د.مصطفى مكى السنباطى: هل ينقذ الاقتصاد الأخضر العالم من ويلات التغيرات المناخية؟
دكتوراة الاقتصاد الأخضر /كلية الدراسات الأسيوية العليا / جامعة الزقازيق

التغيرات المناخية
“مصطلح يحوى فى طياته الكثير فهو نتاج التعامل بإسلوب خاطئ مع الموارد ومصادر الطاقة دون مراعاة الأبعاد البيئية وقد تسبب ذلك فى كوارث ومشاكل تضر البشرية”.
ما هى التغيرات المناخية
هى التحولات التى تحدث فى درجات الحرارة وأنماط الطقس ولكن فى الأجل الطويل وقد تحدث هذه التغيرات بطريقة طبيعية وذلك بسبب ما يحدث فى الدورة الشمسية وقد تحدث بطريقة غير طبيعية بسبب الوقود الأحفورى المتمثل فى (الفحم والبترول والغاز) , والذى ينتج عن احتراقهم ما يسمى بالغازات الدفيئة التى تصبح بمثابة عازل حول الأرض يتم تشبيهه بالبيوت الزجاجية يعمل على حبس حرارة الشمس .
وتعتبر التغيرات المناخية من أكبر المشكلات التى تفرض نفسها وتواجه الدول الغنية والفقيرة على حدٍ سواء وذلك فى الوقت الحالى والمستقبل ويتركز ذلك فيما تخلفه من آثاٍر سلبية على التجمعات البشرية والبيئة ومن المتوقع أن تكون الدول النامية صاحبة النصيب الأكبر وذلك لضعف اقتصاداتها وسيرها البطئ فى طريق التنمية وضعف قدراتها فى التكيف مع التغيرات المناخية.

اسباب التغيرات المناخية :
من الأسباب التى أدت إلى التغيرات المناخية هذه العلاقات المتداخلة بين العوامل المختلفة مثل العوامل الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية وقد ترجم ذلك كله النشاطات البشرية فى القطاعات المختلفة مثل استخدام الوقود الأحفورى فى الصناعة وتوليد الطاقة والكيماويات والمبيدات فى العمليات الزراعية والتعدى على الغابات ومحاولة إزالتها لصالح الكتلة السكنية أو للأغراض الصناعية والطاقة دون النظر إليها.
وهى التى تعتبر رئة العالم التى يتنفس بها حيث تستهلك ثانى أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين علاوة على عدم التعامل مع النفايات بالتخلص منها بالطرق السليمة أو إعادة تدويرها واستخدامها فكل هذا وأكثر قد ترتب عليه نتائج أدت إلى ظهور التغيرات المناخية الناتجة عن تصاعد الغازات الدفيئة والمتسبب فيها الممارسات البشرية والتى ازداد تراكمها منذ الثورة الصناعية حتى تفاقم وأصبح يمثل خطراً يهدد البشرية جمعاء , وعلى سبيل المثال نجد أن من يتصدر الدول الصناعية الكبرى فى نسب الانبعاثات الصين تأتى فى المرتبة الأولى ثم الولايات المتحدة .

الغازات الدفيئة :
وهى الغازات التى تمتص الأشعة تحت الحمراء أى أنها تمتص الطاقة الحرارية وهذه الأشعة يتم انبعاثها من سطح الأرض ثم تنعكس لتعود مرة أخرى للأرض مسببة ما يسمى بالاحتباس الحرارى ومن أهم هذه الغازات :
– ثانى اكسيد الكربون CO2 :
حيث يمثل حوالى 55% من الغازات الدفيئة في وقتنا الحاضر والذى تزايد معدله بعد الثورة الصناعية نتيجة الاستخدام المستمر للطاقة الأحفورية ( الفحم , البترول, الغاز ) ومع أنه ضرورى لبقاء الحياه على كوكب الأرض حيث يستخدمه النبات في عمليات البناء الضوئى والذى ينتج عنه كميات كبيرة من الأكسجين ولكن يصبح خطراً إذا تراكم في الطبقات العليا للجو أى طبقات الغلاف الجوى حيث يعمل كعازل يمنع انتقال الحرارة من الغلاف الجوى إلى الفضاء الخارجى ومن هنا تكون درجة حرارة الغلاف الجوى دائما مرتفعة وقد وصل مستواه في مارس 2022 الى 418.28 جزء من المليون وهو بزيادة 2.8 جزء في المليون مما كان عليه فى 2021 م .
– الميثان CH4 :
فقد أصبح معدل تركيزه الآن 151% منذ الثورة الصناعية علاوة على الاستمرارية في زيادة معدلات التركيز نتيجة لتزايد الأنشطة البشرية وتكمن خطورته أنه يعادل حوالى 20% من تأثير جميع الغازات الدفيئة فإن تأثيره أكبر من ثانى أكسيد الكربون بحوالى 28 مرة علاوة على أنه يتحلل في الطبقات العليا للجو إلى كربون وهيدروجين حيث يتحد الكربون مع الأكسجين لينتج ثانى أكسيد الكربون ويتحد الهيدروجين مع الأكسجين ليكون بخار الماء , وتعتبر الزراعة من أكبر المساهمين في انبعاثات غاز الميثان حيث ينتج من زراعات الأرز فى عملية تسمى ( توليد الميثان ) , وعدم إعادة تدوير مياه الصرف الصحى , ومدافن القمامة والنفايات وما يترتب عليها من تحلل للمواد العضوية , وتربية الماشية حيث ينتج عن تخمر الغذاء في أحشائها بما يسمى ( التخمر المعوى ) , وعند استخراج النفط والغاز وتسمى ( الانبعاثات المتسربة ).
– اكسيد النيتروز N2o :
وهو ينتج عن الزيادة المستمرة في استخدام الأسمدة الأزوتية ( النيتروجينية ) في الزراعة , والنشاطات الحيوية للبكتريا في التربة , وعوادم الطائرات ويقدر تأثيره بحوالى 6% من إجمالى الغازات الدفيئة وهو أقوى من CO2 بحوالى 265 ضعف .
– كلورو فلورو كربون CFCs :
وهو مجموعة من الغازات المختلفة والتى تستخدم في عمليات التبريد والتكييف , والمزيبات الصناعية , وصناعة العطور وهذه الغازات تستمر لفترات طويلة في طبقات الجو علاوة على تأثيرها على طبقة الأوزون وهى تعادل حوالى 14% من التاثير الكلى للغازات الدفيئة وهى تفوق قدرة CO2بالآف المرات فى التأثير
النتائج المترتبة على التغيرات المناخية :
يترتب على التغيرات المناخية مجموعة من النتائج الغير طيبة والتى تؤثر على القطاعات المختلفة بل وعلى الحياة على كوكب الأرض ومنها :
– ارتفاع مستوى المحيطات نتيجة لذوبان الأنهار والصفائح الجليدية مما يؤثر على المدن والشواطئ وتعرضها للفيضانات .
– ارتفاع درجة حموضة مياه البحار والمحيطات نتيجة لامتصاصها ثانى أكسيد الكربون مما يؤثر على الأحياء المائية والشعاب المرجانية بها بسبب نقص الأكسجين .
– حدوث ظواهر جوية أكثر تطرفاً تتمثل فى موجات الجفاف التى تضرب مناطق متفرقة وكذلك موجات الحر والفيضانات والذى يتسبب فى انعدام الأمن الغذائى نتيجة إتلاف الأراضى والمحاصيل الزراعية لدرجة أنه قد لا يتاكد زراعة محصول بعينه على مدار السنة فى منطقة ما .
– حدوث هجرة مما يؤثر على التركيبة السكانية فى أماكن كثيرة مع حدوث عجز فى المواد الغذائية والمياه .

درجة الحرارة المرصودة عالمياً من وكالة ناسا (الخط الأسود) مقارنةً بمعدل درجات الحرارة بين عامي 1850-1900 الذي وضعته الحكومة الدولية المعنية بتغير المناخ قبل الثورة الصناعية.
وهنا يظهر( الخط الاحمر ) وهو يمثل النشاط البشرى ويمثل ( الخط الاخضر) بعض العوامل البسيطة الاخرى
دور الاقتصاد الأخضر للحد من تأثير التغيرات المناخية على القطاعات المختلفة :
يساعد الاقتصاد الأخضر فى وضع مجموعة من الحلول التى تسهم فى تقليل الغازات الدفيئة المتسببة فى الاحتباس الحرارى والتغيرات المناخية وذلك بالتعامل مع كل قطاع بصورة مستقلة .
قطاع الزراعة
يعتبر قطاع الزراعة مسئولً عن حوالى 30% من حجم انبعثات الغازات الدفيئة حيث استخدام الأسمدة الآزوتية في الزراعة , والنشاطات الحيوية للبكتريا في التربة تؤدى إلى انطلاق أكسيد النيتروز وهو من الغازات الدفيئة , ويأتى الاقتصاد الأخضر ليشجع استخدام الأسمدة العضوية كبديل للأسمدة الكيماوية وذلك للحد من انطلاق أكسد النيتروز الذى يفوق تاثير CO2 بحوالى 265 ضعف .
ويعتبر الميثان من الغازات الدفيئة قصيرة العمر مقارنة بـ ثانى أكسيد الكربون حيث يبلع متوسط عمر الميثان 12 سنة تقريبا وثانى أكسيد الكربون الذى يستمر لقرون عديدة ومن هنا نجد أن تخفيض انبعاث غاز الميثان يؤدى إلى تقليل تركيزه فى الغلاف الجوى وبالتالى يمكن التقليل من الاحتباس الحرارى لذلك فان الاقتصاد الأخضر يتعامل مع مصادر غاز الميثان لتقليل انبعاثاته مثل إعادة تدوير مياه الصرف الصحى والصناعى والزراعى حيث تعتبر مصدر لغاز الميثان الذى يعادل تأثيره 28 ضعف لـ CO2 .
حيث يستخدم هذه المياه فى زراعة الغابات الشجرية ونباتات الجوجوبا والجتروفا والقطن وأشجار التوت والنباتات العطرية والصبار واشجار الزينة , وكل ذلك يساعد على التخلص من هذه المياه ويؤدى إلى امتصاص جزء من 2 COويعمل على أطلاق غاز الأكسجين كما يعمل على تثبيت التربة ومكافحة التصحر , وعلى توفير للمياه النظيفة والمحافظة على المياه الجوفية بمقدار ما يتم تدويره .
كما يدعم الاقتصاد الأخضر التغيير فى طرق رى المحاصيل الزراعية وطريقة الزراعة وذلك لتوفير المياه العذبة والتى يمكن توسيع الرقعة الزراعية بها والتى بدورها تمتص المزيد من CO2 و تنتج الأكسجين .
الحفاظ على الغابات من التدهور والاستهلاك ومحاولة استعادتها وإعادة التحريج وغرس الأشجار فى الأراضى غير الحرجية لأنها من أهم مصارف الكربون الطبيعية ومن وسائل عزل ثانى اكسيد الكربون كما تعتبر رئة العالم الذى يتنفس بها حيث تستهلك الكربون وتنتج الأكسجين.
قطاع الصناعة
يعتبر هذا القطاع هو المسئول عن النصيب الأكبر للانبعاثات وذلك لاستخدامه الطاقة الأحفورية بكثافة , ويعتبر إنتاج الصلب والأسمنت مسؤول عن حوالي 13٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الخاص بالصناعة ففي هذه الصناعات ، تلعب المواد كثيفة الكربون مثل فحم الكوك والجير دورًا أساسيًا في الإنتاج ، لذا فإن تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التوصل إلى مواد بديلة وأقل في أضرار الانبعاثات .
فرض ضرائب الكربون
حتى يتم التحول إلى مصادر طاقة منخفضة الكربون ومنتجات منخفضة الكربون وبذلك يمكن الحد من الانبعاثات الكربونية الضارة على البيئة وصحة الإنسان .
الاستثمار الاخضر
حيث يتم التركيز على المشروعات التى تلتزم بالحفاظ على البيئة , والحد من التلوث والانبعاثات الكربونية , وإدارة النفايات وإنتاج المنتجات الخضراء .
الصكوك الخضراء
وهى تعتمد على الاستثمار في المشروعات المحافظة على البيئة والتى تستخدم طاقات نظيفة ومتجددة.
اعادة التدوير
وهو تحويل المنتج الذى أصبح نفايات وذلك فى ظل ظروف معينه أو بسبب التقادم إلى مواد ذات فائدة تمثل قيمة مضافة يمكن الاستفادة منها وذلك عن طريق إجراء بعض العمليات عليه لتحويله إلى مادة قابلة للاستخدام مرة أخرى أو تدخل فى تركيب منتج جديد سواء بشكل كلى أو جزئى مثال
– تحويل المواد أو الأجهزة المختلفة الغير صالحة للاستخدام والتى أصبحت ليس لها قيمة مادية وتم إرسالها لأماكن الطمر أى أن هذه المواد المستخدمة فى إعادة التدوير ليس لها قيمة مادية حقيقية ولكن بعد إجراء العمليات عليها تصبح ذات قيمة مادية حقيقية .
– المواد الناتجة من عملية إعادة التدوير يمكن استخدامها فى إنتاج بعض المنتجات الجديدة أو تستخدم فى أداء خدمة جديدة أو يمكن جعلها للاستخدام البشرى أو الحيوأنى بطريقة مباشرة , أو تجميعها وإعادة بيعها وهو ما يعرف بنقطة البيع عوضا من رميها وذلك للحصول على مبالغ وبهذا يتم تقليل استخدام الطاقة والموارد وبالتالى التقليل من حجم الانبعاثات .
قطاع الطاقة
الاقتصاد الاخضر يهتم باستخدام الطاقات البديلة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المياه والطاقة الحرارية الأرضية لأنها مصادر إنتاج طاقة صديقة للبيئة وتقلل من الانبعاثات الكربونية .





