ما الذي يشعل الزلازل؟.. حركة الصفائح والمياه والحقن البشري تحدد لحظة الانفجار
من المياه الجوفية إلى آبار النفط.. قوى خفية قد تحدد موعد الزلزال
لا يبدأ الزلزال في اللحظة التي تهتز فيها الأرض، وإنما يسبقه تراكم بطيء للإجهاد داخل الصخور على مدى عقود أو قرون، قبل أن تأتي قوة إضافية صغيرة في بعض الحالات لتدفع الصدع الذي أصبح على حافة الانهيار إلى الحركة.
وتكشف مجموعة من الدراسات الحديثة صورة أكثر تعقيدًا للقوى التي تتحكم في الزلازل، إذ تلعب حركة الصفائح التكتونية، ودورات المياه الجوفية، والزلازل السابقة، وحقن السوائل في باطن الأرض أدوارًا مختلفة في تحديد توقيت الانهيار.
وفي المقابل، لم تجد دراسة النشاط الزلزالي في كاليفورنيا دليلًا ذا أهمية على أن المد والجزر الناجم عن القمر يطلق الزلازل بصورة منتظمة.
قرون من الضغط.. وثوانٍ من الانزلاق
تتولى الصفائح التكتونية المهمة الأكبر في تحميل الصدوع بالإجهاد، فعلى طول الحدود بين صفيحتي المحيط الهادئ وأمريكا الشمالية، تتحرك القشرة الأرضية بمعدل بضعة سنتيمترات سنويًا، لكن بعض أجزاء الصدوع تكون مقفلة ولا تتحرك بسهولة.
ومع استمرار حركة الصفائح، يتراكم الإجهاد في الصخور إلى أن يصل الصدع إلى حالة حرجة.
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة هاواي في مانوا، جرى نمذجة تاريخ يمتد إلى ألف عام لصدعي سان أندرياس وسان جاسينتو في جنوب كاليفورنيا.
وأظهرت الدراسة المنشورة في يونيو 2026 أن الإجهاد المتراكم في عدة قطاعات من الصدعين وصل إلى مستويات تساوي أو تتجاوز أي مستويات ظهرت في المحاكاة على مدى ألف عام.
ووصف الباحثون نظام الصدوع بأنه في حالة تحميل حرجة، كما لفتوا إلى منطقة ممر كاجون، الواقعة على بعد نحو 97 كيلومترًا شمال شرق وسط لوس أنجلوس، باعتبارها منطقة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تحديد ما إذا كان التمزق الزلزالي سيتوقف أم ينتقل إلى صدع مجاور.
لكن تراكم الإجهاد لا يخبر العلماء متى سيحدث الزلزال؛ فهو يوضح فقط أن الصدع أصبح جاهزًا للانهيار.
وينطبق الأمر نفسه على منطقة الاندساس في كاسكاديا، حيث تنزلق صفيحة خوان دي فوكا أسفل صفيحة أمريكا الشمالية بمعدل يقارب عرض ظفر اليد سنويًا.

عندما يشعل زلزال زلزالًا آخر
لا ينتهي تأثير الزلزال بمجرد توقف الاهتزاز، فعندما ينزلق الصدع، يعيد توزيع الإجهاد في الصخور المحيطة به، فتقترب بعض المناطق من الانهيار بينما تتعرض مناطق أخرى لتخفيف الإجهاد.
ويساعد هذا التغير في تفسير جزء كبير من نمط الهزات الارتدادية التي تتبع الزلازل الكبرى.
لكن التأثير يمكن أن يصل إلى مسافات أبعد بكثير، فعندما يضرب زلزال كبير، تنتقل الموجات الزلزالية عبر القشرة الأرضية، ويمكن أن تؤدي هذه الموجات إلى إطلاق زلازل صغيرة في مناطق بعيدة جدًا، ويُعرف هذا الأمر باسم التحفيز الديناميكي للزلازل.
زلزال ميانمار مثال واضح
بعد الزلزال الذي بلغت قوته 7.7 درجة وضرب ميانمار في 28 مارس 2025، حسب باحثون صينيون أن التمزق أضاف ما يصل إلى 3 كيلوباسكال من الإجهاد إلى خمسة قطاعات من الصدوع في جنوب غرب مقاطعة يونان الصينية.
وقد يبدو هذا الرقم ضئيلًا مقارنة بالضغط الجوي الذي يبلغ نحو 100 كيلوباسكال، لكن بالنسبة إلى صدع موجود أصلًا على حافة الانهيار، يمكن لزيادة صغيرة في الإجهاد أن تكون كافية لإطلاق الحركة.
كما ارتفع النشاط الزلزالي الدقيق قرب الحدود التايلاندية وفي المناطق الحرارية الأرضية بجنوب الصين بعد الزلزال، حتى في مناطق كان التغير الساكن في الإجهاد فيها سلبيًا قليلًا.
وهنا يظهر الفرق بين تغير الإجهاد الساكن الناتج عن تغير وضع الصخور، والتأثير الديناميكي للموجات الزلزالية التي تمر عبر الأرض.

المياه الجوفية تضغط على القشرة
تلعب المياه دورًا آخر أكثر تعقيدًا، فالمياه الموجودة على سطح الأرض أو في باطنها تضيف وزنًا إلى القشرة الأرضية، ويمكن للتغيرات الموسمية في الثلوج والمياه الجوفية أن تؤثر في الضغط والإجهاد داخل الصخور.
وفي كاليفورنيا، يمكن أن يؤدي تغير مستويات المياه الجوفية والغطاء الثلجي إلى تحرك الأرض رأسيًا بنحو سنتيمتر واحد خلال العام.
وتتبع الباحثان كريتانون سيروراتاناكول وجان-فيليب أفواك من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا «كالتك» هذه الدورة وقارناها بسجلات الزلازل في الولاية.
ووجد الباحثون أن المناطق التي تشهد أكبر تغيرات في مستويات المياه الجوفية سجلت أيضًا أكبر تغيرات موسمية في النشاط الزلزالي.
وفي شمال كاليفورنيا، وصل التأثير إلى نحو 10%، لكن المفاجأة لم تكن في حجم التأثير فقط، بل في توقيته.
الزلازل تتأخر عن دورة المياه
لم يتزامن ارتفاع النشاط الزلزالي مع ذروة الإجهاد الناتج عن دورة المياه، بل جاء بعده بنحو نصف شهر.
ويشير هذا التأخر إلى أن الصدع لا ينكسر بمجرد وصول الإجهاد الجديد إليه، فالنماذج التي تفترض حدوث الانهيار فور تعرض الصدع للإجهاد بالغت بشدة في تقدير الاستجابة الزلزالية.
وفي المقابل، قدمت النماذج التي تتضمن تأخرًا مرتبطًا بالاحتكاك داخل الصدع تفسيرًا أفضل لحجم التأثير وتوقيته.
ويقول الباحثون إن هذه النتائج توفر فرصة جديدة لتحسين نماذج نشأة الزلازل، خصوصًا أن خصائص الاحتكاك داخل الصدوع لا يمكن قياسها بسهولة في أعماق الأرض.

لماذا لا يبدو أن القمر يطلق الزلازل؟
لطالما كان القمر أحد المشتبه بهم في تحفيز الزلازل، فالجاذبية القمرية تشوه الأرض الصلبة مرتين يوميًا تقريبًا، وتنتج إجهادات مد وجزر يمكن أن تكون في كاليفورنيا من الحجم نفسه تقريبًا الذي تسببه التغيرات الموسمية في المياه.
لكن عندما بحث العلماء عن هذه الإشارة في سجلات الزلازل، لم يجدوا دليلًا ذا أهمية على وجود نمط زلزالي يتكرر كل 12 ساعة.
والسبب المحتمل يتعلق بالديناميكا البطيئة للصدوع، فالتغير الناتج عن المد والجزر يستمر فترة قصيرة نسبيًا، ثم ينعكس الاتجاه، بينما تحتاج عملية بدء الانهيار داخل الصدع إلى وقت أطول.
وبالتالي، قد تتعادل تأثيرات الدفع والسحب المتعاقبة بدلًا من أن تتراكم بما يكفي لإطلاق الزلزال.
النشاط البشري قد يحرك الصدوع
لا تقتصر القوى المؤثرة في الصدوع على العمليات الطبيعية، فالنشاط البشري يمكن أن يغير الضغط داخل الصخور، خصوصًا من خلال حقن السوائل في باطن الأرض، وتقدم ولاية أوكلاهوما مثالًا بارزًا.
فبعد عام 2009، ارتفع عدد الزلازل التي تبلغ قوتها 3 درجات في الولاية من عدد محدود سنويًا إلى مئات الزلازل.
ولم يكن السبب الرئيسي هو عمليات الحفر نفسها، وإنما المياه المالحة التي تصعد إلى السطح مع استخراج النفط.
فمقابل كل برميل من النفط تقريبًا، كانت بعض المناطق تنتج نحو 10 جالونات من المياه المالحة.
وكانت هذه المياه تُعاد حقنها في تكوين أربكل العميق، ما أدى إلى زيادة ضغط السوائل على الصدوع الموجودة على أعماق عدة أميال.
وبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن التكسير الهيدروليكي نفسه مسؤول عن نحو 1 إلى 2% فقط من الزلازل المستحثة في أوكلاهوما، بينما ترتبط النسبة الأكبر بآبار التخلص من المياه، التي تعمل لفترات أطول وتتعامل مع كميات أكبر من السوائل.

خفض الحقن يقلل الزلازل.. لكن المشكلة تتحرك
دفعت زيادة النشاط الزلزالي السلطات إلى خفض كميات السوائل المحقونة وإغلاق بعض الآبار، فتراجعت معدلات الزلازل.
لكن الظاهرة لم تختفِ، وإنما ظهرت بصورة لافتة في مناطق أخرى، ففي حوض بيرميان بغرب تكساس وجنوب شرق نيو مكسيكو، وقعت ستة زلازل بلغت قوتها 5 درجات أو أكثر منذ عام 2020.
وهذا يوضح أن إدارة المخاطر الزلزالية المرتبطة بالنشاط الصناعي لا تعتمد فقط على مكان استخراج النفط والغاز، وإنما تشمل أيضًا طريقة التعامل مع السوائل الناتجة عن عمليات الاستخراج.
هل يمكن التنبؤ بالزلزال؟

رغم هذه التطورات، لا تقدم هذه النتائج طريقة لمعرفة اليوم أو الساعة التي سيضرب فيها زلزال كبير منطقة معينة.
ولا يزال التنبؤ الدقيق بالزلازل بالمعنى الشائع بعيدًا عن متناول العلماء.
لكن فهم القوى التي تتحكم في نشأة الزلزال يساعد في بناء نماذج أفضل لتقدير معدلات النشاط الزلزالي والاحتمالات والمخاطر على مدى سنوات.
وتوفر دراسة المياه الجوفية، على سبيل المثال، أداة لقياس استجابة الصدوع لتغيرات صغيرة في الإجهاد، ما يسمح للباحثين باستنتاج بعض خصائص الاحتكاك داخلها.
وقد ساعدت هذه النتائج في تحديد أحد المعايير الرئيسية للنموذج بين نحو 1 و10 كيلوباسكال.
وتدخل هذه الأرقام مباشرة في نماذج تقييم المخاطر الزلزالية.
استنزاف المياه الجوفية يدخل معادلة الزلازل
تربط النتائج بين قضية تبدو في ظاهرها بعيدة عن الزلازل وبين النشاط الزلزالي: استنزاف المياه الجوفية.
فانخفاض مخزونات المياه الجوفية في المناطق الزراعية والصناعية التي تعتمد بشدة على الضخ يمكن أن يعيد توزيع الأحمال والإجهادات في القشرة الأرضية.
وفي كاليفورنيا، يغير استنزاف المياه الجوفية بالفعل الأحمال الواقعة على القشرة في الوادي الأوسط والمناطق الأخرى التي تشهد ضخًا كثيفًا للمياه.
وتشير الدراسة إلى أن الصدوع يمكن أن تستجيب لهذه التغيرات.
الزلزال نتيجة تراكم طويل وليس حدثًا مفاجئًا
الصورة التي ترسمها هذه الأبحاث أكثر تعقيدًا من فكرة أن زلزالًا يحدث ببساطة عندما «تتحرك الصفائح».
فالصفائح التكتونية تبني الإجهاد على مدى قرون، بينما يمكن لتغيرات أصغر في المياه الجوفية أو إعادة توزيع الإجهاد بعد زلزال آخر أو حقن السوائل في باطن الأرض أن تساعد في تحديد لحظة الانهيار لصدع أصبح أصلًا قريبًا من حدوده.
أما القمر، فرغم قدرته على تشويه القشرة الأرضية، فلا تظهر في بيانات كاليفورنيا إشارة قوية إلى أنه يحدد توقيت الزلازل بصورة منتظمة.
وبذلك لا يزال العلماء عاجزين عن تحديد موعد الزلزال الكبير مسبقًا، لكنهم أصبحوا أقرب إلى فهم لماذا قد ينهار الصدع في لحظة معينة بعد أن ظل يتراكم داخله الإجهاد لمئات السنين.





