أخبارالتنمية المستدامةصحة الكوكب

المناخ يغير ما يأكله الأطفال.. «الوباء العالمي» يضرب المحيط الهادئ

الأعاصير والفيضانات تهدد غذاء الأطفال.. تغير المناخ يفاقم السمنة وسوء التغذية

لم يعد تغير المناخ في دول المحيط الهادئ مجرد أزمة بيئية تهدد الجزر والسواحل، بل يتحول بصورة متسارعة إلى أزمة صحية وغذائية مركبة، تتقاطع فيها آثار الجفاف والفيضانات والأعاصير وملوحة المياه مع سوء التغذية والسمنة والأمراض غير المعدية.

وتجسد دول المحيط الهادئ بصورة لافتة ما يعرف بمفهوم «الوباء العالمي» (Global Syndemic)، الذي يجمع ثلاث أزمات مترابطة: السمنة، وسوء التغذية، وتغير المناخ، وهي أزمات تتغذى كل منها على الأخرى وتضاعف مخاطرها على صحة الإنسان.

وكانت لجنة «لانسيت» قد صاغت هذا المفهوم عام 2019، ووصفت السمنة وسوء التغذية وتغير المناخ بأنها من أخطر التهديدات التي تواجه صحة الإنسان وبقاءه.

وفي المحيط الهادئ، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، مع اعتماد المجتمعات على الزراعة ومصايد الأسماك ومصادر المياه المحلية، وهي قطاعات تتعرض لضغوط متزايدة بفعل تغير المناخ.

من نقص الغذاء إلى السمنة.. تغير المناخ يعيد تشكيل النظم الغذائية في المحيط الهادئ

المناخ يدخل إلى طبق الطفل

تتعرض دول المنطقة بشكل متزايد للأعاصير والفيضانات وتسرب مياه البحر إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه، ما يؤدي إلى اضطراب الإنتاج الزراعي ومصايد الأسماك ووصول الغذاء إلى الأسواق.

ولا تتوقف المشكلة عند انخفاض كمية الغذاء المتاح، بل تمتد إلى نوعيته وتنوعه الغذائي.

فعندما تدمر الأعاصير المحاصيل أو تتعطل الأسواق، تلجأ الأسر إلى الأغذية المصنعة والمعبأة التي يمكن تخزينها لفترات أطول، وتظل متاحة حتى بعد الكوارث.

لكن هذا الخيار، رغم أهميته في توفير السعرات الحرارية خلال الأزمات، قد يحرم الأطفال من العناصر الغذائية الضرورية للنمو، في الوقت نفسه الذي يزيد فيه استهلاكهم للسكريات والدهون والسعرات الفارغة.

وهكذا يمكن أن تنتقل الأسرة من خطر نقص الغذاء إلى سوء التغذية والسمنة في الوقت نفسه.

من سوء التغذية إلى السمنة

شهدت بعض دول المحيط الهادئ تحسنًا في مؤشرات تغذية الأطفال خلال العقود الأخيرة، لكن معدلات التقزم والهزال لا تزال مرتفعة في عدد من البلدان.

وفي الوقت نفسه، تتزايد معدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والبالغين، بالتزامن مع التحول من الأنظمة الغذائية التقليدية إلى الأغذية المستوردة والمصنعة فائقة المعالجة.

وهذا التحول الغذائي يساهم بدوره في ارتفاع عبء الأمراض غير المعدية، مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وتزداد خطورة المشكلة مع وجود أدلة تربط سوء التغذية في مراحل الطفولة المبكرة بتغيرات فسيولوجية واستقلابية قد ترفع لاحقًا احتمالات الإصابة بالسمنة والأمراض غير المعدية.

وبذلك لا يصبح الطفل الذي يعاني سوء التغذية اليوم محصنًا من السمنة غدًا؛ بل قد يكون أكثر عرضة لها في مراحل لاحقة من حياته.

المحيط الهادئ أمام أزمة ثلاثية.. تغير المناخ وسوء التغذية والسمنة تتشابك

الأعاصير لا تدمر المحاصيل فقط

تأثير تغير المناخ على التغذية لا يحدث فقط من خلال فقدان المحاصيل.

فالكوارث المناخية يمكن أن تعطل أيضًا الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والأسواق وسلاسل الإمداد.

وفي المجتمعات المتضررة، قد يفقد الأطفال مواعيد متابعة النمو والتطعيمات، بينما قد تواجه الأمهات صعوبة في الوصول إلى خدمات رعاية الحمل والولادة الآمنة.

كما يمكن أن تؤدي اضطرابات شبكات المياه إلى زيادة الأمراض المنقولة بالمياه ورفع تكلفة حصول الأسر على المياه، ما يضيف أعباء اقتصادية جديدة إلى الأسر التي تعاني أصلًا من هشاشة غذائية.

أرقام تكشف حجم أزمة سوء التغذية

تظهر معدلات التقزم بين الأطفال دون الخامسة حجم التحدي في عدد من دول المنطقة.

وتبلغ معدلات التقزم نحو 48% في بابوا غينيا الجديدة، و32% في جزر سليمان، و29% في فانواتو، وفق البيانات المشار إليها في التقرير.

وهذه المعدلات المرتفعة تعني أن أزمة تغير المناخ لا يمكن فصلها عن أزمة صحة الأطفال، خصوصًا في المجتمعات التي تعتمد بصورة كبيرة على نظم غذائية محلية شديدة الحساسية للكوارث الطبيعية.

النساء والأطفال الأكثر تعرضًا للخطر

لا تتوزع آثار الأزمة المناخية والغذائية بالتساوي.

فالنساء والأطفال الصغار والأشخاص ذوو الإعاقة يواجهون مستويات أعلى من الهشاشة، نتيجة تداخل المخاطر المناخية مع عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

ومع تكرار الأعاصير والفيضانات والجفاف، تجد المجتمعات نفسها عالقة في دورة متواصلة من الاستعداد للكوارث، ثم النجاة منها، ثم التعافي من آثارها، قبل أن تضرب كارثة جديدة في وقت لم تستعد فيه الأسر والأنظمة المحلية لعافيتها السابقة.

وهذا يعني أن المجتمعات لا تحصل على الوقت الكافي لبناء قدرتها على الصمود.

الغذاء المحلي.. خط دفاع أمام تغير المناخ

رغم الصورة الصعبة، تمتلك دول المحيط الهادئ فرصة مهمة تتمثل في تعزيز نظمها الغذائية المحلية.

فالاستثمار في إنتاج الأغذية الطازجة والمحلية، وتطوير وسائل حفظها وتخزينها، يمكن أن يساعد في تحقيق عدة أهداف في الوقت نفسه.

فهو يقلل سوء تغذية الأطفال، ويحد من انتشار السمنة والأمراض غير المعدية، ويحافظ على العادات الغذائية والثقافة المحلية، ويعزز قدرة المجتمعات على توفير الغذاء أثناء الكوارث، كما يدعم المزارعين والاقتصادات المحلية.

وفي المقابل، يمكن للسياسات التي تحد من انتشار الأغذية فائقة المعالجة أن تصبح جزءًا من استراتيجية صحية ومناخية وغذائية متكاملة.

الصحة والمياه بحاجة إلى مرونة مناخية

التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يقتصر على قطاع الصحة.

فالأنظمة الصحية نفسها تحتاج إلى أن تكون قادرة على العمل أثناء الأعاصير والفيضانات والكوارث، كما تحتاج شبكات المياه إلى تصميمات أكثر قدرة على تحمل الصدمات المناخية.

وتبرز هنا أهمية دمج التكيف مع تغير المناخ في التخطيط الصحي والغذائي والمائي بدل التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا.

ومن النماذج الواعدة مشروع تغذية الأطفال والحماية الاجتماعية في بابوا غينيا الجديدة، المدعوم من الحكومة والبنك الدولي، والذي يجمع بين العمل المجتمعي للحد من التقزم ومنح نقدية للأمهات اللاتي لديهن أطفال صغار.

وترتبط بعض المدفوعات بالحصول على رعاية الحمل ومتابعة نمو الأطفال والاستشارات الغذائية، بما يربط الدعم الاجتماعي مباشرة بتحسين صحة الطفل وتغذيته.

وتشير تجارب مماثلة إلى أن الجمع بين التحويلات النقدية والدعم الغذائي يمكن أن يحقق تحسنًا مستدامًا في الأمن الغذائي وتنوع النظام الغذائي للأسر.

«الوباء العالمي» يحتاج إلى حل واحد متكامل

الدرس الأهم من تجربة المحيط الهادئ هو أن المناخ والغذاء والصحة ليست أزمات منفصلة.

فالأعاصير تدمر المحاصيل، وتراجع المحاصيل يقلل تنوع الغذاء، واضطراب الأسواق يدفع الأسر نحو الأغذية المصنعة، وسوء التغذية يضعف صحة الأطفال، بينما يؤدي الإفراط في الأغذية فائقة المعالجة إلى زيادة السمنة والأمراض المزمنة.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الكوارث إلى تعطيل الخدمات الصحية والمياه، ما يزيد من هشاشة المجتمعات أمام الأزمة التالية.

لذلك فإن مواجهة هذه الدائرة تحتاج إلى سياسات تعمل عبر القطاعات، بدل أن تنقسم المسؤولية بين وزارات وبرامج منفصلة لا تتشارك الأهداف نفسها.

المحيط الهادئ أمام فرصة لإعادة رسم الأولويات

اجتماع وزراء ومسؤولي الصحة في دول المحيط الهادئ يمثل فرصة لإعادة وضع هذه القضايا المترابطة في قلب السياسات الصحية والتنموية.

فالاستثمار في الزراعة المحلية، والغذاء الصحي، والمياه المرنة مناخيًا، والرعاية الصحية الأولية، والحماية الاجتماعية، والتكيف مع تغير المناخ يمكن أن يحقق فوائد متزامنة تمتد من صحة الأطفال إلى الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.

والتحدي الحقيقي ليس فقط في إنقاذ المجتمعات من الكارثة المقبلة، وإنما في بناء أنظمة قادرة على الاستمرار بعد الكارثة ومواجهة ما يليها.

أزمة واحدة بثلاثة وجوه

ما يحدث في المحيط الهادئ يقدم صورة مصغرة لتحدٍ عالمي آخذ في الاتساع: تغير المناخ لا يهدد البيئة وحدها، وإنما يعيد تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

ومن هنا، فإن مواجهة سوء التغذية والسمنة لا يمكن أن تنجح من دون مواجهة العوامل المناخية التي تؤثر في النظم الغذائية، كما أن العمل المناخي لن يكون كاملًا إذا تجاهل صحة الإنسان وجودة الغذاء.

ففي المحيط الهادئ، يلتقي تغير المناخ وسوء التغذية والسمنة في أزمة واحدة؛ ومواجهة هذه الأزمة تتطلب أن تتحول السياسات من التعامل مع الأعراض إلى بناء منظومة متكاملة أكثر قدرة على الصمود.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة