أخبارتغير المناخ

لماذا يبقى دخان حرائق الغابات في الهواء طويلًا؟.. دراسة تكشف مفاجأة كيميائية

سر بقاء الدخان والتلوث في الهواء.. «تأثير المصفوفة» يربك نماذج الغلاف الجوي

كشفت دراسة علمية جديدة أن جزيئات التلوث العضوية الموجودة في دخان حرائق الغابات والضباب الدخاني وتلوث المدن قد تتصرف بطريقة مختلفة عما تفترضه النماذج الحالية للغلاف الجوي، إذ تميل الجزيئات الموجودة داخل خليط التلوث إلى «التشبث» ببعضها، ما يؤدي إلى إبطاء تبخرها بشكل كبير وإطالة بقائها في الغلاف الجوي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يساعد على تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بجودة الهواء وانتقال دخان الحرائق والمخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث، فضلًا عن تحسين فهم تأثير الهباء الجوي في الطقس والمناخ.

وأجرى الدراسة فريق من جامعة بوردو الأمريكية بقيادة ألكسندر لاسكين، أستاذ الكيمياء في قسم جيمس تاربـو ومارجريت تاربـو، ونُشرت النتائج في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).

خطر دخان حرائق الغابات

جزيئات التلوث تتصرف بشكل مختلف

تعتمد النماذج التقليدية للغلاف الجوي في تقدير سرعة تبخر المواد الكيميائية على خصائص كل مادة منفردة، وبصفة خاصة درجة تطايرها، أي مدى سهولة انتقالها من الحالة الموجودة داخل الجسيم إلى الهواء.

لكن الباحثين وجدوا أن هذا الأسلوب لا يعكس بالضرورة ما يحدث داخل الهباء الجوي الحقيقي، حيث لا توجد الجزيئات منفردة، وإنما تكون محاطة بمئات الأنواع الكيميائية الأخرى.

وباستخدام تقنية جديدة لقياس الطيف الكتلي طوّرها مختبر لاسكين، تتبع الفريق سلوك أكثر من 1500 نوع كيميائي فردي ضمن 33 خليطًا معقدًا تمثل تركيبتها حالات واقعية من دخان حرق الكتلة الحيوية والضباب الدخاني في المناطق الحضرية.

وأظهرت النتائج نمطًا واضحًا: البيئة الكيميائية المحيطة بالجزيء قد تكون أكثر أهمية من خصائصه الكيميائية الذاتية في تحديد مدى سهولة تبخره وخروجه من الغلاف الجوي.

دخان حرائق الغابات

«تأثير المصفوفة» يبطئ اختفاء الملوثات

يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «تأثير المصفوفة» (Matrix Effect)، حيث تتفاعل الجزيئات مع بعضها داخل خليط الهباء الجوي، ما يجعل خروجها إلى الهواء أكثر صعوبة.

ولشرح هذه الظاهرة، شبّه لاسكين سلوك جزيئات الهباء الجوي بالعطر الذي يمكن أن يختفي سريعًا عند رشه على سطح زجاجي، لكنه يظل عالقًا لفترة طويلة عند رشه على قطعة من الصوف.

وقال إن خليط الهباء الجوي يعمل بطريقة تشبه قطعة الصوف، إذ يحتجز الجزيئات بدرجة أكبر بكثير مما يحدث عندما تكون المادة الكيميائية منفردة.

دخان الحرائق قد يستمر لفترة أطول

كانت المفاجأة الأكبر في حجم التأثير الذي رصده الباحثون، فقد أدى تفاعل الجزيئات داخل الخليط إلى انخفاض تطاير المواد العضوية بنحو ثلاثة إلى خمسة أوامر من حيث الحجم، وهو تأثير وصفه لاسكين بأنه أكبر بكثير مما كان متوقعًا.

ويعني انخفاض التطاير أن الجزيئات لا تنتقل إلى الحالة الغازية وتختفي من الهباء الجوي بالسرعة التي تفترضها بعض النماذج الحالية.

وبالتالي، قد تكون النماذج الجوية التقليدية تقلل من تقدير المدة التي يبقى خلالها دخان حرائق الغابات والضباب الدخاني في الغلاف الجوي.

ولا تقتصر أهمية ذلك على مدة بقاء الدخان فوق منطقة معينة، إذ يمكن أن يؤدي استمرار الجسيمات لفترة أطول إلى انتقالها لمسافات أكبر، ما يوسع نطاق المناطق التي يمكن أن تتأثر بتلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

دخان حرائق الغابات
دخان حرائق الغابات

تأثير يمتد إلى السحب والمناخ

وللتأكد من الأهمية الفعلية لهذه النتائج، تعاون فريق البحث مع علماء من معهد وايزمان للعلوم لدمج التعلم الآلي القابل للتفسير في تحليل البيانات، كما استخدم الباحثون نماذج الغلاف الجوي WRF-Chem بالتعاون مع مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

وأظهرت عمليات المحاكاة أن أخذ سلوك الجزيئات في الاعتبار يمكن أن يؤدي إلى زيادة التقديرات الخاصة بمدة بقاء الهباء الجوي وانتقال دخان الحرائق وتكوّن السحب.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن الهباء الجوي لا يمثل مجرد ملوث مباشر للهواء، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في العمليات الجوية التي تشكل السحب، وبالتالي في الطقس والمناخ.

من «اختفاء الدخان» إلى التنبؤ بمساره

يرى الباحثون أن النتائج يمكن أن تساعد في الإجابة عن أسئلة عملية مهمة تتعلق بحرائق الغابات وتلوث المدن، من بينها: كم من الوقت سيبقى الدخان في الهواء؟ وإلى أين سينتقل؟ وكيف يمكن أن يؤثر في صحة الإنسان والطقس والمناخ؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع اتساع نطاق حرائق الغابات في مناطق مختلفة من العالم، وما يصاحبها من انتشار كميات كبيرة من الجسيمات والمواد الكيميائية في الغلاف الجوي.

وإذا كانت الجزيئات قادرة على البقاء لفترات أطول مما تقدره النماذج الحالية، فإن توقعات جودة الهواء قد تحتاج إلى إعادة النظر في طريقة حساب سرعة تحلل وتبخر هذه المواد.

دخان حرائق الغابات

الذكاء الاصطناعي لتحسين توقعات جودة الهواء

يعمل فريق البحث حاليًا على تطوير جيل جديد من نماذج التعلم الآلي يستطيع التعامل مع التفاعلات بين آلاف الجزيئات في وقت واحد، بدلًا من دراسة كل مركب كيميائي بصورة منفصلة.

ويعتقد لاسكين أن هذه النماذج يمكن أن توفر أساسًا أكثر قوة لتحسين توقعات جودة الهواء، وتقييم المخاطر الصحية، ودعم السياسات البيئية الهادفة إلى الحد من تأثيرات التلوث.

ولا تكمن أهمية الاكتشاف في إضافة معلومة جديدة عن كيمياء الهباء الجوي فحسب، وإنما في أنه يكشف أن سلوك ملوثات الهواء يعتمد على البيئة الكيميائية التي توجد فيها بقدر اعتماده على خصائصها الفردية.

وبعبارة أخرى، قد لا يكون السؤال فقط عن ماهية الجزيء الموجود في الهواء، وإنما أيضًا عن الجزيئات المحيطة به وكيف تتفاعل معه؛ وهو ما قد يغير الطريقة التي نتنبأ بها بمصير الدخان والتلوث في الغلاف الجوي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة