يترقب مشروع تطوير أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في السعودية تطورات مهمة خلال العام الجاري (2026)، في خطوة من شأنها تعزيز مكانة المملكة بوصفها لاعبًا رئيسيًا في سوق الوقود النظيف عالميًا.
وكشفت تحديثات حديثة عن تفاصيل جديدة بشأن مشروع ينبع للهيدروجين الأخضر، الذي يُعد ثاني مشروع هيدروجين عملاق في المملكة بعد مشروع نيوم، إذ من المقرر تنفيذه على ثلاث مراحل متتالية بدلًا من تنفيذه دفعة واحدة.
ويأتي هذا المشروع ضمن الاستراتيجية السعودية الرامية إلى التحول إلى أحد أكبر مصدري الوقود منخفض الكربون في العالم، مستفيدة من وفرة موارد الطاقة المتجددة، إلى جانب البنية التحتية الصناعية واللوجستية المتطورة في مدينة ينبع المطلة على البحر الأحمر.
ومن المنتظر أن يشهد المشروع محطة حاسمة خلال عام 2026 مع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID)، تمهيدًا لبدء التنفيذ الفعلي للمجمع الذي يُعوَّل عليه في دعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط.

مشروع ينبع للهيدروجين الأخضر
سيُنفَّذ مشروع ينبع على ثلاث مراحل متتابعة، في خطوة تهدف إلى خفض المخاطر الاستثمارية والتشغيلية، ومواكبة تطورات الطلب العالمي على الهيدروجين والأمونيا الخضراء.
ويستهدف المشروع الوصول إلى قدرة إجمالية تبلغ نحو 4 جيجاواط من التحليل الكهربائي، ما يجعله أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في السعودية، وبقدرة تقارب ضعف مشروع نيوم الذي تبلغ قدرته 2.2 جيجاواط.
وتعمل الشركة المطورة حاليًا على استكمال الدراسات الفنية والتجارية للمشروع، مع توقع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي خلال عام 2026.
ويُنظر إلى تقسيم المشروع إلى ثلاث مراحل باعتباره نهجًا أكثر مرونة، يسمح بتوسعة القدرات الإنتاجية تدريجيًا وفق تطورات الطلب العالمي، خصوصًا في الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تُعد الوجهة الرئيسية لصادرات الأمونيا الخضراء.
إنتاج الهيدروجين والأمونيا
يقع المشروع في مدينة ينبع الصناعية على ساحل البحر الأحمر، ويعتمد على منظومة متكاملة تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتحليل الكهربائي، وصولًا إلى إنتاج الأمونيا الخضراء ومرافق التصدير.
وتشير الخطط إلى إمكانية دمج ما يصل إلى 10 جيجاواط من الطاقة المتجددة، إلى جانب 4.4 جيجاواط من أجهزة التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ومن المتوقع أن ينتج المشروع نحو 400 ألف طن سنويًا من الهيدروجين الأخضر، تُحوَّل إلى ما بين 2.2 و2.5 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء المخصصة للتصدير.
كما يستهدف المشروع بدء التشغيل التجاري بحلول عام 2030، ليصبح أحد أكبر مراكز إنتاج الوقود النظيف عالميًا.
وشهد المشروع تقدمًا في العقود الهندسية، حيث فازت شركتا تكنيكاس ريونيداس الإسبانية وسينوبك قوانجتشو الهندسية الصينية بعقد التصميم الهندسي الأولي (FEED)، الذي يستمر لمدة 10 أشهر.
كما اختيرت شركة توبسو الدنماركية لتوريد تقنية إنتاج الأمونيا الخضراء، بما يتيح تحويل الهيدروجين المنتج إلى أمونيا قابلة للنقل والتصدير.

تصدير الأمونيا إلى أوروبا
وفي فبراير 2026، وقّعت السعودية مذكرة تفاهم مع شركاء أوروبيين لإنشاء ممر تجاري لنقل الأمونيا الخضراء من المملكة إلى أوروبا، عبر ميناء روستوك الألماني، حيث تُعاد معالجتها وتحويلها إلى هيدروجين للاستخدام في السوق الألمانية.
ويمثل هذا الممر أحد أبرز مشروعات الربط بين الشرق الأوسط وأوروبا في قطاع الهيدروجين، ويعزز فرص السعودية في الوصول المباشر إلى أحد أكبر أسواق الطاقة النظيفة عالميًا.
ويأتي مشروع ينبع ضمن المرحلة الثانية من طموحات المملكة في الهيدروجين الأخضر بعد مشروع نيوم، الذي تجاوزت نسبة إنجازه 80%، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج التجاري خلال عام 2027.
ويستهدف مشروع نيوم إنتاج نحو 1.2 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء اعتمادًا على 4 غيغاواط من الطاقة المتجددة.
أما مشروع ينبع، فيُتوقع أن يتفوق عليه من حيث الحجم والإنتاج، ما يجعله مرشحًا ليكون أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في المملكة وأحد أكبر المشاريع عالميًا.
وتنسجم هذه المشروعات مع مستهدفات السعودية لإنتاج نحو 4 ملايين طن سنويًا من الهيدروجين منخفض الكربون بحلول عام 2030، وترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا لتصدير الوقود النظيف.

رؤية تحليلية
لا يمثل مشروع ينبع مجرد توسع صناعي جديد، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا في موقع السعودية داخل منظومة الطاقة العالمية، من دولة منتجة للنفط إلى لاعب رئيسي في سوق الطاقة النظيفة.
فالمشروع لا يقتصر على إنتاج الهيدروجين، بل يمتد إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تشمل إنتاج الطاقة المتجددة، والتحليل الكهربائي، وإنتاج الأمونيا، والبنية التحتية للتصدير.
كما أن تقسيم المشروع إلى ثلاث مراحل يعكس نهجًا اقتصاديًا حذرًا ومرنًا، يربط التوسع الفعلي بنمو الطلب العالمي والعقود التجارية طويلة الأجل.
ويمثل هذا التوجه نموذجًا جديدًا في إدارة مشروعات الطاقة الكبرى، حيث لا يُبنى على التوسع السريع فقط، بل على استدامة الطلب وجدوى السوق.





