أخبارصحة الكوكب

من التسمير إلى السرطان.. كيف تغيّر المناخ قواعد التعرض للشمس؟

الأشعة فوق البنفسجية والتغير المناخي.. علاقة خفية تهدد صحة البشر

تشهد معدلات الإصابة بسرطان الجلد ارتفاعًا ملحوظًا على مستوى العالم، رغم التقدم الكبير في تقنيات الحماية من أشعة الشمس وزيادة الوعي بمخاطر التعرض لها. ففي الولايات المتحدة، تضاعفت حالات الإصابة أكثر من ثلاث مرات بين عامي 1975 و2021، بينما سجلت كندا زيادة بنسبة 17% في حالات الميلانوما، أخطر أنواع سرطان الجلد، خلال عام واحد فقط.

هذا الاتجاه التصاعدي يطرح تساؤلات مهمة حول الأسباب الكامنة وراءه، خاصة في ظل توفر واقيات الشمس وتحسن استراتيجيات الوقاية. ويرجح خبراء أن الظاهرة ناتجة عن تداخل عدة عوامل، يأتي في مقدمتها تغير المناخ، الذي يسهم في زيادة التعرض للأشعة فوق البنفسجية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتدهور طبقة الأوزون، إضافة إلى تأثيرات التلوث الجوي.

وتُعد طبقة الأوزون خط الدفاع الأول ضد الأشعة فوق البنفسجية، إذ تعمل كحاجز طبيعي يحمي الأرض. إلا أن تآكلها بفعل مركبات كيميائية طويلة العمر، مثل الكلوروفلوروكربونات، أدى إلى زيادة نفاذ هذه الأشعة الضارة.

ومع استمرار تأثير هذه المركبات في الغلاف الجوي، تتفاقم المشكلة عبر ما يُعرف بالتأثيرات التآزرية، التي تجمع بين ارتفاع الإشعاع، والتلوث، والحرارة.

الإقبال على التسمير يحمل مخاطر صحية كبيرة

ولا يقتصر تأثير هذه العوامل على سرطان الجلد فقط، بل يمتد ليشمل تفاقم أمراض جلدية أخرى، مثل الإكزيما والصدفية، نتيجة التعرض للحرارة المرتفعة وتلوث الهواء ودخان حرائق الغابات.

التسمير الآمن

كما يسهم تغير المناخ في تغيير أنماط الحياة، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الوقت الذي يقضيه الأفراد في الهواء الطلق، خاصة في المناطق الشمالية التي كانت تتمتع بمناخ أكثر برودة، مثل كندا ودول اسكندنافيا، ما يزيد من فرص التعرض للأشعة الضارة.

ويشير خبراء إلى أن التعرض للشمس يرتبط أيضًا بعوامل نفسية وبيولوجية، إذ يحفّز إنتاج الإندورفين، ما يجعل التعرض لها شعورًا ممتعًا، وهو ما يفسر الإقبال على التسمير، إلا أن هذا السلوك يحمل مخاطر صحية كبيرة، إذ لا يوجد ما يُعرف بـ”التسمير الآمن”.

ومن الظواهر اللافتة ما يُعرف بـ”مفارقة واقي الشمس”، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن مستخدمي واقيات الشمس قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بسرطان الجلد، ليس بسبب المنتج نفسه، بل نتيجة شعورهم الزائف بالأمان، ما يدفعهم لقضاء وقت أطول تحت أشعة الشمس أو استخدامه بشكل غير كافٍ.

ويُعد سرطان الجلد الأكثر شيوعًا في الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يصاب به واحد من كل خمسة أشخاص خلال حياتهم. وينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: سرطان الخلايا القاعدية، وسرطان الخلايا الحرشفية، والميلانوما، وهو الأخطر بينها.

تضر واقيات الشمس بالبيئة البحرية
تضر واقيات الشمس بالبيئة البحرية

ورغم أن الميلانوما أقل شيوعًا، فإنه الأكثر فتكًا، إذ تنخفض معدلات النجاة بشكل كبير في حال انتشاره إلى الأعضاء الداخلية. كما تظهر فجوات واضحة في معدلات الوفيات، حيث ترتفع بين ذوي البشرة الداكنة بسبب تأخر التشخيص.

التسمير الصناعي سبب زيادة الإصابات

وتشير الدراسات إلى أن الأشعة فوق البنفسجية العالمية زادت بنحو 3% بين عامي 1979 و2010، خاصة في مناطق خطوط العرض الوسطى، ما يعزز فرضية ارتباط تغير المناخ بزيادة المخاطر الصحية.

كما يلعب التسمير الصناعي دورًا كبيرًا في زيادة الإصابات، خاصة بين الشباب، إذ ترتفع احتمالات الإصابة بالميلانوما بشكل كبير لدى مستخدمي أجهزة التسمير، خصوصًا النساء دون سن الثلاثين.

ويُعد المراهقون من الفئات الأكثر عرضة للخطر، حيث يؤدي التعرض لحروق شمس شديدة في سن مبكرة إلى زيادة احتمالات الإصابة بسرطان الجلد لاحقًا بشكل كبير.

وتكمن خطورة الأشعة فوق البنفسجية في قدرتها على تدمير الكولاجين والإيلاستين في الجلد، ما يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة وظهور التجاعيد، إلى جانب دورها في إحداث طفرات جينية مسببة للسرطان.

التلوث الخفي على الشواطئ.. مواد التجميل تهدد الأمن البيئي والغذائي
التلوث الخفي على الشواطئ.. مواد التجميل تهدد الأمن البيئي والغذائي

وفيما يتعلق بالوقاية، يؤكد الخبراء أهمية الجمع بين عدة وسائل، مثل ارتداء الملابس الواقية، واستخدام القبعات، وتجنب التعرض للشمس في أوقات الذروة، إلى جانب الاستخدام الصحيح والمتكرر لواقيات الشمس.

وتنقسم واقيات الشمس إلى نوعين رئيسيين: كيميائية تمتص الأشعة، ومعدنية تعكسها. ورغم فعاليتها، أُثيرت مخاوف بشأن تأثير بعض مكوناتها على الصحة، مثل احتمال اضطراب الهرمونات، وكذلك تأثيرها البيئي، خاصة على الشعاب المرجانية.

فوائد واقيات الشمس تفوق مخاطرها

ورغم هذه المخاوف، يشدد الخبراء على أن فوائد واقيات الشمس تفوق مخاطرها، مؤكدين أن الاستخدام المنتظم والصحيح لها يظل أحد أهم وسائل الوقاية من سرطان الجلد.

وفي المقابل، شهدت العلاجات الطبية تقدمًا ملحوظًا، خاصة مع تطوير العلاجات المناعية والعلاجات الموجهة، ما ساهم في خفض معدلات الوفيات، رغم ارتفاع أعداد الإصابات.

كما تتواصل الأبحاث لفهم الآليات الجزيئية للمرض، بما في ذلك دور بعض البروتينات في تنظيم نمو الخلايا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية في المستقبل.

في المجمل، تعكس هذه الظاهرة تداخل العوامل البيئية والسلوكية والتكنولوجية، ما يستدعي تبني نهج شامل يجمع بين الوقاية، والتوعية، والابتكار الطبي، لمواجهة أحد أكثر أنواع السرطان انتشارًا في العالم.

لا توجد بيانات دقيقة تربط بين استخدام واقيات الشمس وارتفاع معدل سرطان الجلد

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة