مفارقة مائية خطيرة.. 21% من مياه العالم العذبة لا يتجدد منها سوى أقل من 1% سنويًا
أكبر مخزون للمياه العذبة في العالم ليس متجددًا.. 40 مليون شخص أمام تحدٍ متصاعد
تمثل البحيرات العظمى الخمس في أمريكا الشمالية، سوبيريور وميشيغان وهورون وإيري وأونتاريو، واحدة من أكبر مخزونات المياه العذبة على سطح الأرض، إذ تحتوي مجتمعة على نحو 21% من إجمالي المياه العذبة السطحية في العالم.
لكن المفارقة أن ضخامة هذا المخزون لا تعني أنه يتجدد بصورة مستمرة؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الأمطار وذوبان الثلوج والجريان السطحي والمياه الجوفية لا تعوض سوى أقل من 1% من حجم مياه البحيرات سنويًا.
وهذا المعدل الضئيل من التجدد هو الذي يجعل البحيرات العظمى، من منظور زمني بشري، أقرب إلى مورد مائي غير متجدد، رغم كميات المياه الهائلة التي تحتوي عليها.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Journal of the American Water Resources Association (JAWRA).
إرث تركته العصور الجليدية

تشكلت أحواض البحيرات العظمى بفعل الصفائح الجليدية التي نحتت الصخور في وسط أمريكا الشمالية خلال العصور الجليدية المتعاقبة.
ومع انحسار الجليد باتجاه الشمال قبل نحو 10 آلاف عام، امتلأت الأحواض بمياه ذوبان الجليد، لتتشكل منظومة مائية ضخمة تضم اليوم نحو 5400 ميل مكعب، أو ما يعادل قرابة 22.7 ألف كيلومتر مكعب من المياه.
وتغطي البحيرات الخمس مساحة تتجاوز 94 ألف ميل مربع، أي نحو 243 ألف كيلومتر مربع، وتمتد سواحلها لنحو 14.5 ألف كيلومتر، وتشترك فيها 8 ولايات أمريكية ومقاطعة كندية واحدة، إلى جانب عشرات القبائل والأمم الأولى.
ويعادل حجم المياه الموجود في البحيرات نحو 6 كوادريليونات جالون، وهي كمية هائلة إلى درجة أنه لو جرى توزيعها بالتساوي على الولايات الأمريكية المتجاورة الـ48، لغطتها بطبقة من المياه يصل متوسط عمقها إلى نحو 3 أمتار.
وتعد بحيرة سوبيريور الأكبر بين البحيرات العظمى من حيث المساحة السطحية، كما يبلغ متوسط عمقها نحو 150 مترًا.
ولا تتفوق عليها من حيث كمية المياه العذبة الموجودة في بحيرة واحدة سوى بحيرة بايكال الروسية، التي تتميز بعمق أكبر ومساحة سطحية أصغر.
ووفق بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية، تمثل البحيرات العظمى نحو 84% من المياه العذبة السطحية في أمريكا الشمالية، ونحو 95% من إمدادات المياه العذبة السطحية في الولايات المتحدة.
لماذا تعد البحيرات العظمى غير متجددة؟

قد يبدو وجود الأمطار والثلوج والأنهار والمياه الجوفية كافيًا للحفاظ على مخزون البحيرات، لكن الحسابات المائية تكشف صورة مختلفة.
فمجموع المياه التي تدخل النظام سنويًا من الأمطار وذوبان الثلوج والجريان السطحي والمياه الجوفية لا يتجاوز 1% تقريبًا من إجمالي حجم المياه.
وفي الوقت نفسه، تخرج كميات من المياه عبر نهر سانت لورانس، الذي يمثل الممر الرئيسي لتصريف مياه البحيرات باتجاه المحيط الأطلسي.
وبالتالي، فإن دورة المياه في البحيرات العظمى بطيئة للغاية مقارنة بحجم المخزون، ما يجعلها من منظور إدارة الموارد المائية موردًا شبه غير متجدد على المدى الزمني البشري.
وتكمن المشكلة في أن المياه التي تغادر الحوض لا تعود إليه بسهولة، بينما يحتاج المخزون الهائل الموجود داخله إلى فترات طويلة للغاية لتعويض الفاقد.
التلوث يبقى لفترات طويلة

بطء تجدد المياه لا يمثل مشكلة في الكمية فقط، بل يجعل التلوث أكثر خطورة أيضًا.
فعندما تصل المواد الكيميائية أو الملوثات إلى البحيرات، لا يتم التخلص منها بسرعة كما يحدث في الأنظمة المائية ذات التدفق السريع إلى المحيطات.
وتسهم الأنشطة الصناعية ومحطات الطاقة والزراعة والمرافق البلدية في الضغط على النظام المائي.
وتُسحب من الحوض كميات تقدر بنحو 44 مليار جالون من المياه يوميًا، ويعود الجزء الأكبر منها إلى النظام، بينما يفقد جزء آخر نتيجة التبخر والاستخدامات الصناعية وتحويل المياه إلى خارج الحوض.
ومع انخفاض معدل التجدد الطبيعي، يمكن أن تتراكم آثار بعض الملوثات على مدى عقود، ما يجعل حماية المياه الموجودة أكثر أهمية من الاعتماد على قدرتها المحدودة على التجدد.
تراجع الجليد يغير ملامح البحيرات

لا تقتصر التغيرات التي تواجه البحيرات العظمى على جودة المياه أو معدلات السحب، إذ يشهد الغطاء الجليدي الشتوي تراجعًا واضحًا أيضًا.
ومنذ بدء المراقبة بالأقمار الصناعية عام 1973، بلغ متوسط أقصى تغطية جليدية موسمية نحو 53% من مساحة البحيرات.
لكن سجلات مختبر أبحاث البيئة في البحيرات العظمى التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية تشير إلى تراجع أقصى تغطية جليدية بنحو 5% كل عقد.
وسجل شتاء 2024 مستوى قياسيًا منخفضًا، إذ لم يتجاوز متوسط الغطاء الجليدي خلال الموسم نحو 4% من مساحة البحيرات.
ولا يمثل اختفاء الجليد مجرد تغير في المشهد الطبيعي، بل يحمل آثارًا على دورة المياه والأنظمة البيئية.
فعندما تبقى مساحات أكبر من المياه مكشوفة خلال يناير وفبراير، يزداد التبخر، وهو ما يمكن أن يسهم في انخفاض مستويات المياه، كما يوفر المياه المفتوحة مصدرًا أكبر للرطوبة التي تغذي الثلوج الكثيفة المرتبطة بالبحيرات في المناطق الواقعة باتجاه الرياح.
الأسماك تتأثر باختفاء الغطاء الجليدي

يمثل الجليد الشتوي أيضًا عنصرًا مهمًا في النظام البيئي للبحيرات.
وتحتاج أسماك السمك الأبيض في البحيرات العظمى إلى ظروف شتوية مناسبة، إذ يساعد الغطاء الجليدي على حماية البيض من العواصف والتيارات القوية.
ويرتبط انخفاض الغطاء الجليدي بتغيرات في أعداد هذه الأسماك، خاصة في الأجزاء الشمالية من النظام المائي.
كما أن ارتفاع درجات حرارة المياه يؤدي إلى تغير توقيت تشكل الطبقات الحرارية داخل البحيرات، إذ تبدأ عملية التقسيم الحراري في وقت أبكر خلال الربيع وتستمر لفترة أطول خلال الخريف.
وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض مستويات الأكسجين في المياه العميقة، وتقليص المساحات المناسبة للأسماك التي تحتاج إلى مياه باردة وغنية بالأكسجين.
المناخ يضيف ضغطًا جديدًا
ارتفعت درجات حرارة الهواء في منطقة البحيرات العظمى بنحو 1.7 درجة مئوية منذ عام 1951، بينما زادت كميات الهطول بنحو 15% خلال الفترة نفسها.
وخلال الفترة من 2017 إلى 2024، كانت درجات الحرارة أعلى بنحو 0.6 درجة مئوية مقارنة بمتوسط العقود الأربعة السابقة.
كما أصبحت أيام الهطول الغزير، التي تشهد سقوط ما لا يقل عن 5 سنتيمترات من الأمطار أو الثلوج، أكثر شيوعًا بنحو 6%.
وفي عام 2025، أفاد باحثون من جامعة ميشيجان بأن شدة موجات الحر والبرد التي تضرب البحيرات تضاعفت أكثر من مرتين بعد تحول شهدته المنطقة في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وتعد بحيرة سوبيريور الأسرع ارتفاعًا في درجة الحرارة بين البحيرات الخمس.
التلوث الزراعي يهدد بحيرة إيري
يعد تلوث المياه بالمغذيات أحد أبرز التحديات التي تواجه البحيرات العظمى، خصوصًا بحيرة إيري.
فعندما تتسرب كميات كبيرة من الفوسفور من الأراضي الزراعية إلى المياه، فإنها توفر الغذاء اللازم لتكاثر الطحالب والبكتيريا الزرقاء بصورة واسعة خلال فصل الصيف.
وقد أدت إحدى هذه الظواهر إلى توقف إمدادات مياه الشرب لنحو 500 ألف شخص في مدينة توليدو بولاية أوهايو والمناطق المحيطة بها في أغسطس 2014، بعد اكتشاف سموم مرتبطة بالطحالب في مياه الشرب.
وتوضح هذه الواقعة مدى سرعة انتقال مشكلة بيئية داخل البحيرات إلى أزمة مباشرة تمس صحة السكان وإمدادات المياه.
عشرات الأنواع الغازية تغير النظام البيئي
تواجه البحيرات العظمى أيضًا تهديدًا من الأنواع المائية غير المحلية، وقد استقرت في النظام نحو 190 نوعًا مائيًا غير أصلي، بعضها تسبب في تغيرات عميقة داخل الشبكة الغذائية.
وكانت الجلكيات البحرية من أخطر الأنواع الغازية في منتصف القرن العشرين، إذ ساهمت في انهيار مصايد سمك السلمون المرقط في البحيرات.
وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وصلت بلح البحر المخطط وبلح البحر الرباعي، على الأرجح عبر مياه الصابورة للسفن، وأحدثت تغيرات واسعة في تدفق المغذيات والشبكة الغذائية داخل البحيرات.
40 مليون شخص يعتمدون عليها
تكمن أهمية البحيرات العظمى في أنها ليست مجرد نظام بيئي ضخم، وإنما مصدر مباشر للمياه التي يعتمد عليها نحو 40 مليون شخص في الولايات المتحدة وكندا.
وتسحب المدن والمجتمعات المياه من البحيرات عبر أنابيب ومآخذ موزعة على امتداد الحوض، ما يعني أن أي تغير في جودة المياه يمكن أن يتحول إلى مشكلة تتعلق بمياه الشرب لملايين السكان.
ولهذا السبب، لا ينظر إلى مياه البحيرات باعتبارها مخزونًا لا ينفد لمجرد أنها تمثل 21% من المياه العذبة السطحية على كوكب الأرض.
فالمعيار الأكثر أهمية هو معدل التجدد، وليس حجم المخزون وحده.
قيود لحماية آخر مخزون كبير
تخضع البحيرات العظمى لمراقبة مشتركة بين الولايات المتحدة وكندا في إطار اتفاقية جودة مياه البحيرات العظمى، التي تنظم جهود الحد من التلوث وحماية النظام البيئي منذ عام 1972.
وفي عام 2008، أضيفت طبقة أخرى من الحماية من خلال «ميثاق البحيرات العظمى»، الذي يفرض قيودًا على نقل معظم المياه خارج حدود الحوض.
وجاءت هذه الإجراءات في سياق مخاوف طويلة الأمد من تحويل المياه إلى مناطق خارج الحوض، خصوصًا بعد اقتراح عام 1998 لشحن مياه بحيرة سوبيريور إلى آسيا بواسطة ناقلات.
وتزداد أهمية هذه القيود مع تزايد الضغوط على الموارد المائية في مناطق أخرى من العالم، بما فيها انخفاض مستويات المياه الجوفية في أجزاء واسعة من غرب الولايات المتحدة وتغير دورة المياه العذبة العالمية.
مخزون هائل لكنه ليس بلا حدود
تكشف البحيرات العظمى مفارقة مائية لافتة: فهي تحتوي على نحو 21% من المياه العذبة السطحية في العالم، لكنها لا تستعيد سنويًا سوى أقل من 1% من هذا المخزون.
وهذا يعني أن التعامل معها باعتبارها مصدرًا «لا ينفد» للمياه يمكن أن يكون مضللًا.
فالمياه الموجودة فيها تشكل إرثًا جيولوجيًا خلفته العصور الجليدية، بينما تستغرق عملية استبدالها وتجديدها وقتًا طويلًا للغاية مقارنة بمعدل الاستهلاك البشري.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الجليد، وتغير أنماط هطول الأمطار، وزيادة مخاطر التلوث والأنواع الغازية، تصبح حماية المياه الموجودة بالفعل أكثر أهمية.
وفي النهاية، لا تحدد كمية المياه الضخمة الموجودة في البحيرات العظمى وحدها قدرتها على تلبية احتياجات السكان، بل يحددها معدل التجدد البطيء، وهو أقل من 1% سنويًا، ما يجعل كل قطرة من هذا المخزون الطبيعي العملاق ذات قيمة تتجاوز بكثير حجمها الظاهر.





