الحرب تصل إلى رفوف المتاجر.. انتقال أثر الحرب من أسواق النفط والطاقة إلى الغذاء العالمي
تكلفة الحرب تتسرب إلى الغذاء.. نستله تعيد تسعير منتجاتها وتخفض الخيارات غير المربحة
تتسرب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى تكلفة الغذاء والسلع الاستهلاكية حول العالم، مع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والمواد الخام، ما دفع شركة نستله، أكبر شركة أغذية معبأة في العالم، إلى رفع أسعار منتجاتها وإعادة صياغة بعضها وحذف منتجات أخرى لا يرى المستهلكون أنها تستحق دفع أسعار أعلى مقابلها.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة نستله، فيليب نافراتيل، إن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط منذ نحو 6 أشهر لم تؤثر بصورة كبيرة ومباشرة على مبيعات الشركة، لكنها بدأت تضغط على تكاليف الموردين، بما يهدد بانتقال هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات النهائية.
وأوضح نافراتيل أن كل مورد تقريبًا لدى الشركة يواجه نوعًا من الزيادة في التكاليف، وهو ما يضع نستله أمام خيار التعامل مع هذه الزيادات داخليًا أو تمرير جزء منها إلى المستهلكين عبر الأسعار.

الطاقة والشحن والمواد الخام تقود موجة جديدة من التضخم
قال الرئيس التنفيذي لنستله إن التأثير الأساسي للحرب يظهر في التضخم المرتبط بمدخلات الإنتاج، وليس في مبيعات الشركة المباشرة داخل منطقة الشرق الأوسط.
وتشمل الضغوط ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والمواد الخام، وهي عناصر تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تصنيع الأغذية وتعبئتها ونقلها إلى الأسواق.
ومع استمرار ارتفاع تكلفة هذه المدخلات، تجد شركات الأغذية نفسها أمام معادلة صعبة: تحمل الزيادة للحفاظ على الأسعار وحصة السوق، أو تمريرها إلى المستهلك بما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب.
وتتعامل نستله مع هذه الضغوط عبر مزيج من رفع الأسعار، وإعادة صياغة المنتجات، وخفض التكاليف، والتخلص من المنتجات التي لا يرغب المستهلكون في دفع أسعار أعلى مقابلها.
الشرق الأوسط سوق محدود لنستله.. لكن تأثير الحرب عالمي
تمثل منطقة الشرق الأوسط نحو 2% إلى 3% فقط من إجمالي مبيعات نستله، التي تبلغ قرابة 90 مليار فرنك سويسري، أي ما يعادل نحو 111 مليار دولار.
وبالتالي، فإن التأثير المباشر للحرب على مبيعات الشركة في المنطقة محدود نسبيًا، لكن التأثير غير المباشر أكثر اتساعًا، لأنه ينتقل عبر سلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تكمن أهمية تصريحات الرئيس التنفيذي: فالشركة لا تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة مبيعات إقليمية، وإنما باعتبارها عاملًا يرفع تكلفة المدخلات التي تشتريها من الموردين حول العالم.
وبذلك يمكن للصراع الجيوسياسي أن يؤثر في أسعار منتجات تُباع في أسواق بعيدة عن منطقة الشرق الأوسط، حتى إذا لم تتأثر مبيعات الشركة هناك بصورة مباشرة.

«الفاو» تحذر من موجة تضخم غذائي جديدة
تأتي تحذيرات نستله في وقت تزداد فيه المخاوف الدولية من عودة موجة التضخم الغذائي.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» قد حذرت من احتمال دخول العالم في موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء.
وأظهر مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء أن متوسط المؤشر بلغ 131.1 نقطة في يوليو، مقارنة مع 130.3 نقطة في يونيو، مسجلًا أعلى مستوى له منذ يناير 2023.
ويتابع المؤشر التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع الغذائية المتداولة عالميًا، ما يجعله أحد المؤشرات المهمة لقياس اتجاهات أسعار الغذاء العالمية.
ويعني ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الخام بالتزامن مع صعود أسعار السلع الغذائية الأساسية أن الضغوط قد تنتقل تدريجيًا من أسواق السلع الأولية إلى المنتجات المصنعة التي تصل إلى المستهلك.
نستله تعيد تشكيل محفظتها من المنتجات
لا تقتصر استراتيجية نستله على زيادة الأسعار، إذ تعمل الشركة أيضًا على إعادة النظر في المنتجات التي تقدمها للمستهلكين.
وتملك نستله أكثر من 2000 علامة تجارية، من بينها نسكافيه وماجي وكيت كات، وتعمل الإدارة الحالية على تبسيط محفظة الشركة والتركيز بصورة أكبر على العلامات التجارية الأساسية.
وفي هذا الإطار، باعت الشركة مؤخرًا حصة في نشاط المياه المعبأة، كما تتجه إلى التخارج من نشاط الفيتامينات والمكملات الغذائية.
لكن نافراتيل أكد أن إعادة هيكلة المحفظة لا تعني أن نستله ستتوقف عن الاستحواذ، مشيرًا إلى أن الشركة لا تزال منفتحة على شراء علامات تجارية تراها ذات أهمية استراتيجية.
المستهلك أمام خيارات أقل وأسعار أعلى
تعكس استراتيجية نستله تحولًا أوسع في صناعة الأغذية العالمية، حيث لم تعد الشركات تواجه فقط مشكلة ارتفاع تكلفة المواد الخام، وإنما أيضًا تغير استعداد المستهلكين لتحمل زيادات الأسعار.
ولهذا تلجأ الشركات إلى إعادة صياغة المنتجات وخفض أحجام أو تكاليف الإنتاج، أو إلغاء المنتجات التي لا تحقق طلبًا كافيًا عند مستويات الأسعار الجديدة.
وقال نافراتيل إن نستله تعمل بصورة مستمرة على تحسين الكفاءة وخفض التكاليف، إلى جانب إعادة صياغة بعض المنتجات.
ويكشف ذلك عن مرحلة جديدة في سوق الغذاء العالمي، قد يصبح فيها ارتفاع الأسعار وإعادة تصميم المنتجات وتقليص الاختيارات جزءًا من استراتيجية الشركات للتعامل مع التضخم.

معركة أخرى حول السكر والملح والدهون في الهند
وفي ملف منفصل، دعا نافراتيل إلى إشراك شركات الأغذية في المناقشات المتعلقة بالتحذيرات المقترحة على مقدمة عبوات المنتجات في الهند، والتي تستهدف المنتجات التي تحتوي على مستويات مرتفعة من السكر والملح والدهون.
وكانت شركات الأغذية قد مارست ضغوطًا ضد هذه التحذيرات، وفق تقارير سابقة استندت إلى وثائق وتسجيلات.
وقال نافراتيل إن نستله أزالت آلاف الأطنان من السكر والملح والدهون من منتجاتها، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يتم وضع نظام الملصقات الغذائية بصورة مناسبة، وأن يأخذ في الاعتبار حجم الحصة الغذائية.
الحرب تضيف طبقة جديدة إلى أزمة الغذاء العالمية
تظهر تصريحات نستله أن تأثير الحرب في الشرق الأوسط لا يتوقف عند أسعار النفط والغاز أو حركة التجارة الدولية، وإنما يمتد إلى سلاسل إمداد الغذاء وتكاليف التصنيع وأسعار المنتجات التي يشتريها المستهلك يوميًا.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والمواد الخام، تواجه شركات الأغذية ضغوطًا متزايدة للحفاظ على هوامش أرباحها من دون خسارة المستهلك.
وفي المقابل، يواجه المستهلك احتمال استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، خصوصًا إذا استمرت اضطرابات الطاقة والنقل لفترة طويلة.
وهكذا، قد تتحول الحرب من أزمة جيوسياسية في منطقة محددة إلى عامل تضخمي عالمي، ينتقل عبر سلاسل الإمداد من الطاقة والنقل إلى المواد الخام، ثم إلى مصانع الأغذية وأخيرًا إلى رفوف المتاجر وأسعار المنتجات.





