cop27.. البنك الدولي يعلن عن صندوق تمويل الدرع العالمي لمواجهة مخاطر تغير المناخ خلال المؤتمر
قد يدفع تغير المناخ والكوارث الطبيعية 132 مليون شخص إلى الوقوع في براثن الفقر بحلول 2030
سيجتمع ممثلون عن الحكومات ومؤسسات الأعمال والمجتمع المدني غدًا في شرم الشيخ، لحضور مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرين بشأن تغيّر المناخ COP27 في خضم تزايد الحاجة الملحة للتصدي لأزمة المناخ. ومن المتوقع أن تتركز المفاوضات على ضرورة تدعيم التعهدات المناخية ووضعها موضع التنفيذ، وزيادة تدفق التمويل المناخي بشكل كبير إلى المشروعات على أرض الواقع، وتلبية احتياجات التكيف بالغة الأهمية.
بالإضافة إلى وفود البلدان المشاركة، سيحضر المؤتمر أيضاً ممثلون عن الشركات، والمؤسسات متعددة الأطراف، والمجتمع المدني والشباب،على مدار أسبوعين.
يأتي مؤتمر هذا العام في مرحلة حاسمة للعمل المناخي، فمنذ مؤتمر المناخ السادس والعشرين في غلاسكو، ظهرت أزمات متداخلة متعددة هددت بانحراف التحوُّل منخفض الكربون القادر على الصمود عن مساره.
وقد تسببت الحرب في أوكرانيا، والزيادة الهائلة في معدلات التضخم والموازنات المثقلة بالأعباء، ونقص الطاقة في نقص إمدادات الوقود وانعدام الأمن الغذائي، وفي الوقت نفسه، تزداد تأثيرات تغيير المناخ تفاقماً: فقد أودت الفيضانات الشديدة في باكستان بحياة مئات الأشخاص وشردت الملايين، وألحقت موجات الجفاف في الصين ومنطقة القرن الأفريقي أضراراً بملايين الأشخاص، وشهدت أوروبا موجات حر شديدة، وتعرضت لأسوأ موجة جفاف منذ خمسة قرون.

ولا يمكن أن تكون المخاطر أكبر مما هي عليه اليوم، فعدم التحرك بسرعة كافية للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري قد يعني زيادة هائلة في التكاليف في المستقبل تبلغ نحو 178 تريليون دولار على مدى الأعوام الخمسين المقبلة، أو ضعف إجمالي الناتج المحلي العالمي الحالي. والأهم من ذلك أن إرجاء اتخاذ الإجراءات المطلوبة قد يعني إلحاق ضرر بالأرواح وسبل كسب العيش في جميع أنحاء العالم على نحو لا يمكن تداركه.
وفي مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرين بشأن تغيّر المناخ Cop27 ، سيعلن البنك الدولي عن برنامج رئيسي جديد هو: صندوق تمويل الدرع العالمي، وهو نسخة محسَّنة من الصندوق العالمي لتمويل مواجهة المخاطر.
وسيصبح أداة تمويل وتنفيذ رئيسية للدرع العالمي، لمواجهة مخاطر تغير المناخ التابع لمجموعة السبع لمساعدة البلدان المعرضة للخطر على تحسين قدرتها على الصمود في مواجهة الصدمات والكوارث المناخية من خلال حزم مالية متكاملة، بما في ذلك التسهيلات الائتمانية الطارئة والتأمين المستند إلى آليات السوق.
قمة المناخ في شرم الشيخ تمثل لحظة مهمة في التقويم المناخي، ولكنها ليست الوحيدة في هذا المجال، فقد ترسخ العمل المناخي بالفعل، بل ويحقق نتائج ملموسة في جميع أنحاء العالم. فمن أسواق الكربون في الأردن إلى تأهب نيبال لمواجهة الكوارث، ومن التحول في استخدام الطاقة في جنوب أفريقيا إلى مترو نيودلهي والدول الجزرية الصغيرة التي تبني قدراتها على الصمود، تعمل البلدان في جميع أنحاء العالم على بناء مستقبل أكثر أماناً ونظافة وازدهاراً يراعي الاعتبارات المناخية
خفض الانبعاثات الكربونية في الاقتصادات
إن الحد من الانبعاثات أمر أساسي للعمل المناخي، وبينما تضطلع جميع البلدان بدور في هذا المجال، يجب على البلدان مرتفعة الدخل والبلدان الأخرى التي تنبعث منها كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري أن تعطي الأولوية بصفة عاجلة للجهود الرامية إلى جعل اقتصاداتها خالية من الكربون، وبالاستعانة باستراتيجيات مناخية جيدة التصميم، يمكن لاقتصادات هذه البلدان أن تواصل تحقيق النمو مع الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الوقت نفسه.
مجموعة البنك الدولي تدعم عملية التحول في القطاعات الرئيسية المسؤولة عن أكثر من 90% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وهي الطاقة، والزراعة وإنتاج الغذاء والمياه واستخدام الأراضي؛ والمدن؛ والمواصلات؛ والصناعات التحويلية.
ويمكن لعمليات التحول منخفضة الكربون في هذه القطاعات تحقيق تريليونات الدولارات في شكل استثمارات وتوفير ملايين الوظائف الجديدة على مدى العِقد المقبل.
وتشمل الفرص المتاحة الطاقة المتجددة والطهي النظيف، وتحويل وسائل النقل والمباني والصناعة إلى العمل بالكهرباء وتحقيق كفاءة استخدام الطاقة فيها، وتحسين إدارة المياه واستخدام الأراضي، وتوسيع المشاركة في سلاسل القيمة الخضراء، بما في ذلك قطاع تعدين المعادن بالغ الأهمية، ومن الممكن أن يؤدي هذا التحول أيضاً إلى تحسين مستويات المعيشة بصفة أساسية.
معالجة جودة الهواء
إن الحد من الانبعاثات يمكن أيضاً أن يساعد في معالجة تدني جودة الهواء، مما يحقق فوائد صحية كبيرة لسكان مدن العالم الأكثر تلوثاً بالضباب الدخاني.
وفي الأشهر الأولى من تفشي جائحة كورونا، فرضت عمليات الإغلاق قيوداً شديدة على النشاط الاقتصادي على مستوى العالم مما أدى إلى نتيجة غير مقصودة تمثلت في الحد من تلوث الهواء، وأعطت تلك الحالة المؤقتة التي أصبحت فيها السماء صافية لمحة عما يمكن أن يحدث إذا جعلت البلدان والمدن اقتصاداتها خالية من الكربون – لكن لا يلزم أن يحدث ذلك بتكلفة اقتصادية وبشرية مماثلة للتكلفة التي فرضتها الجائحة.

واليوم، يُعد تلوث الهواء السبب البيئي الرئيسي في العالم للمرض والوفاة في سن مبكرة، حيث يودي بحياة 7 ملايين شخص في كل عام، وهو أيضاً دليل قوي على ما تحدثه غازات الاحتباس الحراري من ارتفاع في درجة حرارة كوكب الأرض. وغالباً ما تأتي ملوثات الهواء وغازات الاحتباس الحراري من المصادر نفسها، مثل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم والمَركبات التي تعمل بالديزل.
ويتعرض مليارات الأشخاص لمستويات خطيرة من تلوث الهواء، وتبلغ تكلفة الأضرار الصحية التي تسببها 8.1 تريليونات دولار سنوياً، أي ما يعادل 6.1% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
النقل المستدام سمة رئيسية في القاهرة
في القاهرة، العاصمة المصرية التي تعجُّ بالحركة، تعكس السماء غير الصافية ما تسببه 22 مليون رحلة تنقل يومية باستخدام مركبات آلية، ويسعى نحو مليوني شخص في مصر سنوياً للحصول على رعاية طبية بسبب مشكلات في الجهاز التنفسي، وتبلغ التكلفة الاقتصادية السنوية لتلوث الهواء على الصحة في القاهرة الكبرى وحدها نحو 1.4% من إجمالي الناتج المحلي في البلاد.
وإدراكاً منها للتكاليف الاقتصادية والبيئية والصحية للتقاعس عن العمل، جعلت مصر تحقيق النقل المستدام سمة رئيسية في جدول أعمال سياساتها، وتدعو إستراتيجية رؤية مصر 2030 إلى خفض تركيزات الجسيمات الدقيقة قطر 10 ميكرون بنسبة 50% بحلول عام 2030.
ومن المتوقع أن يخفض مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى، الذي تبلغ تكلفته 200 مليون دولار، انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة من النفايات الصلبة في المناطق السكنية بنسبة 30%، ومن الحافلات الجديدة التي تعمل بالكهرباء بنسبة 23%، ولا تقلل هذه الجهود الانبعاثات فحسب، بل توفر أيضاً هواءً أنظف لسكان القاهرة.
وعن طريق برنامج الإحلال، حصل 45 ألف سائق سيارة أجرة (تاكسي) في القاهرة على سيارات جديدة ومحدثة بدلاً من سياراتهم القديمة، وبفضل خطوط مترو أنفاق القاهرة، انخفض عدد السيارات على الطرق بنسبة 13%.
بالإضافة إلى تقليل انبعاثات الكربون، من الضروري أيضاً تعزيز الجهود لتقليل غازات الاحتباس الحراري الأخرى، مثل الميثان، وهو غاز ملوِّث يبقي فترة قصيرة، ولكنه قوي وله تأثير على الاحتباس الحراري أكبر وأسرع بكثير مقارنة بثاني أكسيد الكربون.
وفي مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين بشأن تغيّر المناخ، التزمت 104 بلدان بالعمل بموجب التعهد العالمي للميثان بالحد بشكل جماعي من انبعاثات الميثان بنسبة 30% على الأقل بحلول عام 2030 (مقارنة بعام 2020).
ويمكن لهذا المستوى من العمل للحد من انبعاثات غاز الميثان أن يقلل الاحتباس الحراري بمقدار ربع درجة إلى ثلث درجة مئوية بحلول منتصف القرن، ونصف درجة إلى ثلاثة أرباع درجة بحلول عام 2100. وسيكون لكل جزء من الدرجة أهميته.
انبعاثات غاز الميثان في عام 2019 حسب القطاع والقارة (مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون).

الحد من انبعاثات غاز الميثان
مجموعة البنك الدولي تعمل على في الحد من انبعاثات غاز الميثان في القطاعات التي تسبب أكبر قدر منه وهي الزراعة، وتوليد الطاقة، والصرف الصحي، وإدارة النفايات.
على سبيل المثال، لمواجهة انبعاثات غاز الميثان من زراعة الأرز (التي تمثل نحو 8% من انبعاثات غاز الميثان بشرية المنشأ على مستوى العالم)، سيعمل المشروع الإستراتيجي لتحديث الري وإعادة التأهيل العاجلة في إندونيسيا على تحديث خدمات الري ورفع كفاءة عمليات توصيل المياه إلى مزارع الأرز، والحد من انبعاثات غاز الميثان في أكثر من 253 ألف هكتار.
يستخدم المشروع تكنولوجيا توفير المياه المعروفة باسم تناوب الترطيب والتجفيف لمساعدة المزارعين على تقليل انبعاثات غاز الميثان، إلى جانب استخدامهم مياه الري، من دون تقليل كمية غلَّات المحاصيل.
ما الذي يجب على البلدان فعله بصفة عاجلة؟
تعتمد الآثار التي ستنتج عن تغير المناخ في المستقبل على الخيارات التي تتخذها البلدان اليوم، لا سيما تلك الاستثمارات التي تعزز أيضاً نتائج التنمية، بما في ذلك في البنية التحتية بالغة الأهمية أو لحماية المجتمعات المحلية وسبل كسب العيش.
وتُظهر دراسة تشخيصية أساسية جديدة أجرتها مجموعة البنك الدولي، وهي سلسلة التقارير القُطري للمناخ والتنمية، الاستراتيجيات التي ستكون الأسرع في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ولها أكبر الأثر في ذلك في كل بلد، مع دعم التنمية الخضراء الشاملة والقادرة على الصمود.
وتجمع التقارير القُطرية للمناخ والتنمية أفضل البيانات والنماذج والأدوات المتاحة لمساعدة البلدان على فهم الآثار المحتملة لتغير المناخ في المستقبل.
وهي تحدد الإجراءات الأكثر إلحاحاً التي يتعين على البلدان اتخاذها لتجنب التكاليف المرتفعة لعملية التحول منخفض الكربون والقادر على الصمود، بالإضافة إلى الإصلاحات المهمة والجمع بين موارد القطاعين العام والخاص.
وتظهر النتائج المستقاة من المجموعة الأولى من تقارير المناخ والتنمية التي تغطي 29 بلداً أن تغير المناخ يشكل تهديداً كبيرا للأهداف الإنمائية طويلة الأجل، ولكن يمكن للبلدان أن تواصل النمو مع الحد من انبعاثات الاحتباس الحراري إذا اعتمدت إجراء تغير واسع.
وتعمل مجموعة البنك الدولي مع البلدان على وضع خطط الاستثمار لتقليل تكاليف جهود التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، مع تعظيم آثارها، وإتاحة المجال للقطاعين العام والخاص للاستثمار في العمل المناخي.
تحوّل عادل في استخدام الطاقة
إن عملية تحويل البلدان التي توجد بها أعلى معدلات الانبعاثات عن استخدام الوقود الأحفوري، لا سيما الفحم – وهو مصدر الطاقة الأكثر انتشاراً في العالم والأكثر كثافة من حيث انبعاثات الكربون – أمر بالغ الأهمية لمستقبل الطاقة النظيفة.
وسيضمن التحوُّل “العادل” الذي يُدار جيداً أن تتمكن البلدان من الاستعداد اليوم للتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري بطريقة تحمي الناس والمجتمعات المحلية والبيئة، ويجب أن يوفر أيضاً سبل كسب عيش بديلة، وأن يُفرِد دوراً رئيسياً لسياسات التعليم وسوق العمل، وأن يدعم الاستثمارات في المجتمعات المحلية المتضررة.
بالإضافة إلى تعلُّم مهارات جديدة، يتعين على البلدان تحقيق شمول أوسع نطاقاً للفقراء في عملية التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، ويجب أن يشمل هذا التحوُّل أيضاً تسهيل عمل القطاع الخاص لتوفير فرص عمل جديدة.
تساعد مبادرة البنك العالمية – مساندة التحول في مجال الطاقة في مناطق الفحم الحكومات على تصميم حزم حماية اجتماعية شاملة للعمال الذين من المحتمل تسريحهم من العمل، ووضع برامج إعادة تأهيل المهارات والتحول في الوظائف، وخطط شاملة للمعالجة البيئية لإتاحة استخدام أراضي التعدين والأصول المتعلقة بالفحم سابقاً لأغراض مختلفة، وتقديم المسارات المحتملة للتحول الاقتصادي.
تطبق مجموعة البنك الدولي نهج التحول العادل في البلدان في جميع أنحاء العالم، ومن بينها مقدونيا الشمالية، وبولندا، وجنوب أفريقيا، وبناءً على طلب حكومة جنوب أفريقيا، يدعم البنك إيقاف تشغيل محطة كوماتي لتوليد الطاقة التي تعمل بالفحم.
جنوب أفريقيا تعتمد على الفحم في توفير أكثر من 70% من احتياجاتها من الطاقة.
ويجري أيضاً تمويل مشروع إسكوم للتحول العادل في استخدام الطاقة الذي تبلغ تكلفته 497 مليون دولار لفصل أخر وحدة قيد التشغيل في محطة كوماتي عن الشبكة الكهربائية، ويجري هذا الأمر عن طريق قروض ميسرة من الصندوق الكندي للطاقة النظيفة ومناخ الغابات، ومنح من برنامج المساعدة على إدارة قطاع الطاقة.
وستكون محطة كوماتي الأولى في مجموعة محطات توليد الكهرباء القديمة التي تعمل بالفحم التي سيتم إغلاقها في إطار خطة جنوب أفريقيا لإخراج هذه المحطات عديمة الكفاءة التي توفر 12 جيجاوات من الخدمة بحلول عام 2030. “
وفي جنوب أفريقيا أيضا، يعد البنك الشريك الرئيسي المسؤول عن إدارة تنفيذ برنامج تسريع وتيرة التحول بعيداً عن استخدام الفحم التابع لصندوقي الاستثمار في الأنشطة المناخية، حيث يعمل في شراكة مع البنك الأفريقي للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية. وتأتي مساهمة صندوقي الاستثمار في الأنشطة المناخية في إطار حزمة بقيمة 2.6 مليار دولار تقوم حكومة جنوب أفريقيا بتدبيرها من مصادر عامة وخاصة لمساندة التحول العادل من استخدام الفحم.

التكيّف
بينما تؤثر أزمة تغير المناخ على جميع البلدان، فإن البلدان والأشخاص الأفقر يكونون أكثر عرضة لتأثيراتها، وقد يدفع تغير المناخ والكوارث الطبيعية نحو 132 مليون شخص إلى الوقوع في براثن الفقر بحلول عام 2030.
وفيما يتعلق بمخاطر الفيضانات وحدها، على سبيل المثال، يتعرض نحو 1.81 مليار شخص أو 23% من سكان العالم بشكل مباشر لمخاطر كبيرة بسبب الفيضانات، ويوجد 89% من سكان العالم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ويعيش أكثر من 780 مليون شخص على أقل من 5.50 دولارات للفرد في اليوم.
من الضروري مساعدة المجتمعات المحلية كي تتمكن من بناء القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ والتكيف مع العديد من الآثار التي تحدث اليوم بالفعل ولا مفر منها، وسيتطلب ذلك توسعا كبيرا في تدفقات رؤوس الأموال – بما في ذلك التمويل الخاص – في مجال التكيف، الذي يمثل حالياً أقل من 10% من إجمالي التمويل المناخي.

وغالباً ما تتفرد مجتمعات محلية ومناطق جغرافية محددة باحتياجات معينة من أجل التكيف، ويُعد التأهب لها أمراً ضرورياً.
يمكن أن يحقق التحرك المبكر للتعامل مع كارثة محتملة فوائد على المدى البعيد، إلى حد كبير من خلال الحيلولة دون اتخاذ الأسر قرارات بدافع اليأس للبقاء على قيد الحياة، مثل انقطاع الأطفال عن الدراسة، أو تقليل عدد الوجبات، أو بيع الأصول الإنتاجية.
ولمساعدة الناس على التكيف، خاصة في أثناء موجات الجفاف، بدأت حكومة النيجر في عام 2021 دعم 15400 أسرة عن طريق تحويلات نقدية شهرية. ولتكوين مخزونات غذائية، حصل آلاف المزارعين في البلاد على تقاوي وبذور مقاومة للجفاف وأعلاف للماشية وأسمدة، وتلقوا أيضاً المساعدة في التقنيات الزراعية لتعزيز الإنتاجية من خلال مشروع العمل المجتمعي من أجل القدرة على تحمل تغير المناخ ومشروع دعم الزراعة المراعية للمناخ.
أما في الدول الجزرية الصغيرة المنخفضة، مثل جزر مارشال، يشكل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديداً وجودياً.
وقد ساعدت دراسة وأداة مرئية يدعمهما البنك الدولي جزر مارشال على وضع تصور لآثار ارتفاع مستوى سطح البحر على المدى البعيد على العاصمة ماجورو. وأشارت التوقعات إلى أن 96% من مساحة المدينة ستكون معرضة لخطر الفيضانات المتكررة، كما تشير هذه الأداة بوضوح إلى أنه على الرغم من وجود جزر مارشال على خط المواجهة مع تغير المناخ، توجد فرص سانحة لتجنب أسوأ السيناريوهات.
وتقوم إدارة المياه أيضا بدور رئيسي في التكيف الفعال على سبيل المثال: تجاوز الإدارة التقليدية المتكاملة للموارد المائية لبناء القدرة على تحمل تغير المناخ؛ وتشجيع الاستثمار والحلول التي تتضمن البنية التحتية الطبيعية – خدمات النظم الإيكولوجية التي تقدمها مستجمعات المياه والسواحل السليمة؛ وبناء القدرة على الصمود من خلال الجمع بين إدارة مستجمعات المياه، والبنية التحتية المستدامة، والتمكين والتعلم من خلال المؤسسات التكيُّفية.
التمويل المناخي
في العام الماضي، قدمت مجموعة البنك الدولي 31.7 مليار دولار للبلدان النامية لدعم أنشطة التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره – وهو أكبر مبلغ تمويل مناخي على الإطلاق تقدمه المجموعة في سنة مالية، إلا أن هذا المبلغ يمثل جزءاً ضئيلاً مما هو مطلوب.
فوفقاً لبعض التقديرات، ستحتاج البلدان النامية إلى تمويل يبلغ تريليونات الدولارات على مدى العقود المقبلة لتحقيق أهدافها المتعلقة بالمناخ والتنمية.
وتُعد الاحتياجات للاستثمار، كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، أكبر في البلدان منخفضة الدخل التي تساهم بأقل قدر في ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويُعزى هذا الأمر جزئياً إلى أنها تشمل استثمارات موجهة نحو احتياجات التنمية التي لم تتم تلبيتها وسد الفجوة في البنية التحتية.
وتقوم مجموعة البنك حالياً بوضع نماذج لتدبير التمويل من المجتمع الدولي وإتاحته لأكثر المشروعات تأثيراً وقابلية للتوسع للحد من الانبعاثات، وتمويل أنشطة التكيف، وتعبئة رأس المال الخاص.
في السنة المالية 2019/2020، بلغ التمويل المناخي على مستوى العالم من المصادر العامة والخاصة نحو 425 مليار دولار.
وخُصص أكثر من 85% من هذا المبلغ، أي ما يقرب من 373 مليار دولار، إلى الاستثمارات الموجهة إلى التخفيف من آثار تغير المناخ، ولم يتجاوز المبلغ الموجه لدعم الاستثمارات في التكيف مع تغير المناخ 41 مليار دولار، وهو أقل بكثير من المبلغ المطلوب الذي يتراوح بين 150 إلى 330 مليار دولار.
تعمل مؤسسة التمويل الدولية، وهي إحدى مؤسسات مجموعة البنك الدولي، على ثلاث جبهات لزيادة توجيه التمويل الخاص نحو البلدان النامية: إنشاء مشروعات تلبي هيكل “المخاطر والعائد” الذي يبحث عنه المستثمرون في العادة؛ وبناء القدرات فيما بين المؤسسات المالية المحلية؛ وتطبيق تصنيفات ومعايير محددة تحديداً جيداً لتوجيه المستثمرين في جهودهم.
وقد أطلقت مؤسسة التمويل الدولية مشروعات مؤهلة للاستفادة من التمويل المصرفي لزيادة الاستثمارات في مجالات تتراوح من طاقة الرياح إلى الأسمنت والصلب، وتقوم حاليا بتفعيل منصات تعبئة عالمية وتمويل ميسر مختلط للحد من مخاطر الاستثمارات في التكنولوجيات والمجالات الجديدة.
كما تعمل على الصعيد المحلي لمساعدة المؤسسات المالية على قياس التمويل الأخضر والإبلاغ عنه – بما في ذلك من خلال شبكتها المصرفية والتمويلية المستدامة التي تضم 40 بلداً عضواً، وتمثل 43 تريليون دولار (86%) من إجمالي الأصول المصرفية في اقتصادات الأسواق الصاعدة.
كما وضعت المؤسسة إرشادات للتمويل الأزرق والسندات الخضراء وتمويل التنوع البيولوجي، مما ساعد على فتح أسواق السندات الخضراء والزرقاء في مختلف أنحاء العالم، وتوسيع محفظة التمويل الأزرق الخاصة بها إلى 750 مليون دولار على مدى العامين الماضيين.
كيف يتدفق التمويل المناخي في جميع أنحاء العالم؟
تُعد الاستثمارات المتعلقة بالمناخ، لا سيما في بعض أفقر بلدان العالم، بالغة الأهمية ويمكن أن تحقق فوائد إنمائية كبيرة، على سبيل المثال، بالنسبة لبلدان الساحل الخمسة في أفريقيا – بوركينا فاصو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر – فإن استثمار 16 مليار دولار من اليوم وحتى عام 2030 يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في زيادة الحصول على الطاقة، واستصلاح الأراضي، والتوسع في تقديم خدمات المياه والصرف الصحي الحيوية، وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
ستكون هناك حاجة إلى منح وتمويل من جهات مانحة متعددة وبنوك تنمية متعددة الأطراف لمساعدة هذه البلدان على بناء قدرتها على الصمود والتكيف والنمو. وللتمويل الميسَّر، على وجه الخصوص، دور رئيسي في تمويل المشروعات التي قد لا تكون قادرة على جذب رؤوس الأموال الخاصة بطرق أخرى.
للمساعدة في توفير تريليونات الدولارات اللازمة للتمويل المناخي، لدى البنك الدولي العديد من مبادرات التمويل للمساعدة في سد فجوة التمويل، بما في ذلك ما يلي:
1. توسيع نطاق العمل المناخي عن طريق خفض الانبعاثات (SCALE)، وهو صندوق استئماني جديد متعدد الشركاء لتقديم التمويل المناخي المستند إلى النتائج – حيث يُقدَّم التمويل عند تحقيق النتائج المتفق عليها. وسيجمع الصندوق التمويل من المجتمع الدولي – بما في ذلك من البلدان المانحة والقطاع الخاص ومؤسسات العمل الخيري المعنية – ويتولى تقديمه على نطاق واسع للبرامج الأكثر تأثيراً التي تعمل على الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مع ضمان أن يشمل الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية على نحو عادل، والاعتراف بدورها البالغ الأهمية في الحد من الانبعاثات. ويعتمد الصندوق الجديد على 20 عاماً من خبرة البنك في دعم المشروعات التي تحقق اعتمادات خفض الانبعاثات التي تتسم بمستوى مرتفع من الجودة والنزاهة باستخدام التمويل المناخي المستند إلى النتائج.
2. تعبئة رؤوس الأموال الخاصة للاستثمار في البنية التحتية منخفضة الكربون القادرة على تحمل تغير المناخ.، على سبيل المثال، يقدم برنامج التوسع في استخدام الطاقة الشمسية مجموعة من الخدمات تتضمن عمليات تمويل وتأمين تنافسية لإنشاء أسواق للطاقة الشمسية تمتلك مقومات البقاء. وتعمل مجموعة البنك على تطبيق هذا النهج على طاقة الرياح البرية والبحرية، والشبكات المُصغَّرة، وتحلية المياه، وأنظمة النقل الجماعي.
3. تعزيز تمويل الحد من مخاطر الكوارث. دائماً ما كان البنك الدولي يأخذ زمام المبادرة على مستوى العالم في اختبار الحلول المالية في البلدان النامية وتوسيع نطاقها لمساعدتها على التغلب على الآثار المالية لتغير المناخ والكوارث والأزمات الأخرى مثل جائحة كورونا.
ويقدم البنك، من خلال الصندوق العالمي لتمويل مواجهة المخاطر التابع له، على سبيل المثال، أكثر من ملياري دولار لتمويل المشروعات.
بالإضافة إلى هذا، تدعم مبادرة تمويل الحد من مخاطر الكوارث في أفريقيا برامج التأمين الزراعي التي تتيح حصول المزارعين ذوي الدخل المنخفض في كينيا، وأيضاً في أوغندا ورواندا، على الائتمان.
وسيعتمد برنامج الدرع العالمي لمواجهة مخاطر تغير المناخ الذي تم الإعلان عنه مؤخراً على هذه الجهود لدعم توسيع نطاق تمويل أنشطة الحد من مخاطر الكوارث والتأمين ضدها، على النحو المتفق عليه في قمة مجموعة السبع في وقت سابق من هذا العام.
إحداث تغيير في المستقبل
لا يقتصر العمل المناخي على إدارة المخاطر فحسب، بل يتعلق أيضاً باغتنام الفرص الجديدة، فالأسواق في جميع أنحاء العالم تشهد تحولاً لتحقيق استفادة أكبر من الإمكانات التي تسبب انبعاثات كربون أقل والأكثر مراعاة للبيئة، وتفضيل السلع منخفضة الكربون، والانتقال نحو مسارات تنمية أكثر اخضراراً وأكثر قدرة على الصمود من أجل إحداث تحوُّل في الأماكن التي يعيش فيها الناس.
في مصر، بدأ تطوير مبانٍ خضراء للإسكان ميسور التكلفة في منطقة القاهرة الكبرى حيث تجعل الحكومة المناخ جزءاً لا يتجزأ من مبادراتها التنموية.
وتتوافق هذه المباني مع نظام الهرم الأخضر لتقييم المباني، مع وجود ممارسات تراعي المناخ تبدأ بتحديد مواقع المباني بحيث يحقق أقصى قدر من تدفق الهواء في أنحاء الوحدات.
ويبلغ سُمك الجدران تقريباً ضعف سُمك جدران الوحدات السكنية ميسورة التكلفة القائمة بالفعل، ومن المتوقع أن ينخفض استهلاك هذه المباني من الطاقة بنسبة 24-50% مقارنة بالمباني التقليدية، وسيجري تركيب ألواح شمسية كهروضوئية على كل منها لتزويدها بالكهرباء.
وفي غانا، مكَّنت جهود قادها أحد المواطنين العاصمة أكرا من سرعة بناء مستشفى تنخفض فيه صافي الانبعاثات إلى الصفر في بداية تفشي جائحة كورونا. فقد أخذ المهندس المعماري كوفي إيسيل-أبيا زمام المبادرة لوضع تصميم المستشفى في أكرا، من دون مقابل، “لضمان انخفاض تكلفة التبريد، وعدم فقدان الطاقة، واتخاذ تدابير جيدة لتوفير المياه.”
المهندس كوفي إيسيل-أبيا من أكرا يصمم مركز مكافحة الأمراض المعدية خالي من الانبعاثات بطاقة 100 سرير، وقد ساهم المئات من المهنيين والاستشاريين وعمال البناء بوقتهم لبناء مركز مكافحة الأمراض المعدية في غانا بطاقة 100 سرير، وهو الأول من نوعه في البلاد.
وتقل تكلفة تشغيل المبنى الذي ينخفض فيه صافي الانبعاثات إلى الصفر نحو 30% عن تكلفة تشغيل أي مبنى تقليدي بعد العام الأول، يقول إيسيل-أبيا: “كان علينا أن نتعمق في التفكير.






تعليق واحد