أهم الموضوعاتأخبار

إطارات السيارات تترك بصمة خفية في الأنهار.. جزيئات دقيقة تغيّر التنوع البكتيري

إطارات السيارات ليست مجرد مصدر للتلوث.. جزيئاتها تغيّر قاعدة السلسلة الغذائية في الأنهار

كشفت دراسة علمية جديدة أن جزيئات المطاط الناتجة عن تآكل إطارات السيارات لا تمثل مجرد ملوثات دقيقة تتراكم في البيئة، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في المجتمعات البكتيرية التي تعيش في الأنهار، ما قد ينعكس على وظائف النظم البيئية المائية.

وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة دويسبورج-إيسن وجامعة كولونيا في ألمانيا، أن جزيئات إطارات السيارات المعلقة في نهر الراين لمدة أربعة أسابيع شكلت عليها أغشية حيوية بكتيرية أقل تنوعًا مقارنة بتلك الموجودة على رواسب قاع النهر الطبيعية.

ووجد الباحثون أن عددًا محدودًا من الأجناس البكتيرية أصبح أكثر هيمنة على أسطح المطاط، في ظاهرة وصفوها بأنها «إثراء انتقائي» للمجتمعات الميكروبية.

تجربة داخل نهر الراين

إطارات السيارات
إطارات السيارات

قاد الدراسة دانا بلوداو، الباحثة في مرحلة الدكتوراه ضمن مجموعة الباحث ينس بونيك في جامعة دويسبورج-إيسن، بالتعاون مع باحثين من معهد علم الحيوان في جامعة كولونيا.

وصمم الفريق غرفًا صغيرة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ووضع داخلها أنواعًا مختلفة من جزيئات الإطارات، شملت إطارات سيارات الركوب والشاحنات، إلى جانب المطاط غير المستخدم والمطاط الناتج عن إطارات مستعملة.

وتراوحت أحجام الجزيئات بين بضع مئات وأكثر من ألف ميكرومتر، بينما احتوت غرف التحكم على جزيئات من رواسب معقمة ذات أحجام مماثلة.

ووضع الباحثون هذه الغرف داخل صندوق يحمي العينات من الحطام العائم، ثم أنزلوه في مياه نهر الراين بالقرب من محطة «Ökologische Rheinstation»، وهي مختبر عائم تديره جامعة كولونيا على الضفة اليسرى للنهر جنوب وسط المدينة.

وبعد مرور أربعة أسابيع، استخرج الفريق العينات وأزال الأغشية الحيوية التي تكونت على أسطحها، ثم استخدم تقنية تسلسل جين 16S rRNA لتحديد أنواع البكتيريا الموجودة على كل سطح.

المطاط يغيّر المجتمع البكتيري

إطارات السيارات مصدر خفي لتلوث التربة والمحاصيل الزراعية

أظهرت نتائج التحليل أن الأغشية الحيوية التي تشكلت على جزيئات الإطارات كانت أقل تنوعًا بصورة ملحوظة من تلك الموجودة على رواسب قاع النهر.

ورغم أن الموطنين، المطاط والرواسب الطبيعية، اشتركا في عدد كبير من الأنواع البكتيرية، فإن التكوين العام للمجتمعات الميكروبية اختلف بشكل واضح.

وأشار الباحثون إلى أن «ثراء» الأنواع على جزيئات المطاط ارتفع، لكن التنوع الإجمالي انخفض، لأن بعض الأنواع أصبحت أكثر هيمنة على حساب التوزيع المتوازن للبكتيريا.

وكان جنسا Aquabacterium وKetobacter من أكثر الأجناس التي زاد وجودها بصورة واضحة على جزيئات الإطارات.

ويرجح الباحثون أن بعض هذه البكتيريا قد تكون قادرة على التكيف مع المركبات الناتجة عن الإطارات، إلا أن الدراسة لم تختبر الآلية التي تقف وراء هذا التكيف بصورة مباشرة.

كلما كبر حجم الجزيء زاد التأثير

تلوث إطارات السيارات تسرع تلف الدماغ
تلوث إطارات السيارات تسرع تلف الدماغ

كشفت الدراسة أيضًا عن علاقة بين حجم جزيئات الإطارات والتنوع البكتيري؛ إذ أدى وجود الجزيئات الأكبر حجمًا إلى انخفاض أكبر في التنوع مقارنة بالجزيئات الأصغر.

كما اختلف المطاط الناتج عن الإطارات المستعملة عن رواسب قاع النهر بدرجة أكبر من المطاط غير المستخدم.

وكانت الأغشية الحيوية الموجودة على الجزيئات الكبيرة المأخوذة من إطارات مستعملة هي الأكثر اختلافًا عن المجتمعات البكتيرية الموجودة بصورة طبيعية على رواسب قاع النهر.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن تآكل إطارات السيارات على الطرق ينتج مجموعة واسعة من أحجام الجزيئات، كما أن جزءًا كبيرًا من هذه المواد يصل إلى البيئة بعد تعرضه للعوامل الجوية والاستخدام لفترات طويلة.

لماذا تمثل الأغشية الحيوية أهمية للأنهار؟

الأغشية الحيوية هي طبقات من الكائنات الدقيقة، وعلى رأسها البكتيريا، تغطي الصخور والرواسب والأسطح الصلبة في المياه الجارية.

وتؤدي هذه المجتمعات دورًا مهمًا في تحلل المواد العضوية ودورة العناصر الغذائية داخل النظام البيئي المائي.

كما تعتمد عليها كائنات أخرى في السلسلة الغذائية، إذ تتغذى عليها يرقات ذباب مايو والقواقع وغيرها من الكائنات التي ترعى الأغشية الحيوية على أسطح الصخور.

وبالتالي، فإن تغير تركيب هذه المجتمعات الميكروبية قد لا يظل محصورًا في البكتيريا نفسها، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى مستويات أخرى من النظام البيئي.

تلوث الإطارات يتجاوز مفهوم «الميكروبلاستيك»

تعد جزيئات تآكل الإطارات واحدة من أكبر مصادر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في البيئة، وتشير التقديرات العالمية إلى انبعاث نحو 6.5 مليون طن سنويًا من هذه المواد.

ولا تصل غالبية هذه الجزيئات إلى المياه المفتوحة مباشرة، بل تتراكم في التربة، والخنادق الموجودة على جوانب الطرق، ورواسب الأنهار.

ولهذا السبب، دعا باحثون خلال السنوات الماضية إلى التعامل مع جزيئات الإطارات باعتبارها فئة مميزة من الملوثات البيئية، بدل إدراجها ببساطة ضمن النفايات البلاستيكية التقليدية.

ويحمل نهر الراين بالفعل كميات كبيرة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وفق مسوحات بيئية سابقة أجرتها وكالة الطبيعة والبيئة والمناخ في ولاية شمال الراين-وستفاليا الألمانية.

من الجسيمات إلى الغذاء

تضيف الدراسة الجديدة بُعدًا مختلفًا إلى مشكلة تلوث الإطارات؛ فالأبحاث السابقة ركزت بدرجة كبيرة على كمية الجزيئات التي تصل إلى البيئة أو المواد الكيميائية التي يمكن أن تتسرب منها.

وفي عام 2021، ربطت دراسة علمية نفوق أسماك السلمون من نوع «كوهو» بالقرب من سياتل بمركب كيميائي يُطلق من مطاط الإطارات.

أما دراسة نهر الراين، فتركز على سؤال مختلف، وهو كيفية تأثير جزيئات الإطارات نفسها، باعتبارها أسطحًا مادية تستوطن عليها الكائنات الدقيقة، في المجتمعات الميكروبية بعد وصولها إلى البيئة المائية.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن جزيئات تآكل الإطارات تتراكم بدرجة كبيرة في الرواسب، بدل أن تنتقل بالكامل مع المياه إلى مناطق بعيدة، ما يعني إمكانية بقائها في المكان وتراكمها بمرور الوقت.

دراسة محدودة لكنها تكشف خطرًا خفيًا

يؤكد الباحثون أن نتائج الدراسة تحتاج إلى مزيد من البحث، إذ أجريت التجربة لمدة أربعة أسابيع فقط وفي موقع واحد من نهر الراين، كما ركز التحليل على البكتيريا وحدها.

ولم تقيس الدراسة ما إذا كان التغير في المجتمعات البكتيرية يؤدي بالفعل إلى إبطاء دورة العناصر الغذائية، أو ما إذا كانت الكائنات اللافقارية تتغذى بدرجة أقل على الأغشية الحيوية المتغيرة، أو كيف يمكن أن تتطور هذه المجتمعات على مدار موسم كامل.

ومع ذلك، تكشف النتائج عن جانب غير مرئي من تلوث الإطارات، يتمثل في قدرة الجزيئات المطاطية الدقيقة على خلق بيئات مختلفة عن الرواسب الطبيعية، وانتقاء مجتمعات بكتيرية محددة للعيش عليها.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Environmental Pollution، لتضيف دليلًا جديدًا إلى أن آثار حركة السيارات لا تتوقف عند الطريق، بل يمكن أن تمتد إلى قلب النظم البيئية المائية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة