حرائق الغابات تصعد إلى السماء.. عواصف نارية تقذف الدخان 13 كيلومترًا فوق الأرض
دخان الحرائق قد يدور حول الأرض لأشهر أو سنوات.. العلماء يكشفون السر
لم تعد حرائق الغابات مجرد مصدر للدخان والرماد على سطح الأرض، إذ يمكن لبعض الحرائق شديدة القوة أن تصنع عواصف رعدية خاصة بها تقذف الدخان والجسيمات إلى طبقة الستراتوسفير، على ارتفاع يصل إلى نحو 13 كيلومترًا فوق سطح الأرض، لتفتح أمام هذه المواد طريقًا للانتشار لمسافات هائلة حول الكوكب والبقاء في الغلاف الجوي لأشهر أو حتى سنوات.
وتُعرف هذه الظاهرة باسم السحب الركامية البركانية الحرارية «Pyrocumulonimbus» أو PyroCb، وهي عواصف تتكون عندما تطلق الحرائق شديدة الحرارة تيارات هوائية صاعدة بقوة، تحمل الدخان إلى ارتفاعات شاهقة وتبني سحبًا رعدية ضخمة مشبعة بالجسيمات الناتجة عن الاحتراق.
وتشير تقديرات العلماء إلى أن حرائق الغابات قد تكون مسؤولة عن ما يصل إلى 25% من الكربون الأسود والهباءات العضوية الموجودة في طبقة الستراتوسفير السفلى.
والأكثر إثارة أن كمية المواد التي تحملها هذه العواصف إلى أعلى الغلاف الجوي خلال موسم حرائق كامل قد تقترب من كمية الجسيمات التي تطلقها الثورات البركانية الكبرى.
كيف تحول النار إلى عاصفة رعدية؟
تبدأ العملية بحرارة هائلة تنتجها النيران، فعندما يشتد الحريق، يسخن الهواء المحيط به بشدة، فيرتفع بسرعة إلى أعلى، حاملًا معه الدخان والرطوبة والجسيمات الدقيقة.
وإذا كانت الظروف الجوية مناسبة، يمكن لهذه الحركة الصاعدة أن تتطور إلى سحابة رعدية ضخمة مشبعة بالدخان، تعرف باسم PyroCb.
ولا تقتصر هذه السحب على حمل الدخان، إذ يمكن أن تنتج البرق والبرد والأمطار الغزيرة، ما يجعلها ظاهرة جوية معقدة قد تؤثر أيضًا في تطور الحريق نفسه.
والخطير أن بعض هذه العواصف تكون قوية بما يكفي لاختراق طبقة التروبوسفير والوصول إلى الستراتوسفير.

مهمة ناسا لمراقبة العواصف النارية
يحاول العلماء حاليًا فهم هذه الظاهرة بصورة أكثر دقة من خلال مهمة تابعة لوكالة ناسا تحمل اسم INSPYRE، وهو اختصار لتجربة «حقن الدخان والسحب الركامية البركانية الحرارية».
ويستخدم الباحثون طائرات وأجهزة أرضية لمتابعة هذه العواصف، ومن بينها طائرة ER-2 التابعة لناسا وطائرة Gulfstream V التابعة للمؤسسة الوطنية للعلوم ومركز الأبحاث الوطني للغلاف الجوي.
ويهدف البرنامج إلى فهم الظروف التي تسمح لبعض حرائق الغابات بإطلاق الدخان إلى الارتفاعات العليا، وتحسين القدرة على التنبؤ بتشكل هذه السحب.
حريق في ولاية يوتا يتحول إلى مختبر طبيعي
حصل الباحثون على إحدى الفرص المبكرة لدراسة الظاهرة من خلال حريق Widemouth 2 في ولاية يوتا الأمريكية.
وأشعل البرق الحريق في 27 يوليو 2026، لكنه ظل محدود الحجم نسبيًا لعدة أيام.
لكن الوضع تغير في 2 أغسطس، عندما ساعدت الأجواء الحارة والجافة والرياح القوية على زيادة مساحة الحريق إلى أكثر من الضعف، وبدأت سحب الحمل الحراري القوية في الارتفاع فوق النيران.
ورصد القمر الصناعي Aqua التابع لناسا انفجارين من سحب PyroCb خلال فترة بعد الظهر.
وسجل جهاز MODIS الموجود على القمر الصناعي درجات حرارة لقمم السحب أقل بكثير من 40 درجة فهرنهايت تحت الصفر، وهو ما يشير إلى أن السحب وصلت إلى قمة التروبوسفير وربما اخترقت الستراتوسفير.
وقال مايكل فروم، العالم في المختبر البحثي التابع للبحرية الأمريكية، إن البيانات كشفت عن نبضتين منفصلتين من نشاط PyroCb.
عاصفة نارية ظهرت قبل شروق الشمس
المثير أن النشاط لم يبدأ بعد الظهر، فقد أدى الحريق نفسه إلى إنتاج سحابة PyroCb أخرى قبل شروق الشمس، ورصدها القمر الصناعي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية GOES-West.
وتعد السحب النارية الصباحية أكثر غرابة؛ لأنها لا تستفيد من التسخين الشمسي خلال النهار، وهو عامل مهم في تغذية التيارات الهوائية الصاعدة.
لكن الباحثين وجدوا أن الغلاف الجوي كان يتمتع بدرجة كافية من عدم الاستقرار والرطوبة سمحت بتشكل العاصفة رغم غياب التسخين النهاري.
وتزيد هذه الظاهرة من صعوبة التنبؤ بتطور الحرائق، خاصة عندما تتشكل عدة سحب PyroCb من الحريق نفسه خلال ساعات قليلة.
وقال ديفيد بيترسون، الباحث الرئيسي في مهمة INSPYRE، إن تقليل هذا النوع من عدم اليقين يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت العلماء إلى دراسة هذه الظاهرة.

طائرة تدخل قلب الدخان على ارتفاع 13 كيلومترًا
في اليوم التالي، حصل الباحثون على فرصة نادرة لفحص عمود الدخان من داخله.
وكانت طائرة Gulfstream V في ولاية كولورادو عندما اشتد حريق Widemouth 2.
وفي 3 أغسطس، توجهت الطائرة نحو الدخان المرتفع بينما كانت الرياح تحمله فوق ولاية نيو مكسيكو.
وأخذت الأجهزة الموجودة على متن الطائرة عينات من عمود الدخان على ارتفاع يقارب 8 أميال، أو نحو 13 كيلومترًا، فوق سطح الأرض.
ويكتسب هذا القياس أهمية خاصة؛ لأن هذه الارتفاعات لا تدخل عادة بصورة كافية في نماذج التنبؤ التقليدية بالدخان.
كما التقط أحد العلماء على متن الطائرة صورًا لسحابة ركامية حرارية تصاعدت فوق الحريق، تعرف باسم PyroCu.
وهذه السحب أقل قوة من PyroCb، لكنها يمكن أن تمثل مرحلة تمهيدية لتطور العاصفة النارية الأكثر قوة.
ليست ظاهرة أمريكية فقط
تشير تقديرات الباحثين إلى أن حرائق الغابات تنتج نحو 70 عاصفة PyroCb سنويًا حول العالم.
وتتكون العديد منها فوق الغابات الكثيفة في كندا وروسيا، لكنها يمكن أن تظهر أيضًا فوق الأراضي العشبية والسافانا في الولايات المتحدة وأستراليا.
وفي الولايات المتحدة القارية وحدها، جرى التعرف على 13 حالة على الأقل خلال عام 2026 حتى وقت إعداد الدراسة.
ومنذ بدء العلماء في توثيق هذه الظاهرة بصورة منهجية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، جرى تسجيل أكثر من 700 حالة.
عندما يتحول دخان الحريق إلى مشكلة عالمية
غيّرت هذه الظاهرة الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى دخان حرائق الغابات، فالدخان الناتج عن الحريق لا يظل بالضرورة بالقرب من سطح الأرض، كما أنه لا يختفي دائمًا من الطبقات السفلى للغلاف الجوي خلال أيام.
فعندما تصل المواد إلى الستراتوسفير، وهي طبقة أكثر جفافًا، يمكن للجسيمات أن تبقى لفترات أطول وتنتقل لمسافات هائلة.
وبذلك يمكن لحريق محلي أن يترك أثرًا جويًا يمتد إلى مناطق بعيدة جدًا عن موقع اشتعاله.
وهنا تتحول حرائق الغابات من مشكلة محلية مرتبطة بجودة الهواء والصحة العامة إلى ظاهرة يمكن أن تكون لها تداعيات على نطاق إقليمي أو عالمي.

خطر محتمل على طبقة الأوزون والمناخ
يثير وصول دخان الحرائق إلى الستراتوسفير اهتمام العلماء بصورة خاصة؛ لأن الجسيمات الموجودة هناك يمكن أن تتفاعل مع العمليات الكيميائية والإشعاعية في الغلاف الجوي.
وقد تكون لهذه المواد تأثيرات محتملة على طبقة الأوزون وميزانية الطاقة للأرض، أي الطريقة التي يستقبل بها الكوكب الطاقة الشمسية ويفقد الطاقة إلى الفضاء.
كما أن الكربون الأسود والهباءات العضوية يمكن أن تؤثر في خصائص الغلاف الجوي وفي كيفية امتصاص الإشعاع أو عكسه.
لكن تحديد التأثير النهائي لهذه العواصف على المناخ والغلاف الجوي يتطلب مزيدًا من القياسات والدراسات.
لماذا يصعب التنبؤ بها؟
رغم أكثر من عقدين من دراسة ظاهرة PyroCb، لا يزال العلماء غير قادرين على تفسير سبب تحول حريق معين إلى عاصفة نارية من هذا النوع، بينما لا ينتج حريق آخر الظاهرة نفسها.
ويبحث العلماء حاليًا في عدد من الأسئلة، من بينها:
• ما أنواع النباتات التي تساعد على تشكل هذه العواصف؟
• ما الظروف الجوية الدقيقة التي تسمح للحريق باختراق التروبوسفير؟
• لماذا تنتج بعض العواصف النارية كميات أكبر بكثير من البرق؟
• ما كمية الدخان التي تصل فعليًا إلى الستراتوسفير؟
• كم من الوقت تبقى هذه الجسيمات هناك قبل أن تعود إلى الطبقات السفلى؟
وتمثل الإجابة عن هذه الأسئلة خطوة مهمة لتحسين التنبؤ بتطور حرائق الغابات، ليس فقط لحماية فرق الإطفاء والسكان، وإنما أيضًا لفهم تأثير الحرائق على الغلاف الجوي والمناخ.

حرائق قد تتحول إلى «براكين» جوية
تكشف ظاهرة PyroCb عن جانب غير متوقع من حرائق الغابات؛ فالنار لا تكتفي باستهلاك الغطاء النباتي وإطلاق الدخان قرب سطح الأرض، وإنما يمكنها في ظروف معينة توليد نظام جوي عنيف قادر على حمل منتجات الاحتراق إلى طبقات قريبة من حدود الفضاء.
ولهذا يحذر الباحثون من أن هذه العواصف قد تظل مصدرًا للمفاجآت، سواء بسبب تأثيراتها الخطرة بالقرب من سطح الأرض أو بسبب آثارها طويلة الأمد في طبقة التروبوسفير العليا والستراتوسفير السفلى.





