هل غطّى الماء ثلث سطح المريخ؟ دراسة جديدة تعيد كتابة تاريخ الكوكب الأحمر
عالم مصري يشارك في اكتشاف “بصمة طبوغرافية” تشير إلى محيط ضخم على المريخ
في خطوة علمية تعيد تشكيل فهمنا لتاريخ الكوكب الأحمر، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature عن أدلة جيولوجية جديدة تعزز بقوة فرضية وجود محيط ضخم غطّى نحو ثلث سطح Mars قبل مليارات السنين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول قابلية الكوكب لاحتضان الحياة في مراحله المبكرة.
الدراسة، التي اعتمدت على تحليل طبوغرافي عالي الدقة لسطح المريخ، قدّمت تحولًا جوهريًا في منهج البحث عن المياه القديمة، حيث لم تعد “الخطوط الشاطئية” هي الدليل الحاسم، بل ما يُعرف بـ“الرف القاري” — وهي مناطق انتقالية منخفضة ومنبسطة تمتد بين اليابسة وأعماق المحيطات.
وقاد الدراسة مايكل لامب، الأستاذ في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، مع الباحث المصري عبد الله زكي من جامعة تكساس في أوستن,
بصمة جيولوجية لمحيط مفقود
ووفقًا للنتائج، حدد الباحثون نطاقًا واسعًا من التضاريس يتراوح بين -1800 و-3800 متر تحت مستوى مرجعي افتراضي، يتميز بانحدار ضعيف واستمرارية جغرافية لافتة، وهو ما يتطابق مع خصائص الرفوف القارية على كوكب الأرض.
هذه المنطقة لا تمثل مجرد منخفض عابر، بل تُظهر “بصمة جيولوجية” متكاملة تشمل دلتا أنهار قديمة، ورواسب رسوبية، ومعادن تشكّلت بفعل تفاعلات مائية، وهي عناصر مجتمعة تعزز فرضية وجود نظام مائي واسع ومستقر نسبيًا في الماضي.
وفي هذا السياق، قال مايكل لامب، الأستاذ بقسم العلوم الجيولوجية والكوكبية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: “لفترة طويلة، ركّزنا على البحث عن خطوط شاطئية واضحة، لكن المريخ لم يحتفظ بهذه العلامات بشكل موثوق بسبب التغيرات الجيولوجية اللاحق، ما وجدناه الآن هو دليل أكثر قوة واستقرارًا—منطقة تشبه الرف القاري، وهي في الحقيقة السجل الأكثر دقة لوجود محيط قديم.”
وأضاف: “على الأرض، الرفوف القارية هي نتاج ملايين السنين من التفاعل بين الأنهار والمحيطات والرسوبيات. وعندما نرى نمطًا مشابهًا على المريخ، فإننا أمام مؤشر يصعب تجاهله.”

لماذا فشلت “الشواطئ” ونجح “الرف القاري”؟
كانت الدراسات السابقة قد حاولت رسم خرائط لخطوط شاطئية مفترضة على المريخ، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بتباينات كبيرة في الارتفاعات، نتيجة عوامل مثل النشاط البركاني، وحركة القشرة، وحتى تغير محور دوران الكوكب.
لكن على عكس الشواطئ الضيقة، يمتد الرف القاري على نطاقات أوسع وأكثر استقرارًا، ما يجعله أقل عرضة للتشوهات المحلية، وأكثر قدرة على الاحتفاظ بسجل جيولوجي طويل الأمد.

أدلة متعددة تتقاطع عند “الماء”
تعزز الدراسة فرضيتها من خلال مجموعة متكاملة من الأدلة، أبرزها:
- شبكات دلتا نهرية تشير إلى تدفقات مائية مستمرة
- طبقات رسوبية سميكة ناتجة عن ترسيب طويل الأمد
- معادن مثل الطين والكبريتات، التي تتكون فقط بوجود الماء
- أنماط تضاريسية تشير إلى تآكل مائي وليس ريحي فقط
ومن جانبه، قال عبد الله زكي، الباحث بقسم علوم الأرض والكواكب في كلية جاكسون لعلوم الأرض بجامعة تكساس في أوستن: “ما يميز هذه الدراسة هو أنها لا تعتمد على دليل واحد، بل على منظومة متكاملة من الشواهد التي تتقاطع جميعها عند تفسير واحد: وجود بيئة مائية واسعة على المريخ.”
وأضاف: “عندما تجمع بين الطبوغرافيا، والرواسب، والمعادن، وأنماط التعرية، فإنك تبني قصة متماسكة يصعب دحضها. نحن لا نتحدث عن بحيرات معزولة، بل عن نظام محيطي حقيقي.”
محيط متقلب.. ومناخ أكثر تعقيدًا
تشير النتائج أيضًا إلى أن هذا المحيط—إن وُجد—لم يكن ثابتًا، بل شهد تقلبات كبيرة في مستوى المياه، ربما نتيجة تغيرات مناخية حادة أو فقدان تدريجي للغلاف الجوي.
ويقول لامب: “النطاق الواسع للمنطقة المنخفضة يوحي بأن مستوى المحيط كان يتغير بشكل كبير مع الزمن، وهو ما قد يكون انعكاسًا لتقلبات مناخية عنيفة لم نشهد مثلها على الأرض.”

تداعيات علمية: هل وُجدت حياة؟
تتجاوز أهمية هذه النتائج مجرد إعادة رسم خريطة المريخ القديمة، إذ تمثل خطوة حاسمة في البحث عن الحياة خارج الأرض.
فالمناطق الانتقالية بين اليابسة والمياه—مثل الرفوف القارية—تُعد من أكثر البيئات خصوبة على الأرض، نظرًا لتوافر العناصر الغذائية والطاقة.
وفي هذا الإطار، أوضح د. عبد الله زكي: “إذا كان هناك مكان مرشح لاحتضان حياة ميكروبية قديمة على المريخ، فسيكون بالتأكيد هذه المناطق الانتقالية. فهي تجمع بين الماء والطاقة والعناصر الكيميائية اللازمة للحياة.”
قال مايكل لامب، المؤلف الرئيسي للدراسة: “السؤال هو: إذا كان هناك محيط على المريخ وجف، فما الآثار التي كان سيتركها؟ ما بحثنا عنه هو شريط يلتف حول المكان الذي كان يجب أن يكون فيه خط الساحل، مثل منصة مسطحة، لأن هذا ما نراه على الأرض، والذي نعرفه باسم الرف القاري”، بحسب ما نقلته شبكة سي إن إن.
وبرز الرف القاري كأوضح سمة، إذ يبقى عبر الزمن رغم تغيّر مستويات البحر. ثم بحث الفريق عن نظير لهذا على المريخ باستخدام بيانات جهاز “مقياس الارتفاع الليزري المداري للمريخ” التابع لوكالة “ناسا”، والذي رسم ملامح سطح الكوكب من المدار باستخدام الليزر.
وأوضح لامب: “وجدنا بعض الأدلة التي تشير إلى وجوده، لكنه لا يشبه تماما الرف القاري على الأرض، لذا لدينا بعض القطع من اللغز، وليس كلها”، قال لامب: “خط الساحل فيه مشكلات، فهو لا يتبع ارتفاعا ثابتا كما يفترض، بل يتذبذب صعودا وهبوطا”.

الرف القاري
بينما قال الدكتور عبد الله زكي إن أحد الأسئلة الجوهرية في علوم الكواكب يتمثل في: كيف يمكن التعرف على وجود محيط قديم على كوكب جاف اليوم؟ أو بصياغة أبسط، ما “البصمة الطبوغرافية” التي يتركها المحيط بعد اختفائه من سطح الكوكب؟ مؤكدًا أن هذا السؤال يمثل محورًا أساسيًا في فهم البيئات التي قد تكون صالحة للحياة خارج الأرض، وخاصة على كوكب المريخ.
وأوضح أن الأدلة العلمية تشير إلى أن المياه كانت موجودة على المريخ قبل نحو 3.7 مليار سنة، في صورة أنهار وبحيرات، وربما محيط واسع غطّى ما يقرب من ثلث سطح الكوكب. ومن هنا يبرز سؤال علمي مهم حول ما إذا كان هذا المحيط قد وُجد بالفعل، أم أن التفسيرات الجيولوجية السابقة تحتاج إلى مراجعة.
وأشار إلى أن إحدى الإشكاليات التي أثارت الجدل هي أن النماذج المقترحة للشواطئ المريخية أظهرت فروقًا في المناسيب تصل إلى كيلومترات، في حين أن الشواطئ على الأرض تتميز عادةً باستواء نسبي قرب مستوى سطح البحر، وأضاف أن فهم طبيعة المحيطات القديمة ضروري لإعادة بناء التاريخ المناخي والجيولوجي للمريخ، وكذلك لتقييم احتمالات وجود حياة قديمة.

وفي الورقة البحثية، أوضح عبد الله زكي أن الفريق البحثي طرح سؤالًا مختلفًا يتمثل في كيفية تأثير وجود المحيط على تشكيل سطح الكوكب، وكيف يمكن التعرف على هذا التأثير بعد اختفاء المياه، وبيّن أن النتائج تشير إلى أن البصمة الأكثر وضوحًا للمحيطات لا تتمثل في خطوط الشاطئ فقط، بل في نطاق طبوغرافي واسع يُعرف باسم الرف القاري (Coastal shelf)، والذي يتميز بانحدارات طفيفة جدًا وانحناءات سطحية منخفضة.
وأضاف أن هذا النطاق يُعد على الأرض أحد أهم مستودعات الرواسب، ويشكل سجلًا جيولوجيًا مهمًا يساعد في فهم تطور المناخ والبيئات عبر العصور، وربما رصد مؤشرات على وجود حياة قديمة.
واختتم بالإشارة إلى أن هذه النتائج لا تقدم حسمًا نهائيًا لمسألة وجود محيطات قديمة على المريخ، لكنها تمثل خطوة علمية مهمة نحو تطوير أدوات أكثر دقة لإعادة بناء البيئات المائية القديمة، ليس فقط على المريخ، بل أيضًا على كواكب أخرى محتملة في الكون.

نحو مرحلة جديدة من الاستكشاف
يرى الباحثون أن هذه النتائج ستعيد توجيه مهام الاستكشاف المستقبلية نحو هذه المناطق المنخفضة، سواء عبر المركبات الجوالة أو بعثات إعادة العينات.
ويختتم لامب قائلاً: “نحن لا نعيد فقط كتابة تاريخ المريخ، بل نعيد تحديد الأماكن التي يجب أن نبحث فيها عن إجابات أكبر—حول الماء، والمناخ، وربما الحياة نفسها”.





