د.محمد عبد العزيز بلح: التصحر وآثاره على الآمن الغذائي فى الدول العربية
أستاذ المبيدات ومكافحة الحشائش _ مركز بحوث الصحراء
تعتبر الأراضي الصالحة للزراعة من أهم الثروات الطبيعية في الدول العربية التي يجب المحافظة عليها و حمايتها، لكن تواجه العديد من المشاكل، ومن أهمها التصحر الذى يعتبر أحد التهديدات الخطيرة التي يحتمل زيادة معدلاته إذا استمر الضغط عليها واستنزافها بقدر اكبر من طاقتها على التجديد فى وجود التغيرات المناخية. التصحر يعبر عن درجة من الاختلال فى توازن النظام البيئي حيث تتدهور خصائص الأرض وتنخفض إنتاجيتها الى الدرجة التي تصبح عاجزه عن توفير متطلبات الحياه الضرورية للإنسان وممتلكاته من الحيوانات فى المناطق الجافة وشبه الجافة.
كما أن للتصحر آثارا بيئية واجتماعية واقتصاديه سيئة على المنطقة العربية و من الآثار البيئية نقص التنوع الحيوي وتغير في المناخ المحيط بالإنسان على المدى البعيد حيث الارتفاع في درجات الحرارة. ومن الآثار الاقتصادية انخفاض في إنتاجية المزارع ونقص مستمر في دخل المزارعين وضعف قدرتهم على الادخار وهذا يؤثر بدوره على الناتج المحلي الزراعي ومساهمته في الناتج القومي وتحميل الدول العربية أعباء إضافيه نتيجة استيراد المزيد من المنتجات الغذائية لسد العجز الغذائي، والذي لا يخلو من ضغوط سياسية.
وبدون تدارك هذا الأمر والتخفيف من آثار التصحر لا يمكن تحقيق الأمن الغذائي بل ممكن أن يؤدى الى فقدان التحكم بكل من المصير الاقتصادي والاستقلال السياسي. كما تتضح الآثار الاجتماعية للتصحر فى تسارع هجرة سكان الريف والرعاة والبدو إلى المدن طلبا للرزق بعد ان انخفضت إنتاجية أراضيهم وفقدوا لفرص المتاحة للعمل.
تعرف اتفاقية الامم المتحدة 1995 التصحر بأنه تدهور الأراضي في المناطق الجافة وشبه الجافة الناتج عن الأنشطة البشرية والاختلافات المناخية، وتشمل الأرض في هذا المفهوم التربة وموارد المياه والغطاء النباتي.
يعرف تدهور الأراضي بأنه انخفاض أو فقدان الإنتاجية والتنوع الحيوي للأراضي بصفة مؤقته أو دائمه، وتشمل كافة الأراضي سواء كانت أراضي زراعيه (مروية أو بعلية أو مطرية) أو أراضي مراعي أو غابات.
ومن أهم المؤشرات الطبيعية التى يمكن من خلالها قياس التصحر هو غزو الكثبان الرملية للأراضي الزراعية، وتدهور قدرات الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار تملح التربة و إزالة الغابات و الأشجار وانتشار الأنواع الغريبة الغازية من النباتات وانخفاض كمية ونوعية المياه الجوفية والسطحية، تدهور المراعي، انخفاض خصوبة الأراضي الزراعية، اشتداد نشاط التعرية المائية والهوائية، زيادة ترسبات السدود والأنهار واشتداد الزوابع الترابية وزيادة كمية الغبار في الجو ويمكن استخدام هذه المؤشرات وغيرها في تحديد حالة ودرجة التصحر في المناطق المختلفة من أقطارنا العربية.
أولا:- أسباب التصحر
ا– العوامل الطبيعية
1- الظروف المناخية (درجة انتظام الأمطار، نوبات الجفاف، اختلاف درجات الحرارة).
2-الظواهر الطبيعية (الأعاصير الزلازل والبراكين).
ب– العوامل البشرية
1- زيادة معدلات التلوث بواسطة السيارات والمصانع ومصافي التكرير ومحطات الكهرباء والماء، وزيادة المباني الإسمنتية (المناطق السكنية) على حساب الغابات والمراعي الطبيعية.
2- سوء استخدام الموارد الطبيعية مثل إزالة الأشجار والرعي الجائر، سوء استخدام التربة من خلال الزراعة المكثفة، تشبع التربة بسبب الإسراف في استخدام مياه الري ، سوء تصريف مياه الري، سوء استخدام المبيدات للقضاء على الآفات الزراعية.
ثانيا:- حالات للتصحر
1- التصحر الشديد جدا (تتحول الأرض إلى غير منتجه تماما وهذه لا يمكن استصلاحها إلا بتكاليف باهظه وفي كثير من الأحيان تصبح غير منتجة بالمرة).
2- التصحر الشديد (يقاس بانخفاض الإنتاج النباتي بحدود 50% وبانتشار النباتات غير المرغوب فيها (الأنواع الغريبة الغازية).
3- التصحر المعتدل (ينخفض الإنتاج النباتي بحدود 25%).
4- التصحر الطفيف (يتمثل بحدوث تلف أو تدمير طفيف جدا في الغطاء النباتي او التربة).
ثالثا: حجم مشكلة التصحر فى الوطن العربي
التصحر من أهم الكوارث التي تهدد مظاهر الحياة المختلفة في الوطن العربي ومازالت مستمرة بسبب سوء التخطيط الذى أدى الى الاستمرار فى فقدان الأراضي الزراعية وبتالي استمرار نقص الغذاء حيث تبلغ مساحة الوطن العربي 14.3 مليون كم 2 آي ما يقرب من 1/10 من مساحة اليابسة فى العالم وعدد سكانه فى حدود 430 مليون نسمه فى حين أن الأقاليم التي يمكن وصفها بالمطيرة لا تشغل إلا نسبة لا تزيد على 10% من مساحته الكلية آي يزيد معدل سقوط المطر بها عن 300 ملم فى العام.
بينما يقع 90% من أجزائه فى المناطق الجافة وشبه الجافة ومنها 20 % يتراوح معدل المطر السنوي ما بين 100 الى 300ملم ومنها 70% يقل معدل هطول الأمطار عن 100ملم فى العام وتمثل الصحارى الجافة، هذه المناطق في الغالب بيئات هامشية سرعان ما تتأثر بالعوامل المحيطة بها.
كما بات واقعا أن ما يقرب من35 مليون هكتار أي ما يعادل 20% من المساحة الإجمالية لأراضي الدولة العربية مهدده بالتصحر ، بينما لا تتعدى الأراضي غير المتصحرة 11.6 % من إجمالي مساحتها. وتتفاوت المساحات المهددة بالتصحر من إقليم لآخر ومن قطر لآخر مما يشير إلى تداعيات خطيره على الوطن العربي . حيث يؤدي فقدان سنتيمتر واحد من الطبقة السطحية الخصبة من التربة إلى انخفاض في إنتاج المحاصيل الزراعية بنسبة تزيد عن 2٪.
على الجانب الأخر نجد آن مساحة الأراضي المزروعة فى الوطن العربي تصل الى 65 مليون هكتار من 198 مليون هكتار أجمالي الأراضي الصالحة للزراعة، كما تقدر الموارد المائية فى الوطن العربي ب 350 مليار متر مكعب من المياه حيث يكون نصيب الأنهار منها 125 مليار متر مكعب سنويا.
و على الرغم من ذلك نجد أن الدول العربية تستورد 55 % من احتياجاتها الأساسية من المواد الغذائية بما يزيد عن 60 مليار دولار سنويا.
على الجانب الأخر صاحبة الزيادة السكانية الاستغلال غير الرشيد للأراضي الزراعية خلال الزراعات المكثفة، مما أدى الى تدهور إنتاجية مزيد من الأراضي، ففي مصر فقد 1.2 مليون فدان خلال النصف قرن الأخير أي فى المتوسط 20 ألف فدان سنويا نتيجة التعديات على الأراضي الزراعية بما يكلف خسائر تصل الى 12 مليار جنية سنويا.
رابعا: تغير المناخ والتصحر وأثرهما على الأمن الغذائي:
منذ آلاف السنين في المجتمعات الزراعية القديمة كانت درجات الحرارة وهطول الأمطار داعمه لحياة الإنسان القديم ومؤثره في التوزيع الجغرافي للسكان، لكن الآن نجد ان للعوامل المناخية لها تأثير غير مسبوق على نوعية التربة والنباتات ، فقد تؤدي إلى تعرية التربة حيث تعد احد العوامل الأساسية فى حدوث التصحر ومن أهم تأثيرات التغير المناخي قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة بالإضافة إلى موجات الجفاف الى تغطي أماكن كثيرة فى الوطن العربي، فضلا عن ظهور شح حقيقي ومتفاقم في الموارد المائية بسبب قلة المياه، حيث أن جميع هذه العوامل تجسد التأثيرات غير المباشرة على التربة كيميائيا (فقدان مغذيات التربة والتملح).
وفيزيائيا (الانكماش الكلي او ضغط للقشرة التكوينية وتآكل التربة)، كما أن عدم توفر وسائل الاستدامة النظم الزراعية التي توفر الضمانات و القدرات على التعافي من آثار التغيرات المناخية يسبب تآكل التربة بفعل الرياح والمياه وتدهور خصائص التربة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية فقدان الغطاء النباتي الطبيعي على المدى الطويل.
وترتبط قدرة الأراضي الزراعية على تحمل تأثيرات العوامل المناخية ارتباطًا وثيقًا بخصوبتها ومحتوتها من الغطاء النباتي، الأمر الذي يحدد قدرتها على مواجهة عوامل التصحر. هذه العوامل الرئيسية تؤدي الى تقليل مرونة الأراضي الزراعية للعوامل المناخية مما يزيد من معدل تدهور واستنزاف القدرات الطبيعية للأرض وتدهور قدرتها على إنتاج المحاصيل.
الجدير بالذكر ان إجمالي المساحة القابلة للزراعة فى الوطـن العـربي تبلغ حوالى 221 مليون هكتار أي مـا يقـارب 15.76% مـن مسـاحته الكلية وتتصف بتدني جودة ارضيها وقلة الإنتاجية، حيث تبلغ حجم الفجوة الغذائية 61 مليار دولار سنويا .
ويواجه العالم العربي مشكله كبيره من خلال تقلص المساحات الصالحة للزراعة وبتالي تحقيق الأمن الغذائي، خاصة وأن عدد السكان في تزايد مستمر حيث نستورد معظم احتياجاتنا من السلع الغذائية من الخارج، وسوف تزداد هذه الاعتمادية لتلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء للمجتمع العربي وعلى رأسها المواد الرئيسية (الحبوب والزيوت و اللحوم) وسيبقى هذا الوضع في السنوات القادمة.
وسيكون الوضع أكثر سوءا وخطورة في ظل تغير المناخ نتيجة زيادة فرص حدوث التصحر. فالتصحر يحدث بسبب تغير المناخ وممارسة الإنسان وبشكل أكثر تحديدً تدخل العامل البشري من زحف عمراني كما تؤدي إلى زيادة انبعاث الكربون و إلى زيادة الاحتباس الحراري الذى يحتمل آن يسبب نقص في الإنتاجية الزراعية من 15 الى 25% فى الدول العربية كما إن هذا التغير المناخي بطريقه ما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر.
وبالتالي تحدث زيادة فى تملح الأراضي والتأثير على قدرتها الإنتاجية، كما ان الممارسات البشرية وزيادة عدد السكان يؤدى الى مزيد من الضغط على الأرض الزراعية بتحويل جزء منها الى مساكن وملاجئ وبنية تحتية حيث يقتطع هذه الأجزاء من أخصب أنواع الأراضي لتقل مساحة الأراضي المنتجة مما يؤدى إلى فشل التوازن بين النمو السكاني وإنتاج الغذاء والتسبب في زيادة الفجوة الغذائية، والتي محتمل أن تكون نسبة الاكتفاء الذاتي للسلع الغذائية الرئيسية فى وضع خطيراً للغاية على العكس سيكون أفضل للسلع البستانية.
سادسا: سبل مقاومة التصحر فى الوطن العربي
هناك العديد من الوسائل والممارسات التى تهدف جميعا الى تنمية وصيانة الغطاء النباتي الطبيعي واستعادة خصوبة التربة وحمايتها من الانجراف وحسن استغلال الموارد المائية، وكذلك استخدام التكنولوجيا اللازمة للحد من تأثير العوامل المناخية ،كما يجب تبنى الإجراءات التي من شأنها التكيف مع العوامل المناخية الى جانب تأهيل الطاقات البشرية للتعامل مع ظاهرة التصحر كما يلى:
1-وضع استراتيجيات شامله لمكافحة التصحر فى الوطن العربي وجعلها قابلة لتنفيذ على المستوى المحلي فى كل بلد بسبب الطبيعة الفريدة لكل إقليم.
2- تنمية وصاية الغطاء الطبيعية بما يشمل المراعي الطبيعية وأقامه مشاريع الأحزمة الخضراء.
3- تعظيم استخدام الأراضي ويشمل انتقاء الأساليب والأنماط الزراعية السليمة التى تعمل على صيانة الأراضي من التدهور واستصلاح وتحسين التربة الجبسية و الجيرية والمتأثرة بالملوحة الى جانب الحرص التام فى إدارة الأراضي المنحدرة حيث يفضل زراعة الأراضي المنحدرة بالأشجار المثمرة .
4- تعظيم استخدام المياه بما يشمل الاستخدام الأمثل للموارد المائية السطحية والجوفية المتاحة و تطوير الاحواض والقنوات الصبابة للأودية لتقليل البخر والتسرب ، وتعميم تقنيات حفظ مياه الأمطار للاستفادة منها فى الزراعة وتقليل انجراف التربة، الاستفادة من السيول بإقامة الجسور والسدود الى جانب التخزين الجوفي فى الطبقات الجيولوجية مع التوسع فى عمليات نقل المياه لمسافات بعيده، الى جانب إعادة استخدام المياه بعد معالجتها للأغراض البشرية.
5- تشجع استخدام التكنولوجيا التي تتعامل مع مكافحة التصحر فى البلدان العربية.
6- تعزيز الوعي والمشاركة بين السكان في مكافحة التصحر بما فى ذلك خلق فرص عمل فى هذه المناطق .
7- إنشاء نظام دائم فى كل بلد لتفعيل قوانين حماية ومراقبة الأراضي الزراعية لتعزيز الاستجابات المحلية للمشاكل البيئية و للتتبع طويل المدى فى كل بلد.
8- إنشاء برامج وطنيه لتمويل المشاريع من أجل تعزيز التنمية التشاركية وتشجيع الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا الزراعية فى المناطق الصحراوية.
9- تخطيط وتنمية الأراضي طويل المدى للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة وتشجيع المزارعين على النظر إلى ما هو أبعد من المكاسب المادية.
10- استدامة المياه وتعزيز القدرة على الصمود والإنتاج الزراعي في ظل تغير المناخ.






obviously like your website but you need to test the spelling on quite a few of your posts Several of them are rife with spelling problems and I to find it very troublesome to inform the reality on the other hand Ill certainly come back again