د.محمد الصوفي: من قلب الصحراء إلى مستقبل أخضر.. مصر في COP17 وأجندة التنمية المستدامة
خبير البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو بالاتحاد الدولي لمديري المرافق
تمثل الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP17، التي تستضيفها مدينة أولان باتور في منغوليا، محطة دولية مهمة لمناقشة واحدة من أكثر القضايا البيئية إلحاحًا، وهي تدهور الأراضي والتصحر والجفاف، وما يرتبط بها من تحديات تمس الأمن الغذائي والمائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
وتأتي أهمية المؤتمر في ظل تزايد آثار تغير المناخ، وارتفاع الضغوط على الموارد الطبيعية، وتراجع قدرة النظم البيئية على توفير الخدمات الأساسية للمجتمعات.
وتحظى مشاركة مصر في هذا الحدث بأهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها دولة تتأثر بشكل مباشر بتحديات ندرة المياه وتدهور الأراضي والتغيرات المناخية، ولكن أيضًا لما تمتلكه من خبرات وطنية وإقليمية في مجالات إدارة الأراضي والمياه، ومكافحة التصحر، وإعادة استخدام الموارد، والتنمية الزراعية المستدامة.
ومن هنا، تمثل المشاركة المصرية في COP17 فرصة لتعزيز دور الدولة في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع، والهدف السادس الخاص بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي، والهدف الخامس عشر الخاص بالحياة في البر.
COP17.. من مكافحة التصحر إلى بناء القدرة على الصمود
لم تعد قضية التصحر مجرد مشكلة بيئية تتمثل في فقدان خصوبة التربة أو تراجع الغطاء النباتي، بل أصبحت قضية تنموية شاملة ترتبط بالأمن الغذائي والهجرة والفقر وندرة المياه.
ولذلك، يركز مؤتمر COP17 على أهمية التحول من السياسات التقليدية لمواجهة التصحر إلى تبني حلول متكاملة تقوم على استعادة الأراضي، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وبناء القدرة على مواجهة الجفاف.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية كبيرة بالنسبة للدول النامية، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتداخل تحديات تغير المناخ مع النمو السكاني والطلب المتزايد على المياه والغذاء والطاقة.
ومن ثم، فإن تحقيق مفهوم حياد تدهور الأراضي يمثل أحد المسارات الأساسية نحو حماية الموارد الطبيعية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
مصر وتحديات الأرض والمياه والمناخ
تواجه مصر مجموعة من التحديات البيئية المتداخلة، في مقدمتها محدودية الأراضي الزراعية، والضغط المتزايد على الموارد المائية، والتصحر، وتملح التربة في بعض المناطق، إلى جانب التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ.
ولذلك، فإن المشاركة المصرية في COP17 تتيح منصة مهمة لعرض التجارب الوطنية وتبادل الخبرات مع الدول والمنظمات الدولية.
وقد اتجهت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى تنفيذ مجموعة من المبادرات والمشروعات التي ترتبط بشكل مباشر بأهداف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وأهداف التنمية المستدامة، ومن بينها التوسع في معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي، وتطوير نظم الري، واستصلاح الأراضي، وحماية الموارد الطبيعية، والتوسع في الحلول القائمة على الطبيعة.
وتبرز هنا أهمية قطاع المياه والصرف الصحي باعتباره أحد القطاعات المحورية لتحقيق الاستدامة.
فمعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها لا تسهم فقط في توفير مورد مائي إضافي، بل تساعد كذلك على تقليل الضغوط على مصادر المياه التقليدية، ودعم الزراعة، والحد من التلوث، وتعزيز الاقتصاد الدائري.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى محطات معالجة مياه الصرف باعتبارها منشآت لا تقتصر وظيفتها على التخلص الآمن من المياه العادمة، بل تمثل جزءًا من منظومة متكاملة لاستعادة الموارد وإعادة استخدامها بصورة مستدامة.
COP17 وأهداف التنمية المستدامة
يمكن للمشاركة المصرية في COP17 أن تسهم في دعم عدد من أهداف التنمية المستدامة بصورة مباشرة.
ففيما يتعلق بالهدف الثاني: القضاء على الجوع، فإن حماية الأراضي الزراعية، وتحسين خصوبة التربة، وزيادة كفاءة استخدام المياه، تعد عناصر أساسية لضمان استدامة الإنتاج الغذائي وتعزيز الأمن الغذائي.
أما الهدف السادس: المياه النظيفة والنظافة الصحية، فيرتبط بشكل وثيق بالتوسع في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها وفقًا للمعايير البيئية والصحية المناسبة.
كما يسهم تحسين إدارة المياه في تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف وتقليل المخاطر المرتبطة بندرة الموارد المائية.
ويرتبط COP17 كذلك بالهدف الثالث عشر: العمل المناخي، حيث إن استعادة الأراضي المتدهورة، وزيادة الغطاء النباتي، وتحسين إدارة التربة، يمكن أن تسهم في تعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ، فضلًا عن دور النظم البيئية السليمة في دعم خفض الانبعاثات وامتصاص الكربون.
أما الهدف الخامس عشر: الحياة في البر، فيمثل أحد المحاور الرئيسية المرتبطة بعمل اتفاقية مكافحة التصحر، إذ يتطلب تحقيقه حماية التنوع البيولوجي، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي، واستعادة النظم البيئية المتأثرة.
نحو شراكة مصرية فاعلة للتنمية المستدامة
لا ينبغي أن تقتصر المشاركة في المؤتمرات الدولية على عرض التحديات الوطنية، بل يجب أن تتحول إلى فرصة لبناء شراكات دولية، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعرفة، وتطوير آليات التمويل الأخضر.
ومن هنا، يمكن لمصر الاستفادة من مخرجات COP17 في تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية والدول الأخرى في مجالات الإنذار المبكر بالجفاف، والإدارة الذكية للمياه، والزراعة المستدامة، واستعادة الأراضي المتدهورة.
كما تبرز أهمية إشراك الشباب والباحثين والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تنفيذ الحلول المستدامة، باعتبار أن مواجهة التصحر وتغير المناخ تتطلب تحولًا حقيقيًا في أنماط الإنتاج والاستهلاك وإدارة الموارد.
وتعد الابتكارات في مجالات معالجة المياه، والطاقة المتجددة، وإعادة استخدام المخلفات، والاقتصاد الدائري، والرقمنة البيئية، أدوات أساسية لتحقيق هذا التحول.
ومن أولان باتور، يمكن أن تتجدد الرسالة بأن حماية الأرض ليست مسؤولية بيئية فقط، بل هي استثمار مباشر في الأمن الغذائي والمائي والمناخي.
وتأتي المشاركة المصرية لتؤكد أن تحقيق الاستدامة يحتاج إلى تكامل السياسات، وتطوير التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون الدولي، من أجل مستقبل تكون فيه الأرض والمياه والإنسان في قلب ع





