هل ينقذ الذكاء الاصطناعي كوكب الأرض؟.. المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها
رغم وعود ثورة الذكاء الاصطناعي.. هل تعرقل الرأسمالية إنقاذ المناخ؟
تتزايد الرهانات على الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة محتملة لمواجهة تغير المناخ، من تحسين كفاءة الطاقة المتجددة وتطوير تقنيات تخزين الكهرباء إلى تعزيز التنبؤات الجوية وتسريع الابتكار العلمي. لكن امتلاك التكنولوجيا القدرة على تقديم حلول مناخية لا يعني بالضرورة أن هذه الحلول ستُطبَّق بالسرعة أو النطاق اللازمين لحماية الكوكب.
هذه هي الفكرة المحورية التي يطرحها الكاتب نوح جوردون في مقال نشرته مجلة «جاكوبين» الأمريكية، متناولًا تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على المساهمة في معالجة أزمة المناخ، ومشيرًا إلى أن العقبة قد لا تكون تكنولوجية فقط، بل اقتصادية وسياسية أيضًا.
ويرى المقال أن مستقبل الذكاء الاصطناعي المناخي سيتوقف بدرجة كبيرة على الجهة التي تتحكم في هذه التكنولوجيا، والأهداف التي تُوجَّه لخدمتها، وما إذا كانت الحكومات ستتمكن من إخضاع الشركات الكبرى لقواعد تضمن توجيه الابتكار نحو المصلحة العامة.
جنسن هوانج: الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحويل مسار أزمة المناخ
في مقابلة مع الصحفي الأمريكي إزرا كلاين، نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في سبتمبر 2026، أقر جنسن هوانغ بأن العالم سيستخدم مزيدًا من الوقود الأحفوري خلال السنوات الأربع أو الخمس المقبلة، لكنه أعرب في الوقت نفسه عن تفاؤله بإمكانات التحول إلى الطاقة المستدامة خلال العقد المقبل.
ودعا رئيس إنفيديا إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتسريع هذا التحول، مشيرًا إلى إمكانات تقنيات الطاقة الشمسية والنووية والاندماج النووي والطاقة الكهرومائية.
لكن تصريحاته، بحسب تحليل جوردون، لا تقدم مسارًا محددًا يوضح كيف ستتحول هذه الإمكانات إلى خفض فعلي لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. فالتفاؤل بالتكنولوجيا لا يساوي ضمانًا لتحقيق نتائج مناخية ملموسة.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن أزمة المناخ لا تنتظر اكتمال الابتكارات المستقبلية؛ إذ يتطلب الحد من الاحترار العالمي خفض الانبعاثات الحالية، إلى جانب تطوير حلول جديدة للتكيف مع الآثار التي باتت تتفاقم بالفعل.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دعم التحول الأخضر؟
لا ينكر المقال الإمكانات العلمية للذكاء الاصطناعي، بل يلفت إلى مجالات يمكن أن يقدم فيها مساهمة حقيقية في مواجهة الأزمة المناخية.
ومن أبرز هذه المجالات:
- تحسين الطاقة المتجددة: تطوير التنبؤات بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وتحسين إدارة الشبكات الكهربائية ورفع كفاءتها.
- تطوير تقنيات تخزين الكهرباء: المساعدة في اكتشاف مواد جديدة يمكن أن تتيح بطاريات أكثر كفاءة، بما يدعم الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.
- تحسين التنبؤات الجوية: تحليل كميات ضخمة من البيانات لتطوير توقعات الطقس والمخاطر المناخية، بما يساعد في الاستعداد للكوارث.
- تسريع الابتكار العلمي: دعم أبحاث المواد والطاقة النظيفة، والمساهمة في تطوير بدائل غذائية أقل تأثيرًا في البيئة.
- تطوير تقنيات إزالة الكربون: المساعدة في البحث عن وسائل لخفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، رغم أن توسيع هذه التقنيات إلى مستويات مؤثرة يظل تحديًا كبيرًا.
ويشير المقال إلى أبحاث يقودها فريق مرتبط بنيكولاس ستيرن في كلية لندن للاقتصاد، تتناول الإمكانات المحتملة للذكاء الاصطناعي في تحسين التنبؤات الجوية وكفاءة الطاقة المتجددة وتنافسية البروتينات البديلة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه التطبيقات لا يتوقف على قدرة الخوارزميات وحدها، بل يتطلب تمويلًا وبنية تحتية واستثمارات وسياسات تسمح بتحويل النتائج العلمية إلى حلول قابلة للتوسع.
المفارقة: الذكاء الاصطناعي قد يخدم الوقود الأحفوري أيضًا
من أبرز المخاطر التي يناقشها المقال أن الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجيا خضراء بطبيعته؛ إذ يمكن توظيف قدراته في تحسين عمليات استخراج النفط والغاز، وخفض تكاليف الحفر، ورفع دقة تحديد مواقع الموارد الأحفورية.
وينقل الكاتب عن دراسة منشورة في مجلة «نيتشر» أن مكاسب الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز قد تتجاوز التحسينات التي يحققها في قطاع الطاقة المتجددة.
وتطرح هذه النتيجة مفارقة مهمة: التكنولوجيا نفسها التي قد تساعد على تحسين إنتاج الطاقة النظيفة يمكن أن تجعل استخراج الوقود الأحفوري أكثر كفاءة وربحية، بما قد يطيل عمر الاعتماد عليه.
وهنا تظهر أهمية الحوافز الاقتصادية. فإذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي في استخراج النفط يحقق عائدًا سريعًا للشركات، بينما تتطلب مشروعات الطاقة النظيفة استثمارات طويلة الأجل أو تواجه عوائق تنظيمية وتمويلية، فلا يوجد ما يضمن أن تتجه الاستثمارات تلقائيًا إلى المسار الأكثر فائدة للمناخ.
لذلك، فإن تقييم أثر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على ما يستطيع فعله تقنيًا، بل يجب أن يشمل كيفية استخدامه فعليًا، والقطاعات التي تستفيد منه، والنتيجة النهائية التي يتركها على الانبعاثات.
التكنولوجيا وحدها لا تجبر الشركات على التخلي عن الوقود الأحفوري
حتى إذا نجح العلماء في تطوير بطاريات أفضل أو تقنيات أقل تكلفة لتوليد الكهرباء النظيفة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أصحاب محطات الغاز أو خطوط أنابيب الوقود الأحفوري سيتخلون عن أصولهم فورًا.
فالشركات التي استثمرت مبالغ ضخمة في البنية التحتية التقليدية لديها حوافز اقتصادية للاستمرار في تشغيلها واسترداد تكاليفها، ما لم تتغير القواعد التي تحكم السوق أو تصبح البدائل النظيفة أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية والتنظيمية.
ويوضح المقال أن بعض الصناعات يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى نماذج منخفضة الانبعاثات، بينما تواجه صناعات أخرى، مثل تعدين الفحم، تهديدًا مباشرًا من التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
وبالنسبة إلى الشركات التي ترتبط أرباحها باستمرار استخدام هذه الموارد، قد يمثل التحول المناخي تهديدًا لنموذج أعمالها، وليس مجرد تحدٍ تقني يمكن تجاوزه بابتكار جديد.
ومن ثم، لا يكفي أن تكون التكنولوجيا النظيفة متاحة؛ بل يجب أيضًا أن توجد سياسات تحفز استخدامها، وتحد من استمرار الأنشطة الأعلى تلويثًا عندما تتوافر بدائل عملية.
من إنكار تغير المناخ إلى التشكيك في جدوى مواجهته
يتناول الكاتب كذلك أوجه التشابه بين الخطاب الذي عارض التحرك المناخي لعقود، وبعض الخطابات التي تروج اليوم للتكنولوجيا باعتبارها قادرة على معالجة الأزمات الكبرى دون تغييرات اقتصادية أو سياسية عميقة.
ففي مراحل سابقة، استُخدمت الشكوك حول حقيقة تغير المناخ لتبرير تأجيل التحرك، رغم تراكم الأدلة العلمية على أن النشاط البشري يسهم في الاحترار العالمي.
أما اليوم، فيرى المقال أن بعض الحجج المناهضة للتحرك المناخي تستند إلى أن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري قد يكون غير مجدٍ، أو أن تأثيره سيكون محدودًا ما دامت دول أخرى تواصل الانبعاثات، أو أنه سيضر بالنمو الاقتصادي.
ويربط جوردون هذه الحجج بما وصفه الباحث ألبرت هيرشمان في كتابه «بلاغة رد الفعل» بثلاثة أنماط من الاعتراض على الإصلاح: الادعاء بأن الإصلاح سيؤدي إلى نتائج عكسية، أو أنه لن يحقق شيئًا، أو أنه سيهدد مصالح أخرى مهمة.
وفي سياق المناخ، قد يُستخدم هذا المنطق للقول إن خفض استخدام الغاز لن يفيد إذا زادت دول أخرى من حرق الفحم، أو إن الطاقة المتجددة لا تستطيع منافسة الوقود الأحفوري، أو إن القيود البيئية تهدد النمو الاقتصادي.
لكن المقال يلفت إلى أن عدم اليقين بشأن المستقبل لا يبرر تجاهل المخاطر الحالية، كما أن احتمالات تحقيق اختراقات تكنولوجية لا تعني أن العالم يستطيع تأجيل خفض الانبعاثات انتظارًا لهذه الاختراقات.
هل يصرف الذكاء الاصطناعي الأنظار عن أزمة المناخ؟
يرى المقال أن تصاعد المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي، سواء من مخاطره المحتملة أو من قدرته على إحداث تحولات هائلة، قد يزاحم قضية المناخ على اهتمام الحكومات والجمهور.
ويطرح الكاتب مفارقة تتعلق بالتفاؤل المفرط بالذكاء الاصطناعي: فإذا اعتقد صناع القرار أن التكنولوجيا ستصل قريبًا إلى مستوى خارق من الذكاء، فقد يميل بعضهم إلى التقليل من إلحاح الاستثمار في الحلول المناخية الحالية، وكأن الابتكار المستقبلي سيعالج الأضرار تلقائيًا.
لكن هذا المنطق ينطوي على مخاطرة، لأن النتائج المحتملة للذكاء الاصطناعي ليست محسومة، ولا توجد ضمانات بأن التطورات المقبلة ستنتج حلولًا مناخية شاملة، أو أنها ستصل في الوقت المناسب لتجنب أسوأ الأضرار.
وفي المقابل، يحذر الكاتب من رفض قدرات الذكاء الاصطناعي لمجرد التشكيك في دوافع الشركات التي تطوره. فكون شركات التكنولوجيا تسعى إلى جذب الاستثمارات أو توسيع نفوذها لا يعني بالضرورة أن جميع تحذيراتها أو توقعاتها بشأن قدرات التكنولوجيا خاطئة.
وتكمن القضية، وفق هذا الطرح، في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بواقعية: الاعتراف بقدراته ومخاطره المحتملة، من دون السماح للوعود المستقبلية بأن تصبح ذريعة لتأجيل معالجة الأزمات القائمة.
من يملك التكنولوجيا ومن يحدد أولوياتها؟
يصل المقال إلى أن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقديم حلول لأزمة المناخ، بل ما إذا كان النظام الاقتصادي والسياسي قادرًا على توجيه هذه القدرات نحو أهداف تتجاوز تعظيم الأرباح الخاصة.
فالشركات تعمل في بيئة تنافسية تدفعها إلى تسريع تطوير منتجاتها وتوسيع حصتها في السوق. وقد تجد الشركات نفسها تحت ضغط الاستمرار في سباق التكنولوجيا حتى عندما تثير بعض التطبيقات مخاطر بيئية أو اجتماعية، خشية أن يسبقها منافسون في الولايات المتحدة أو الصين.
ويضاف إلى ذلك أن مراكز البيانات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي تتطلب الكهرباء والبنية التحتية، ما يجعل أثر توسعها البيئي مرتبطًا بمصادر الطاقة التي تعتمد عليها، وكفاءة تشغيلها، والطلب المتزايد على قدرات الحوسبة.
ولا يعني ذلك أن كل توسع في الذكاء الاصطناعي يؤدي بالضرورة إلى زيادة صافية في الانبعاثات؛ فقد تحقق تطبيقاته وفورات في قطاعات أخرى. لكن تحديد المحصلة البيئية يتطلب النظر إلى استهلاك الطاقة والموارد من جهة، والانبعاثات التي يمكن تجنبها بفضل هذه التكنولوجيا من جهة أخرى.
ويرى جوردون أن الاعتماد على التنظيم الذاتي للشركات لا يكفي لضمان أن تتجه الابتكارات إلى المصلحة العامة، داعيًا إلى دور حكومي أكبر في توجيه القطاع.
ما الذي تحتاجه سياسات الذكاء الاصطناعي المناخي؟
يفتح هذا الطرح الباب أمام مجموعة من السياسات التي يمكن أن تربط التقدم التكنولوجي بأهداف التحول الأخضر، بدلًا من ترك اتجاهاته رهينة الحوافز التجارية وحدها.
ومن أبرز المسارات الممكنة:
- وضع قواعد واضحة لقياس استهلاك الطاقة والانبعاثات المرتبطة بمراكز البيانات وتوسعات الذكاء الاصطناعي.
- تشجيع تشغيل البنية التحتية الرقمية بالكهرباء منخفضة الانبعاثات، مع تجنب الاعتماد المتزايد على محطات الوقود الأحفوري.
- دعم الأبحاث العامة والتقنيات التي تحقق منافع مناخية واسعة، حتى عندما لا توفر عائدًا تجاريًا سريعًا.
- ربط الحوافز والاستثمارات الحكومية بنتائج بيئية قابلة للقياس، لا بمجرد الوعود التقنية.
- إخضاع الشركات الكبرى لمساءلة تنظيمية تتناسب مع تأثيرها في أسواق الطاقة والاقتصاد والمجتمع.
- مواصلة خفض الانبعاثات الحالية والتكيف مع آثار تغير المناخ، بدلًا من تأجيل التحرك انتظارًا لاكتشافات مستقبلية.
ولا تعني هذه الإجراءات أن الحكومات يجب أن تختار بين الابتكار والتنظيم، بل إن التنظيم الفعال قد يساعد على ضمان أن يخدم الابتكار أهدافًا اجتماعية وبيئية واضحة.
الخلاصة: إنقاذ المناخ يحتاج إلى أكثر من ذكاء الآلات
يحمل الذكاء الاصطناعي فرصًا حقيقية لتسريع الأبحاث وتحسين كفاءة الطاقة وتطوير تقنيات جديدة، لكنه قد يعزز أيضًا قطاعات الوقود الأحفوري، ويزيد الطلب على الكهرباء والموارد، إذا توسع دون ضوابط أو توجيه مناسب.
ولهذا، فإن التعويل على التكنولوجيا وحدها لا يقدم ضمانًا لمواجهة أزمة المناخ. فالاختراق العلمي لا يتحول تلقائيًا إلى سياسة عامة، والحل الأقل تكلفة تقنيًا لا يصبح بالضرورة الخيار الذي تفضله الشركات، والقدرة على خفض الانبعاثات لا تعني أن أصحاب المصالح سيقبلون التخلي عن مصادر أرباحهم من دون حوافز أو قواعد ملزمة.
والرسالة الأساسية في تحليل جوردون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي المناخي لن تحدده قدرات الآلات وحدها، بل أيضًا القرارات التي تتخذها الحكومات والمجتمعات بشأن ملكية التكنولوجيا وتنظيمها وتوزيع منافعها وتكاليفها.
فإذا كان الهدف هو تسخير الذكاء الاصطناعي لحماية الكوكب، فإن التحدي لا يقتصر على ابتكار حلول أكثر ذكاءً، بل يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية وسياسية تضمن استخدامها لخفض الانبعاثات وتسريع التحول الأخضر، بدلًا من توظيفها أساسًا لتعظيم الأرباح، حتى لو جاء ذلك على حساب المناخ.





