الأغذية فائقة المعالجة ترفع مخاطر القلب والسرطان والوفاة.. فهل توجد كمية آمنة؟
كل 100 جرام إضافية يوميًا من الأغذية فائقة المعالجة ترتبط بزيادة مخاطر صحية
تحتل الوجبات الخفيفة المعبأة والمشروبات السكرية والأطعمة الجاهزة والمعكرونة سريعة التحضير مساحة كبيرة من النظام الغذائي الحديث، لكن السؤال عن الكمية التي يمكن تناولها بأمان لم يجد حتى الآن إجابة واضحة.
دراسة جديدة جمعت نتائج عشرات الدراسات طويلة الأمد لم تتمكن هي الأخرى من تحديد حد آمن واضح، لكنها وجدت أن كل زيادة قدرها 100 جرام يوميًا، أي نحو 3.5 أوقية، في استهلاك الأغذية فائقة المعالجة ارتبطت بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، والسكري، والوفاة لأي سبب.
وشملت الدراسة 51 دراسة سابقة تابعت بالغين مع مرور الوقت، بإجمالي 8,819,894 شخصًا، تراوحت أعمارهم المتوسطة بين نحو 24 و77 عامًا.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Family Medicine and Community Health.
لكن الباحثين شددوا على أن هذه النتائج تُظهر ارتباطًا إحصائيًا وليس علاقة سببية مؤكدة؛ أي إنها لا تثبت أن الأغذية فائقة المعالجة تسببت مباشرة في الأمراض التي ظهرت لدى المشاركين.
القلب كان الأكثر تأثرًا بكل زيادة في الكمية

قارن الباحثون أولًا بين الأشخاص الذين تناولوا أكبر كميات من الأغذية فائقة المعالجة وأولئك الذين تناولوا أقل الكميات.
وكان الأشخاص الأكثر استهلاكًا لهذه المنتجات أكثر عرضة للإصابة بعدد من المشكلات الصحية.
فقد ارتبط أعلى استهلاك بزيادة قدرها 31% في خطر أمراض الجهاز الهضمي، و27% في خطر الاكتئاب أو القلق، بينما ارتفع خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية والأحداث القلبية الوعائية المرتبطة بها بنسبة 24%.
كما ارتبط الاستهلاك الأعلى بزيادة قدرها 24% في خطر متلازمة التمثيل الغذائي أو السكري، و23% في خطر السمنة، و12% في خطر السرطان، و18% في خطر الوفاة لأي سبب.
وبعد ذلك انتقل الباحثون من مقارنة أعلى وأقل المستهلكين إلى دراسة العلاقة مع كل زيادة مقدارها 100 جرام يوميًا.
ووجدوا أن كل 100 جرام إضافية يوميًا ارتبطت بزيادة قدرها 14% في خطر الأحداث القلبية الوعائية، و11% في خطر ارتفاع ضغط الدم.
كما ارتبطت الزيادة نفسها بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان بنسبة 4%، والوفاة لأي سبب بنسبة 3%، ومتلازمة التمثيل الغذائي أو السكري بنسبة 2%.
وكانت مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية هي الأكثر ارتفاعًا مع كل زيادة في كمية الأغذية فائقة المعالجة.
وقال شياو ليو، أحد المؤلفين الرئيسيين الثلاثة للدراسة، والباحث في كلية الطب Duke-NUS في سنغافورة وقسم أمراض القلب في مستشفى صن يات-سن التذكاري التابع لجامعة صن يات-سن في مدينة قوانغتشو الصينية، إن حجم تقديرات المخاطر القلبية الوعائية كان من أكثر النتائج التي لفتت انتباهه.
100 جرام ليست «خطًا أحمر

رغم أن الدراسة وجدت زيادة قابلة للقياس في المخاطر مع كل 100 جرام إضافية يوميًا، فإن الباحثين لا يعتبرون هذه الكمية حدًا يفصل بين الغذاء «الآمن» و«الضار».
وأوضح ليو أن رقم 100 جرام يمثل متوسط التأثير عبر مجموعة البيانات بأكملها، وليس خطًا واضحًا يفصل بين مستوى آمن وآخر غير آمن.
وعند سؤال الباحثين عن كمية محددة يمكن اعتبارها آمنة، لم يتمكنوا من تحديدها.
وقال ليو إن الأدلة الحالية لا تسمح بتحديد عتبة آمنة بوضوح، ويرجع ذلك جزئيًا إلى احتمال وجود حدود مختلفة لتأثير الغذاء بالنسبة إلى أمراض مختلفة.
وبحسب تقييم الباحثين لقوة الأدلة، كانت الثقة في النتائج متوسطة بالنسبة للسمنة، ومنخفضة لمعظم النتائج الصحية الأخرى، ومنخفضة جدًا بالنسبة لارتفاع ضغط الدم.
ما المقصود بالأغذية فائقة المعالجة؟

الأغذية فائقة المعالجة هي منتجات جاهزة للأكل أو تحتاج إلى التسخين فقط، وتخضع عادةً لعمليات صناعية مكثفة وتحتوي على عدة إضافات.
وغالبًا ما تكون هذه المنتجات مرتفعة في السكر والملح، ومنخفضة نسبيًا في الألياف والبروتين والفيتامينات والمعادن.
ويستخدم الباحثون في كثير من الدراسات نظام تصنيف يعرف باسم NOVA، الذي يصنف الأغذية وفق درجة معالجتها الصناعية، وليس وفق محتواها الغذائي فقط.
وفي الولايات المتحدة، وفرت الأغذية فائقة المعالجة 53% من السعرات الحرارية التي استهلكها البالغون خلال الفترة من 2021 إلى 2023.
ولحساب المخاطر، جمع الباحثون نتائج 51 دراسة تابعت المشاركين مستقبلًا، واستمرت فترة المتابعة في بعض الدراسات لعامين فقط، بينما امتدت في دراسات أخرى إلى 32 عامًا.
لماذا قد تكون هذه الأغذية مرتبطة بالمخاطر الصحية؟

يشير الباحثون إلى أن الأغذية فائقة المعالجة غالبًا ما تكون عالية السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية، وقد تؤدي خصائصها إلى تناول الطعام بسرعة أكبر والشعور بالشبع في وقت متأخر.
كما يمكن أن تؤدي عمليات التسخين المستخدمة أثناء التصنيع إلى تكوين مركبات مثل الأكريلاميد، الذي ربطته دراسات سابقة بأمراض القلب.
لكن الباحثين يلفتون أيضًا إلى احتمال آخر يتعلق بالإضافات الغذائية.
فالأدلة الأولية تشير إلى أن مزيجًا من عدة إضافات قد يكون له تأثير مختلف أو أكبر من تأثير كل مادة منفردة، فيما أطلق عليه الباحثون اسم «تأثير الكوكتيل».
وقال ليو إن الأغذية فائقة المعالجة لا توفر فقط كميات زائدة من السكر والملح والدهون، وإنما تعرض المستهلك أيضًا لمزيج معقد من الإضافات التي قد تتفاعل مع بعضها.
لكن هذه التفاعلات لا تزال موضع دراسة، ولا توجد حتى الآن أدلة كافية لتحديد الدور الذي يلعبه كل مزيج من الإضافات في المخاطر الصحية المختلفة.
جميع الدراسات اعتمدت على ما يقوله المشاركون عن طعامهم، من أهم القيود في الدراسة أن جميع الدراسات الـ51 اعتمدت على التقارير الذاتية عن النظام الغذائي.
فالمشاركون سجلوا ما يأكلونه من خلال استبيانات، أو استدعاء ما تناولوه خلال الـ24 ساعة السابقة، أو عبر سجلات وتاريخ غذائي.
وهذه الطريقة قد تتأثر بأخطاء التذكر أو عدم الإبلاغ عن بعض الأطعمة. وغالبًا ما يقلل الأشخاص من تقدير استهلاكهم للمشروبات السكرية والأطعمة المقلية، ويرى مؤلفو الدراسة أن مثل هذه الأخطاء قد تجعل الروابط التي تظهر في البيانات تبدو أضعف، وليس أقوى.
كما أن تصنيف NOVA واسع للغاية.
فهو قد يضع بعض أنواع خبز الحبوب الكاملة، والزبادي غير المحلى، والمنتجات القائمة على المكسرات ضمن الفئة نفسها التي تضم المشروبات الغازية والحلوى واللحوم المصنعة.
وهذا لا يعني أن جميع هذه المنتجات تحمل المخاطر نفسها.
وقد ربطت دراسات أخرى بعض المنتجات المصنفة ضمن الأغذية فائقة المعالجة، بما فيها بعض المنتجات القائمة على المكسرات، بانخفاض مخاطر أمراض القلب.
ولهذا يشك الباحثون في أن جميع المنتجات الموجودة ضمن الفئة الواسعة نفسها تحمل التأثير الصحي ذاته.
الدراسة لا تجيب عن سؤال: أي الأطعمة أخطر؟
لم يكن عدد كافٍ من الدراسات التي جُمعت في التحليل يقسم الأغذية فائقة المعالجة إلى منتجات منفصلة، ولذلك لم يتمكن الباحثون من تحديد أي المنتجات تحديدًا تقف وراء المخاطر المرصودة.
كما أشارت دراسة حديثة أخرى إلى احتمال أن تكون جودة النظام الغذائي ككل أكثر أهمية للصحة من مجرد درجة معالجة الطعام.
ويرى الباحثون أن الدراسات المقبلة ينبغي أن تجمع معلومات أكثر تفصيلًا عن كميات السكر المضاف والألياف والصوديوم وجودة الدهون، وأن تبحث عن مستويات استهلاك يمكن تطبيقها على مجموعات سكانية مختلفة.
هل توجد كمية آمنة فعلًا؟
حتى الآن، لا تستطيع الدراسة تحديد كمية محددة يمكن وصفها بأنها «آمنة».
وهذا لا يعني أن تناول أي كمية من الأغذية فائقة المعالجة سيؤدي حتمًا إلى المرض، كما أن الدراسة لا تثبت أن المعالجة الصناعية نفسها هي السبب المباشر لكل المخاطر المرصودة.
لكن النتائج تشير إلى وجود ارتباط متدرج بين زيادة الاستهلاك وارتفاع عدد من المخاطر الصحية، مع اختلاف قوة الأدلة من نتيجة إلى أخرى.
وبحسب ليو، فإن النصيحة العملية التي يمكن استخلاصها من الأدلة الحالية هي محاولة تقليل الأغذية فائقة المعالجة قدر الإمكان، مع الاتجاه نحو الأغذية الطازجة أو الأقل معالجة ونمط حياة أكثر صحة.
وقدم قاعدة بسيطة للتعرف على المنتجات شديدة المعالجة: عندما يكون الطعام معبأً، يمكن النظر إلى قائمة مكوناته؛ فإذا كانت طويلة وتحتوي على عدد كبير من المكونات غير المعتادة في مطبخ المنزل، فقد يكون ذلك مؤشرًا على ارتفاع درجة معالجته.
ما زال السؤال الأكبر بلا إجابة
تظل إحدى أهم المشكلات أن فئة «الأغذية فائقة المعالجة» واسعة جدًا، وتضم منتجات تختلف اختلافًا كبيرًا في مكوناتها وقيمتها الغذائية.
كما أن الأشخاص الذين يتناولون كميات كبيرة منها قد يختلفون عن غيرهم في النشاط البدني، والنظام الغذائي العام، والوضع الاجتماعي أو غير ذلك من العوامل التي يصعب فصل تأثيرها بالكامل في الدراسات الرصدية.
ولم تشمل الدراسات أي شخص يقل عمره عن 18 عامًا، كما جاءت معظم البيانات من أوروبا والأمريكتين، وكانت النساء يشكلن غالبية المشاركين في عدد من الدراسات الكبيرة.
ويريد الباحثون في المرحلة المقبلة الانتقال من السؤال العام «كمية الأغذية فائقة المعالجة؟» إلى أسئلة أكثر دقة، مثل: أي المنتجات تحديدًا؟ وما المكونات المسؤولة؟ وهل تختلف المخاطر بحسب نوع الطعام والسكان والمرض؟
وبينما لا يزال تحديد هذه الإجابات يحتاج إلى مزيد من الدراسات، تشير النتائج الحالية إلى أن لا توجد حتى الآن عتبة واحدة واضحة يمكن عندها القول إن استهلاك الأغذية فائقة المعالجة أصبح آمنًا.





