ورشة علمية بهيئة الطاقة الذرية تربط إدارة الملوثات بالاستدامة والاقتصاد الوطني
مصطفى الشربيني: البصمة الكربونية للمخلفات الصلبة مفتاح تنافسية الصادرات المصرية
في خطوة تعكس تنامي الدور العلمي لمؤسسات الدولة في دعم التحول نحو الاستدامة، استضافت هيئة الطاقة الذرية ورشة العمل المتخصصة بعنوان «إدارة المخاطر للملوثات البيئية بالتقنيات الحديثة: نحو حلول مبتكرة ومستدامة»، والتي نظمها المعمل الوطني للتخلص الآمن من النفايات المشعة والخطرة، بالتعاون مع اللجنة الوطنية لعلوم البيئة وصون الطبيعة بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وبدعم وتمويل من الأكاديمية.
وجاءت الورشة في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد التحديات البيئية والمناخية عالميًا، وتزايد الضغوط على الدول النامية للامتثال للمعايير البيئية الدولية، بما يفرض ضرورة تبني حلول علمية متقدمة لإدارة المخاطر البيئية، وحماية الموارد الطبيعية، وضمان استدامة النمو الاقتصادي.
منصة علمية تجمع صانع القرار والبحث العلمي
شكّلت الورشة منصة علمية وتطبيقية جمعت بين صناع القرار، والخبراء، والباحثين، وممثلي الجهات الحكومية والقطاع الخاص، في إطار نقاش موسع حول أحدث الأدوات والتقنيات المستخدمة في تقييم وإدارة المخاطر البيئية، وآليات توظيفها في دعم السياسات العامة، وتعزيز كفاءة منظومة الإدارة البيئية في مصر.
وركزت المناقشات على الربط بين الإدارة العلمية للملوثات وبين أبعاد التنمية المستدامة، خاصة في ما يتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وتقليل الخسائر البيئية والصحية، وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها البيئية والمناخية الدولية.
افتتاح رسمي يؤكد التزام الدولة بالحلول العلمية المستدامة
شهدت الورشة افتتاحًا رسميًا رفيع المستوى، افتتحه الدكتور عمرو الحاج علي، رئيس هيئة الطاقة الذرية، الذي أكد أن استضافة الهيئة لهذه الورشة تأتي في إطار دورها الوطني في دعم البحث العلمي التطبيقي، وتطوير حلول مبتكرة وآمنة للتعامل مع الملوثات البيئية والمخلفات الخطرة، وفقًا لأحدث المعايير الدولية.
وأوضح رئيس الهيئة أن الاعتماد على التقنيات الحديثة في إدارة المخاطر البيئية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها المتغيرات المناخية والبيئية المتسارعة، مشددًا على أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات البحثية والتنفيذية، بما يتسق مع رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
مشاركة مؤسسية واسعة تعكس أهمية الملف البيئي
شارك في الجلسة الافتتاحية الدكتور أسامة مرزوق ممثلًا عن الدكتورة جينا الفقي، رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والدكتور محمد فاروق ممثل جهاز شؤون البيئة، والدكتور محمد عبد الفتاح رئيس المجلس الدولي للتعليم والبحث العلمي، والدكتور تامر عوض رئيس اللجنة الوطنية لعلوم البيئة وصون الطبيعة.
وأكدت الدكتورة نهى دنيا، أستاذ الهندسة البيئية وعضو اللجنة الوطنية، أن الورشة تمثل نموذجًا عمليًا للتكامل بين البحث العلمي والتطبيق الميداني، مشيرة إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الرصد الذكي، والتقنيات الإشعاعية، أصبح عنصرًا حاسمًا في تحسين كفاءة إدارة المخاطر البيئية وتقليل آثارها السلبية.
حضور أكاديمي وتنفيذي يعكس أولوية الإدارة البيئية
شهدت الورشة مشاركة موسعة من ممثلي وزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والكهرباء والطاقة المتجددة، والبيئة، إلى جانب هيئة المحطات النووية، وهيئة المواد النووية، وجهاز تنظيم إدارة المخلفات.
كما شارك نخبة من الأكاديميين والباحثين من جامعات القاهرة، وعين شمس، وبني سويف، والأزهر، وجامعة مدينة زويل، فضلًا عن ممثلي القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، في تأكيد على الطابع التشاركي للورشة، وأهمية إشراك جميع الأطراف المعنية في منظومة الإدارة البيئية.
التطبيقات العملية في صدارة النقاشات العلمية
من جانبها، أوضحت الدكتورة رحاب عثمان، المدير التنفيذي لمشروع المعمل الوطني ومنسق ورشة العمل، أن الورشة ركزت بشكل أساسي على التطبيقات العملية للتقنيات الحديثة في إدارة المخاطر البيئية، وليس فقط الأطر النظرية.
وأشارت إلى أن من أبرز هذه التطبيقات استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمخاطر البيئية، والتقنيات النووية والإشعاعية في رصد الملوثات، إلى جانب أنظمة التتبع والرقمنة الذكية، بما يسهم في بناء قدرات وطنية قادرة على تحويل المعرفة العلمية إلى حلول تنفيذية قابلة للتطبيق.
ربط المخلفات بالاقتصاد العالمي
كانت ورشة الدكتور مصطفى الشربيني، رائد البصمة الكربونية في مصر والوطن العربي، حول «البصمة الكربونية للمخلفات الصلبة» من أبرز محاور الفعالية، لما حملته من طرح علمي تطبيقي ربط بين البيئة والاقتصاد والتجارة الدولية.
وأوضح الشربيني أن المخلفات الصلبة تُعد أحد المصادر غير المباشرة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وأن إدارتها بأسلوب علمي حديث لا تسهم فقط في حماية البيئة، بل تمثل فرصة حقيقية لخفض الانبعاثات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.

البصمة الكربونية من قضية بيئية إلى ملف اقتصادي استراتيجي
وأكد أن قضية المخلفات لم تعد شأنًا بيئيًا تقليديًا، بل تحولت إلى ملف اقتصادي واستراتيجي يرتبط بشكل مباشر بتنافسية الصادرات، والنفاذ إلى الأسواق الدولية، خاصة في ظل تصاعد التشريعات البيئية والمناخية العالمية.
وأشار إلى أن الالتزام بقياس الانبعاثات بدقة، وتطبيق معايير الاستدامة، أصبح شرطًا أساسيًا للتعامل التجاري مع العديد من الأسواق، في ظل توسع تطبيق آليات تسعير الكربون ومتطلبات سلاسل الإمداد منخفضة الانبعاثات.
بناء القدرات الوطنية أساس التحول نحو الاستدامة
وشدد الشربيني على أن بناء القدرات الوطنية يمثل حجر الزاوية في تحقيق التحول الحقيقي نحو الاستدامة، موضحًا أهمية البرامج المهنية المعتمدة دوليًا التي يقدمها معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، والتي تستهدف تأهيل كوادر قادرة على قياس الانبعاثات، وإعداد تقارير الاستدامة، وربطها بالاقتصاد الأخضر والتجارة العالمية.
وأكد أن الاستثمار في العنصر البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في التكنولوجيا، مشيرًا إلى أن امتلاك خبرات محلية مؤهلة يسهم في خفض التكاليف، وتعزيز السيادة البيئية، ودعم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

توصيات ترسم خريطة طريق للإدارة البيئية المستدامة
وخرجت الورشة بعدد من التوصيات المهمة، أبرزها:
-
تفعيل منظومة الإدارة المتكاملة للمخلفات الخطرة
-
تطبيق نظم التتبع والرقمنة الكاملة
-
إلزام مولدي المخلفات بتحمل مسؤولية المعالجة الآمنة
-
مراعاة تأثيرات التغيرات المناخية عند تصميم مدافن المخلفات
-
تطوير الإطار التشريعي لإدارة المخلفات الإلكترونية
-
دمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية
-
تعزيز دور الإعلام في نشر الوعي البيئي وتحويل المعرفة إلى سلوك مجتمعي إيجابي
نموذج وطني لتكامل العلم وصانع القرار
وأكد المشاركون في ختام الفعالية أن ورشة هيئة الطاقة الذرية تمثل نموذجًا متقدمًا لتكامل البحث العلمي مع صانع القرار والتطبيق العملي، وأن الرؤى العلمية التي طرحها السفير الدكتور مصطفى الشربيني تشكل أساسًا متينًا لمرحلة جديدة من الإدارة البيئية المستدامة في مصر، بما يعزز حماية البيئة ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني إقليميًا ودوليًا.





