامي 1998 و2020.
وجرى اختيار المشاركين من مناطق شمال مانهاتن وبرونكس الجنوبية، وهي مجتمعات عانت تاريخيًا من مستويات مرتفعة وغير متناسبة من تلوث الهواء.
وتتبعت الدراسة ثلاث مجموعات متعاقبة من الأمهات والأطفال، مع قياس تعرض الأمهات أثناء الحمل لثلاثة أنواع رئيسية من ملوثات الهواء، هي:
- الجسيمات الدقيقة PM2.5.
- ثاني أكسيد النيتروجين NO₂.
- الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات PAHs.
وتوافرت بيانات الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين للمجموعتين الأوليين خلال الفترة من 1998 إلى 2016، بينما جرى تتبع التعرض للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات عبر المجموعات الثلاث حتى عام 2020.

تراجع كبير في مستويات تلوث الهواء
أظهرت البيانات انخفاضًا مستمرًا في تعرض النساء الحوامل لملوثات الهواء خلال فترة الدراسة.
وبين عامي 1998 و2016، انخفض متوسط التركيز السنوي للجسيمات الدقيقة PM2.5 بنسبة 32% في المناطق التي كانت تقيم فيها المشاركات، بينما تراجعت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 30%.
أما تركيزات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، التي قيس التعرض لها من خلال أجهزة مراقبة شخصية ارتدتها النساء، فانخفضت بنسبة وصلت إلى 60% بين عامي 1998 و2020.
وربط الباحثون هذه التحسينات بمجموعة من السياسات البيئية التي طبقتها مدينة نيويورك، من بينها برامج تستهدف خفض الانبعاثات الناتجة عن الحافلات وسيارات الأجرة وأنظمة تدفئة المباني واستهلاك الطاقة في المباني الكبرى.
ومن أبرز هذه الإجراءات برنامج الوقود النظيف للحافلات، وتشريعات سيارات الأجرة النظيفة، وبرنامج التدفئة النظيفة، وقانون تعبئة المناخ.
تحسن القدرات الإدراكية مع انخفاض التلوث
وجد الباحثون ارتباطًا واضحًا بين تحسن جودة الهواء وارتفاع درجات التطور الإدراكي لدى الأطفال.
وبمقارنة الأطفال في المجموعة الأقدم مع أطفال أحدث مجموعة، ارتفعت درجات القدرات الإدراكية عند عمر 3 سنوات بنسبة 26%، بالتزامن مع انخفاض مستويات ملوثات الهواء خلال الفترة نفسها.
ولم يختفِ هذا الارتباط بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار عددًا من العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر في التطور الإدراكي للأطفال، بما في ذلك مستوى تعليم الأم، وجنس الطفل، وعمر الحمل، ووجود شخص مدخن في المنزل.
وبحسب النتائج، ارتفعت درجات مؤشر التطور العقلي MDI بصورة ملحوظة مع تحسن جودة الهواء، حتى بعد ضبط هذه العوامل.

لماذا يمثل الحمل مرحلة حساسة للدماغ؟
تدعم النتائج أبحاثًا سابقة أجراها مركز كولومبيا لصحة الأطفال البيئية، والتي وجدت ارتباطات مهمة بين التعرض للجسيمات الدقيقة أثناء الحمل والتغيرات في بنية دماغ الأطفال ووظائفه.
كما ربطت تلك الأبحاث التعرض لتلوث الهواء أثناء الحمل بنتائج إدراكية سلبية لدى الأطفال الصغار.
ويرجح الباحثون وجود عدد من الآليات البيولوجية التي يمكن أن تفسر هذه العلاقة، من بينها الالتهابات العصبية، والإجهاد التأكسدي، والتأثير في المرونة التشابكية أو بنية الدماغ خلال مراحل التطور المبكرة.
وتكتسب فترة الحمل أهمية خاصة لأن هذه التأثيرات قد تحدث بصورة تدريجية وغير ملحوظة، قبل ظهور أي أعراض واضحة لدى الطفل بسنوات.
ولهذا فإن الدراسات طويلة الأجل التي تتابع الأمهات والأطفال عبر أجيال متعاقبة توفر فرصة أفضل لفهم العلاقة بين الظروف البيئية أثناء الحمل والتطور اللاحق للطفل.
سياسات خفض الانبعاثات قد تكون استثمارًا في صحة الأطفال
ترى فريدريكا بيريرا، الباحثة الخاصة وأستاذة علوم الصحة البيئية الفخرية في كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا، أن نتائج الدراسة تقدم دليلًا جديدًا على فوائد السياسات التي تستهدف خفض انبعاثات الوقود الأحفوري.
وتبرز أهمية الدراسة في أنها لم تعتمد على لقطة زمنية واحدة، وإنما تابعت ثلاث مجموعات متعاقبة على مدار عقدين، بالتزامن مع دخول سياسات مكافحة تلوث الهواء وتغير المناخ حيز التنفيذ.
وبذلك أمكن للباحثين مقارنة التغيرات في جودة الهواء مع التغيرات في نتائج التطور الإدراكي للأطفال على مدار فترة زمنية طويلة.

المجتمعات الأكثر تعرضًا للتلوث قد تستفيد أكثر
تحمل الدراسة أهمية خاصة بالنسبة إلى المجتمعات التي تتحمل نصيبًا أكبر من أعباء التلوث.
فمعظم الأسر المشاركة في الدراسة كانت من العائلات اللاتينية والأمريكية من أصول إفريقية المقيمة في شمال مانهاتن وبرونكس الجنوبية، وهما منطقتان عانتا تاريخيًا من مستويات مرتفعة من تلوث الهواء.
وتشير النتائج إلى أن تحسين جودة الهواء في المناطق التي تتعرض للتلوث بصورة غير متناسبة يمكن أن يحقق فوائد صحية تتجاوز الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، لتصل إلى النمو العصبي والإدراكي للأطفال.
كما يمكن أن تكون لهذه النتائج أهمية خارج نيويورك، خاصة أن مدنًا أمريكية كبرى أخرى تضم تجمعات سكانية مشابهة وتعاني بدورها من تفاوتات في التعرض لتلوث الهواء.

رسالة مهمة لصناع السياسات
تكشف الدراسة أن فوائد مكافحة تلوث الهواء قد تبدأ في الظهور قبل أن يولد الطفل، ما يضيف بعدًا جديدًا للنقاش حول سياسات جودة الهواء والمناخ.
فخفض الانبعاثات من وسائل النقل والمباني ومصادر الطاقة لا يعني فقط تقليل الضباب الدخاني وتحسين الهواء الذي يتنفسه السكان، وإنما قد يرتبط أيضًا ببيئة أكثر ملاءمة لتطور أدمغة الأطفال خلال أكثر مراحل نموهم حساسية.
وتشير النتائج، في مجملها، إلى أن الاستثمار في الهواء النظيف قد يكون استثمارًا في صحة الأجيال المقبلة أيضًا، خصوصًا عندما تبدأ جهود الحد من التلوث خلال فترة الحمل وتستمر طوال السنوات الأولى من حياة الطفل.





