أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

مدن العالم تهبط تدريجيًا.. لماذا تخفي المتوسطات العامة أخطر مناطق الغرق؟

هبوط الأرض يهدد المدن الساحلية.. أحياء تتراجع أسرع بكثير من المناطق المجاورة

تشهد مدن حول العالم هبوطًا مقلقًا في سطح الأرض، لكن ذلك لا يعني أن جميع المناطق داخل المدينة الواحدة تهبط بالمعدل نفسه؛ فقد تتأثر بعض الأحياء بدرجة أكبر بكثير من المناطق المجاورة، مع عواقب خطيرة على السكان والبنية التحتية.

ويُعد هبوط الأراضي، وهو الانخفاض التدريجي في مستوى سطح الأرض، مشكلة حضرية عالمية.

وغالبًا ما يؤدي التوسع العمراني السريع إلى الإفراط في استخراج المياه الجوفية، ما يتسبب في انضغاط الرواسب الموجودة تحت سطح الأرض وهبوط الأراضي فوقها، وتتفاقم مخاطر الفيضانات بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة غزارة الأمطار المرتبطة بتغير المناخ.

وقدّرت دراسة حديثة أن نحو 71% من سكان المناطق الساحلية حول العالم يعيشون في مناطق تتعرض لهبوط الأراضي، وكثير منها مناطق مكتظة بالسكان وتواجه بالفعل تهديدات ناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر.

وأتاح التطور في تقنيات الرصد بالأقمار الصناعية للباحثين قياس معدلات هبوط الأراضي داخل المدن بدقة مكانية عالية.

وفي دراسة جديدة نُشرت في دورية «نيتشر سيتيز» (Nature Cities)، استخدم فريق من العلماء الصينيين صورًا التُقطت بالأقمار الصناعية على مدار تسع سنوات لتقييم 465 مدينة كبرى حول العالم.

ووجد الباحثون أن المدن الآسيوية تسجل أسرع معدلات هبوط للأراضي، وأن المدن في البلدان النامية تهبط أراضيها عمومًا بمعدلات أسرع مقارنة بالمدن الواقعة في البلدان الأكثر ثراءً.

لكن الاتجاهات العامة على مستوى المدينة قد تخفي تفاوتات كبيرة بين أحيائها، وهو ما يحمل تداعيات مهمة على تحديد المناطق التي تحتاج إلى حماية أكبر من الفيضانات.

جاكرتا.. واحدة من أسرع مدن العالم هبوطًا

هبوط الأرض يهدد المدن الساحلية

برزت هذه المشكلة بوضوح في أبحاث أُجريت على العاصمة الإندونيسية جاكرتا، التي أصبحت أكبر مدن العالم من حيث عدد السكان، وظلت لسنوات مثالًا بارزًا للمدن التي تواجه خطر هبوط الأراضي.

وتقع أجزاء كبيرة من جاكرتا بالفعل تحت مستوى سطح البحر، وقد يؤدي استمرار هبوط الأراضي إلى وقوع مزيد من المناطق تحت هذا المستوى.

ولا تتوزع معدلات الهبوط بالتساوي داخل المدينة؛ إذ تُظهر نمذجة أُجريت للفترة من 2016 إلى 2024 أن بعض المناطق الساحلية الشمالية تهبط بمعدل يصل إلى 7 سنتيمترات سنويًا.

خرائط توضح تفاوت معدلات هبوط الأراضي في جاكرتا بين عامي 2016 و2024، مع تسجيل أسرع المعدلات في مناطق بالشمال الغربي، وتعرض إحدى الخرائط جميع البيانات، بينما تقتصر الأخرى على النقاط التي تتمتع بدرجة أعلى من الموثوقية.

وتزيد طبيعة جاكرتا من تعرضها للفيضانات؛ فهي مدينة دلتا منخفضة تقع في المناطق المدارية، وتعبرها 13 نهرًا، ما يجعلها معرضة للفيضانات النهرية والمدّ البحري على حد سواء.

ويؤدي هبوط الأراضي إلى زيادة تواتر هذه الفيضانات وشدتها. ففي المناطق الساحلية الشمالية، مثل موارا أنغي، حيث تنتشر المستوطنات غير الرسمية، قد تتكرر الفيضانات يومًا بعد يومين، ما يفاقم معاناة بعض الفئات الأكثر هشاشة في المدينة.

هبوط الأراضي مشكلة تخطيط وإدارة للمياه

لمواجهة هذه المخاطر، أنشأت جاكرتا شبكة من الحواجز البحرية وبوابات التحكم في المياه وأنظمة الأحواض المحمية والسدود ومحطات الضخ.

وتحتاج مدن ساحلية أخرى في جزيرة جاوة، وهي أكثر جزر العالم اكتظاظًا بالسكان، إلى إجراءات مماثلة. وتوجد بالفعل خطط لإنشاء حاجز بحري عملاق يمتد على مساحات واسعة من الساحل الشمالي لجزيرة جاوة.

لكن الحواجز والمنشآت المخصصة للحماية من الفيضانات لن تكون كافية وحدها لحماية جاكرتا وغيرها من مدن جاوة، ما لم تترافق مع تغييرات في منظومة التخطيط العمراني وإدارة المياه.

ولم يُدمج هبوط الأراضي بصورة كاملة في خطط إدارة الفيضانات في جاكرتا إلا في وقت قريب نسبيًا، فقد أُدخلت لوائح تنظيم استخراج المياه الجوفية عام 2021، وبدأ تطبيقها عام 2023، رغم أن المشكلة كانت موضع نقاش لأكثر من ثلاثة عقود.

وتتمثل إحدى المشكلات الأساسية في غياب إمدادات موثوقة من المياه عبر شبكات الأنابيب، ما يدفع المباني السكنية والمنشآت التجارية الكبرى إلى استخراج المياه الجوفية لتلبية احتياجاتها.

ورغم تحسن تطبيق القواعد التنظيمية، لا يزال إنفاذها صعبًا؛ إذ يصعب التحكم في المياه الجوفية ومراقبتها لأنها مورد غير ظاهر تحت سطح الأرض، ويمكن استخراجها من مصادر يصعب تتبعها.

هبوط الأرض يهدد المدن الساحلية

هل يمكن عكس هبوط الأراضي؟

يمكن عكس هبوط الأراضي الناتج عن الإفراط في استخراج المياه الجوفية في بعض الحالات. فعندما تتجدد مخزونات المياه الجوفية، قد يرتفع سطح الأرض مجددًا.

لكن ذلك لا يعني أن وقف استخراج المياه الجوفية بصورة فورية سيوقف الهبوط مباشرة؛ إذ قد تستمر الأرض في الهبوط حتى بعد وقف الضخ، ولذلك، تبرز الحاجة إلى إدارة تكيفية طويلة الأجل، تدعمها منظومة شاملة للسياسات تجمع بين تنظيم المياه الجوفية والرقابة على استخراجها وإدارة إمدادات المياه على نطاق أوسع.

شهدت أجزاء من مدينة لاس فيغاس هبوطًا تجاوز مترًا واحدًا خلال القرن العشرين، نتيجة الإفراط في استخراج المياه الجوفية.

وقد أثبتت إعادة ضخ المياه إلى باطن الأرض لتجديد الخزانات الجوفية فعاليتها في إدارة هبوط الأراضي في أماكن مثل لاس فيغاس وشنغهاي.

لكن تطبيق النهج نفسه ليس سهلًا في جاكرتا، حيث ينتج هبوط الأراضي عن مجموعة من العوامل، من بينها فقدان المياه في أعماق الأرض.

ويجعل ذلك معالجة المشكلة عملية معقدة تقنيًا ومكلفة، ما يعزز أهمية تنظيم استخراج المياه الجوفية وتوفير إمدادات موثوقة عبر شبكات المياه.

هبوط الأرض يهدد المدن الساحلية

الحل يبدأ من فهم الفروق بين الأحياء

رغم أن هبوط الأراضي مشكلة عالمية، فإن العوامل التي تحركها تختلف من مكان إلى آخر، ولا يمكن التعامل معها بفاعلية من دون فهم الأنماط المحلية.

فأسباب هبوط الأراضي وآثاره تتشكل بفعل طبيعة التنمية العمرانية، وأساليب إدارة المياه، إلى جانب السياسات والقرارات الأخرى التي تؤثر في تطور المدن.

ومع استمرار هبوط الأراضي في مدن العالم، تبرز الحاجة إلى متابعة التغيرات على المستوى المحلي بصورة متواصلة، ويمكن للمتوسطات المحسوبة على مستوى المدينة بأكملها أن توضح حجم المشكلة عمومًا، لكنها لا تكشف وحدها عن المناطق التي تهبط أراضيها بأسرع معدل أو عن السكان الذين يعيشون فيها.

وتحديد هذه المناطق والفئات السكانية المتضررة يمثل خطوة أساسية لتوجيه الاستثمارات والإجراءات الوقائية إلى الأماكن الأكثر احتياجًا، وتعزيز قدرة المدن على مواجهة الفيضانات والحد من الخسائر الناجمة عن هبوط الأراضي.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى