مياه نهر الكونغو في رحلة غامضة داخل الأطلسي.. دوامة عملاقة تكشف أسرار المحيط
المحيط يعيد توزيع مياه أفريقيا.. دوامة عملاقة تكشف قوة التيارات الخفية
كشفت دراسة علمية جديدة عن الدور المفاجئ للدوامات المحيطية العملاقة في نقل مياه نهر الكونغو بعيدًا عن الساحل الأفريقي، بعدما تمكن باحثون من تتبع دوامة استمرت 49 يومًا وحملت مياهًا منخفضة الملوحة لمسافة تقارب 124 ميلًا، أي نحو 200 كيلومتر، داخل المحيط الأطلسي.
ويصب نهر الكونغو نحو 10.6 مليون جالون من المياه العذبة في المحيط الأطلسي كل ثانية، لكن هذه المياه لا تنتشر دائمًا بصورة تدريجية في البحر المفتوح، إذ يمكن أن تلتقطها تيارات دوامية ضخمة وتدفعها لمسافات بعيدة عن مصب النهر.
وتقدم الدراسة، المنشورة في 10 يونيو 2026 في دورية Journal of Geophysical Research: Oceans، نظرة تفصيلية إلى كيفية مساهمة هذه الدوامات في إعادة توزيع المياه العذبة والمواد العضوية والعناصر الغذائية القادمة من نهر الكونغو داخل المحيط.

مياه الكونغو العذبة تمتلك نطاقًا واسعًا
تتميز المياه القادمة من نهر الكونغو بملوحتها المنخفضة مقارنة بمياه البحر، ولذلك تميل إلى الانتشار بالقرب من سطح المحيط في صورة طبقة رقيقة تشبه العدسة.
ويمكن أن يمتد هذا اللسان المائي منخفض الملوحة لمسافة تقترب من 500 ميل من مصب النهر، ما يؤثر في تركيب الطبقات العليا للمحيط، فضلًا عن حمله مواد عضوية وعناصر غذائية إلى المناطق الاستوائية من المحيط الأطلسي.
ولا يتحرك هذا اللسان المائي في اتجاه ثابت طوال العام، إذ تتداخل عدة عوامل في تحديد مساره، من بينها تصريف النهر والرياح والأمطار والتيارات البحرية.
ويبلغ امتداده الأكبر بعيدًا عن الساحل عادة في شهر مارس، أي بعد عدة أسابيع من وصول تصريف النهر إلى ذروته السنوية.
لماذا اختار الباحثون عام 2016؟
قاد الباحثة كاميل كاردو، من مختبر الدراسات الجيوفيزيائية والمحيطية الفضائية (LEGOS)، فريقًا ضم إيزابيل دادو وجوليان جوانو وباحثين آخرين لإعادة بناء الظروف المحيطية التي شهدها عام 2016.
واستخدم الفريق نموذجًا محيطيًا عالي الدقة نسبيًا، إذ بلغت مساحة خلاياه نحو 1.9 ميل، بهدف فصل التغيرات الموسمية البطيئة عن تأثير الدوامات البحرية والظواهر الأصغر والأقصر عمرًا.
واختير عام 2016 بسبب توافر مجموعة غنية من البيانات الرصدية التي تمكن الباحثون من خلالها من اختبار مدى واقعية النموذج.
وقارن الفريق نتائج المحاكاة بقياسات ملوحة سطح البحر التي حصل عليها القمر الصناعي SMAP التابع لناسا، وبيانات مستوى سطح البحر، وبيانات شبكة عوامات PIRATA، إضافة إلى تقديرات التيارات البحرية المستخلصة من بيانات تتبع السفن.
وأظهر النموذج توافقًا جيدًا مع الحجم العام للسان مياه الكونغو وموقعه وحركته ودورانه الموسمي، ما أتاح للباحثين دراسة الكيفية التي تنتقل بها المياه العذبة من المنطقة الساحلية إلى المحيط المفتوح.

دوامة عملاقة تحبس مياه النهر
في بداية مارس 2016، ساعدت الرياح الضعيفة نسبيًا والتصريف القوي للنهر على انتشار مياه الكونغو باتجاه الجنوب.
بعد ذلك تشكلت دوامة مضادة للإعصار داخل اللسان المائي، وأصبحت قادرة على احتجاز جزء من المياه منخفضة الملوحة في مركزها.
ومع اشتداد الرياح الساحلية، تحرك اللسان الرئيسي للمياه مرة أخرى باتجاه الشمال الغربي، بينما انفصلت الدوامة عنه قرب نهاية مارس، وأصبحت منفصلة بوضوح بحلول 8 أبريل.
وظلت الدوامة موجودة حتى 15 مايو، وخلال هذه الفترة حملت المياه التي احتجزتها لمسافة تقارب 124 ميلًا نحو المحيط المفتوح.
الباحثون «أعادوا الزمن» لتتبع مصدر المياه

ولمعرفة مصدر المياه التي احتجزتها الدوامة، وضع الباحثون 5472 جسيمًا افتراضيًا داخلها في 8 أبريل، ثم شغّلوا النموذج إلى الوراء لمدة 30 يومًا لتتبع المسارات التي سلكتها هذه الجسيمات.
وأظهرت النتائج أن معظم المسارات تعود إلى الجزء الجنوبي من لسان مياه الكونغو في بداية مارس.
وبذلك تمكن الباحثون من إعادة بناء رحلة المياه، كما لو أنهم يعيدون تشغيل تسجيل فيديو للمحيط إلى الوراء، لتحديد المكان الذي جاءت منه المياه قبل أن تدخل الدوامة.
لكن المياه المحاصرة أصبحت أكثر ملوحة تدريجيًا أثناء تشكل الدوامة وانتقالها بعيدًا عن الساحل.
ويرجح الباحثون أن ذلك حدث نتيجة اختلاط المياه العذبة بمياه البحر المحيطة أو سحب مياه أكثر ملوحة من المناطق المحيطة وتحت اللسان المائي، إلا أن الدراسة لم تتمكن من تحديد مقدار مساهمة كل من العمليتين بشكل منفصل.
الجانب الغربي ينقل معظم المياه إلى المحيط المفتوح
درس الفريق أيضًا حركة المياه والملوحة عبر حدود منطقة واسعة تحيط بمصب نهر الكونغو.
ورغم أن الحافة الغربية لم يكن لها تأثير كبير في متوسط ملوحة المنطقة ككل، فإنها كانت المسار الرئيسي لخروج مياه اللسان المائي من المنطقة الساحلية إلى المحيط المفتوح.
وبلغ متوسط نقل المياه العذبة عبر هذه المنطقة نحو 5.5 مليون جالون في الثانية، أي ما يقارب نصف متوسط تصريف نهر الكونغو.
وعلى مدار العام، ظلت الحركة الموسمية العامل الرئيسي في نقل المياه بعيدًا عن الساحل.
لكن الدوامات متوسطة الحجم ساهمت بنحو ربع متوسط نقل الملوحة السنوي عبر الحدود الغربية، بينما تجاوز تأثير الظواهر الأصغر 30% خلال بعض فترات الذروة القصيرة.
ولأن كثيرًا من هذه العمليات كانت تنقل المياه إلى الخارج ثم تعيد جزءًا منها نحو الساحل، فإن تأثير بعضها كان يتلاشى عند حساب المتوسط السنوي.

دفعات قصيرة قد تتجاوز تدفق النهر نفسه
واحدة من أكثر النتائج إثارة للاهتمام ظهرت عند بلوغ نقل المياه العذبة باتجاه الغرب ذروته خلال عام 2016.
فقد وصل معدل النقل إلى نحو 44 مليون جالون في الثانية، أي ما يقارب أربعة أضعاف متوسط تدفق نهر الكونغو.
لكن هذا لا يعني أن النهر نفسه بدأ فجأة في ضخ أربعة أضعاف كمية المياه المعتادة.
فالتيارات البحرية كانت قد جمعت مؤقتًا كميات من المياه العذبة التي كانت منتشرة بالفعل داخل اللسان المائي، ثم دفعتها بقوة نحو المحيط المفتوح.
وتشير النتائج إلى أن المتوسطات السنوية قد تخفي وراءها عمليات بحرية قصيرة وعنيفة للغاية، ما يعني أن النماذج منخفضة الدقة قد لا تتمكن من التقاط أقوى أحداث نقل المياه.
الدوامات لا تنقل المياه فقط
ولا تقتصر أهمية مياه نهر الكونغو على كونها عذبة.
فاللسان المائي يحمل أيضًا مواد مذابة وجسيمات عضوية وعناصر غذائية يمكن أن تؤثر في نمو العوالق النباتية والسلاسل الغذائية ومناطق الصيد قبالة سواحل وسط أفريقيا.
وعندما تنقل الدوامات هذه المياه بعيدًا عن الساحل، فإنها قد تعيد توزيع هذه العناصر والمواد العضوية إلى مناطق أخرى من المحيط.
كما يمكن لتغير الملوحة أن يؤثر في طبقات المحيط وعمليات الخلط وحركة الحرارة والتبادل بين المحيط والغلاف الجوي.
ومع ذلك، لم تقيس الدراسة بصورة مباشرة تأثير هذه الدوامة في أعداد الأسماك أو الإنتاجية البيولوجية، ولذلك تبقى هذه التأثيرات احتمالًا علميًا يستحق الدراسة، وليس نتيجة مثبتة لهذا الحدث تحديدًا.

هل تتكرر هذه الظاهرة؟
رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة ركزت على عام واحد فقط هو 2016، بينما يمكن أن تختلف كمية مياه نهر الكونغو بصورة كبيرة من عام إلى آخر.
كما أن النموذج تمكن من محاكاة الدوامات متوسطة الحجم بدرجة أفضل من الظواهر الأصغر، التي قد يصل عرضها إلى بضعة أميال أو أقل.
لذلك يحتاج العلماء إلى محاكاة أطول وأكثر دقة للتأكد من مدى شيوع الدوامة التي استمرت 49 يومًا، ومعرفة حجم تأثيرها الحقيقي في نقل المياه العذبة من سواحل أفريقيا إلى المحيط الأطلسي.
وقد تساعد بيانات الأقمار الصناعية الحديثة، وخاصة مهمة SWOT، في رصد الدوامات والخصائص المحيطية الأصغر حجمًا، بينما يمكن للقياسات المستقبلية عالية الدقة للملوحة أن تكشف بصورة أكثر تفصيلًا المسارات التي تسلكها مياه الأنهار داخل المحيطات.
وتقدم الدراسة في النهاية صورة جديدة عن المحيط الأطلسي: فالمياه التي يصبها نهر الكونغو في البحر لا تختفي ببساطة، بل يمكن لدوامات عملاقة أن تلتقطها وتنقلها مئات الكيلومترات بعيدًا عن الساحل، حاملة معها بصمتها الكيميائية والبيولوجية إلى قلب المحيط.





