ظاهرة كهربائية خفية تضيء قمم الأشجار خلال العواصف الرعدية
“كورونا الأشجار”.. لغز عمره قرن يكشفه العلماء أخيرًا
عند تخيل عاصفة رعدية تمر فوق غابة، يتبادر إلى الذهن المطر والبرق والرعد، لكن ما لا يراه معظم الناس هو توهج خافت للغاية يلمع فوق قمم الأشجار، يكاد يكون غير مرئي بالعين المجردة.
هذا التوهج ليس مجرد ظاهرة بصرية، بل تفريغ كهربائي يُعرف باسم “تفريغ كورونا”، وهو شرارة كهربائية ضعيفة تتشكل عند أطراف الأوراق عندما يتزايد المجال الكهربائي خلال العواصف.
رصد الظاهرة لأول مرة
لطالما اشتبه العلماء منذ نحو قرن في وجود هذه الظاهرة، لكن لم يتمكن أحد من رصدها مباشرة في الطبيعة. مؤخرًا، نجح فريق بحثي من جامعة ولاية بنسلفانيا في توثيقها لأول مرة.
وأوضح الباحث الرئيسي أن هذا الاكتشاف يؤكد أن بعض الظواهر الطبيعية ما زالت قيد الاكتشاف، رغم عقود من الافتراضات العلمية حولها.
ما هو تفريغ كورونا؟
يمكن تشبيه “كورونا” بنسخة هادئة من البرق؛ فهي أقل شدة وحرارة، وتحدث بشكل مستمر وضعيف. تنبعث هذه التفريغات من الأطراف الحادة، مثل إبر الصنوبر أو حواف الأوراق، عندما يصبح المجال الكهربائي قويًا.
ورغم أن معظم هذا التوهج يصدر في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، ما يجعله غير مرئي للعين البشرية، فإنه قادر على إحداث تغييرات في كيمياء الهواء المحيط.

جهاز يرصد الضوء غير المرئي
طوّر الباحثون جهازًا خاصًا مزودًا بتلسكوب وكاميرا حساسة للأشعة فوق البنفسجية، قادرة على التقاط أطوال موجية لا تصل عادة إلى سطح الأرض بسبب طبقة الأوزون.
وباستخدام هذا الجهاز، تتبع الفريق العواصف الرعدية، ووجّهوا معداتهم نحو قمم الأشجار أثناء مرورها.
مشهد مذهل فوق الأشجار
خلال تجربة ميدانية في ولاية كارولاينا الشمالية، سجلت الكاميرا مئات الومضات فوق البنفسجية الصغيرة على أغصان الأشجار، حيث كانت تتنقل من ورقة إلى أخرى، وأحيانًا تتبع حركة الأغصان مع الرياح.
واستمر كل وميض لجزء من الثانية إلى بضع ثوانٍ، في عرض طبيعي خفي لا يمكن ملاحظته بالعين المجردة.

توهج شامل في الغابات
أظهرت النتائج أن التوهج لم يكن محدودًا بمناطق معينة، بل ظهر في جميع أجزاء الأشجار التي تم رصدها، كما تكرر في أنواع مختلفة من الأشجار وعواصف متعددة.
ويشير ذلك إلى أن معظم الغابات قد تشهد هذا التوهج الخفي خلال العواصف الرعدية.
قياس ما لا يُرى
من خلال تحليل الضوء فوق البنفسجي، تمكن العلماء من تقدير شدة التيار الكهربائي المار عبر الأشجار، والذي بلغ نحو ميكروأمبير واحد لكل تفريغ.
ورغم ضآلة هذا التيار، فإن تكراره على نطاق واسع عبر آلاف الأوراق يجعله ذا تأثير ملحوظ.
أهمية الاكتشاف
يحمل هذا الاكتشاف عدة دلالات مهمة:
- إنتاج كميات كبيرة من “جذور الهيدروكسيل” التي تسهم في تنقية الهواء من الملوثات.
- احتمال حدوث تلف تدريجي في أطراف الأوراق نتيجة التعرض المتكرر لهذه التفريغات.
- إمكانية تأثير الجسيمات المشحونة على سلوك العواصف نفسها.
آفاق مستقبلية
يكشف هذا الاكتشاف أن الغابات لا تظل صامتة خلال العواصف، بل تشهد نشاطًا كهربائيًا خفيًا قد يؤثر في جودة الهواء وصحة الأشجار، وربما في ديناميكيات الطقس.
ومع تزايد العواصف نتيجة تغير المناخ، قد تصبح هذه الظاهرة أكثر انتشارًا وتأثيرًا في المستقبل.





