أخبارالاقتصاد الأخضر

ترامب يعود إلى خنق إيران اقتصاديًا.. النفط والعملة والغذاء في مرمى «الضغط الأقصى» وطهران تدخل «اقتصاد البقاء»

من القصف إلى الحصار.. واشنطن تراهن على إنهاك الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات

عادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام سلاح العقوبات والضغط الاقتصادي في مواجهة إيران، في محاولة لإجبار طهران على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي، وفي مقدمتها الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز، بعدما أظهرت المواجهة العسكرية خلال الأشهر الماضية كلفة متزايدة لاستمرار العمليات.

وتراهن واشنطن على إعادة تفعيل سياسة «الضغط الأقصى»، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة عن الولاية الأولى لترامب، إذ تواجه إيران حربًا وضغوطًا اقتصادية أشد، بينما تحاول الولايات المتحدة استخدام العقوبات والحصار البحري لخفض قدرة طهران على تمويل المواجهة.

وتأتي هذه الاستراتيجية في وقت تقول فيه تقارير حديثة إن الاقتصاد الإيراني يتحول بصورة متزايدة إلى ما يوصف بـ«اقتصاد البقاء»، حيث تركز الحكومة على الحفاظ على الحد الأدنى من عمل الدولة وتأمين السلع الأساسية، بدلًا من تحقيق نمو اقتصادي أو استعادة مستويات المعيشة السابقة.

من الحرب إلى «الغضب الاقتصادي»

تتحرك إدارة ترامب على أكثر من مسار اقتصادي في الوقت نفسه، بداية من تشديد العقوبات على شبكات النفط والتمويل، وصولًا إلى الضغط على الوسطاء الذين يساعدون إيران على نقل الأموال والالتفاف على العقوبات.

وتصف الإدارة الأميركية حملتها الجديدة بـ«الغضب الاقتصادي»، بقيادة وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي أكد أن واشنطن ستواصل استهداف القنوات المالية التي تستخدمها إيران للحصول على عائدات النفط وتحويل الأموال.

وفي 7 أغسطس، أعلنت الولايات المتحدة إجراءات جديدة استهدفت شبكات مرتبطة بإيران، قالت واشنطن إنها تساعد طهران على الوصول إلى عائدات النفط والالتفاف على العقوبات وتحريك الأموال عبر شركات واجهة، في إطار مسعى لقطع القنوات المالية التي تمول القيادة الإيرانية.

وقال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أميركية، إن الإيرانيين قد يتحملون القصف، لكن الضغط الاقتصادي يمثل تحديًا مختلفًا للنظام.

وفي الوقت نفسه، قال ترامب إنه يتعامل مع الملف الإيراني بدرجة أكبر من الهدوء، مشيرًا إلى أن واشنطن تراقب الاقتصاد الإيراني في ظل التضخم المرتفع ونقص الأموال.

تصاعد العقوبات والضغط الاقتصادي على طهران
تصاعد العقوبات والضغط الاقتصادي على طهران

النفط.. الهدف الأول

يمثل النفط الحلقة الأكثر أهمية في استراتيجية الضغط الأميركية، إذ تعتمد طهران بصورة كبيرة على عائداته لتوفير العملة الصعبة وتمويل الواردات والإنفاق الحكومي.

وتشير بيانات تتبع الناقلات إلى أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت بصورة حادة بعد إعادة فرض الحصار البحري الأميركي.

وبحسب بيانات يوليو 2026 التي تتبعتها منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، بلغت الصادرات الفعلية نحو 29.99 مليون برميل، بمتوسط يقارب 967 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.75 مليون برميل يوميًا في يونيو. وقدرت قيمة صادرات يوليو بنحو 2.44 مليار دولار، مقابل 4.49 مليار دولار في يونيو.

وهذا يعني أن صادرات النفط لم تتوقف تمامًا، لكنها تعرضت لانخفاض كبير، ما يضغط مباشرة على قدرة إيران على الحصول على الدولار والعملات الأجنبية.

كما تأثرت عمليات تحميل الناقلات من جزيرة خرج، التي تعد مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيرانية، في ظل استمرار الحصار والقيود على حركة الناقلات.

وتشير بيانات أخرى إلى أن إيران كانت قد تمكنت خلال فترة توقف الحصار في منتصف يونيو من شحن عشرات الملايين من براميل النفط، ما ساعدها على تكوين هامش مؤقت للمناورة قبل عودة الضغوط الأميركية.

الصين والهند في قلب المعركة

لا تتوقف الاستراتيجية الأميركية عند استهداف الشركات الإيرانية، إذ تمثل الصين عنصرًا حاسمًا في معادلة صادرات النفط.

وتسعى واشنطن إلى جعل شراء النفط الإيراني أكثر صعوبة، بما في ذلك الضغط على الوسطاء وشركات الشحن والمؤسسات المالية التي تسهل التجارة.

لكن استهداف البنوك الصينية الكبرى يمثل خطوة أكثر حساسية، نظرًا إلى التداعيات المحتملة على العلاقات الأميركية الصينية، خصوصًا في وقت تحاول فيه واشنطن إبقاء قنوات التفاوض مع بكين مفتوحة.

ومن هنا، تبدو معركة النفط الإيرانية مرتبطة بأكثر من طرف؛ فهي مواجهة بين واشنطن وطهران، لكنها في الوقت نفسه تختبر قدرة الصين على مواصلة شراء الخام الإيراني وإدارة المدفوعات بعيدًا عن النظام المالي الأميركي.

فرض حصار بحري على مضيق هرمز

العقوبات.. هل تستطيع فعل ما لم تفعله سابقًا؟

رغم شدة العقوبات الجديدة، فإن التاريخ لا يقدم ضمانًا بأن الضغط الاقتصادي وحده سيؤدي إلى تغيير سلوك إيران.

فالولايات المتحدة فرضت عقوبات على طهران على مدى عقود، فيما طورت إيران شبكات معقدة للالتفاف عليها، واستخدمت وسطاء وشركات واجهة ومسارات مالية متعددة للحفاظ على جزء من تجارتها الخارجية.

ويؤكد محللون أن العقوبات تستطيع تقليص الموارد المتاحة للحكومة، لكنها لا تعني بالضرورة أن النظام سيقبل سريعًا بالشروط الأميركية.

كما أن تجارب دول أخرى، مثل كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا، أظهرت أن العقوبات الطويلة يمكن أن تضعف الاقتصاد وتخفض مستويات المعيشة، من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي سريع.

إيران تدخل «اقتصاد البقاء»

وفي مواجهة الضغط الأميركي، تتحرك الحكومة الإيرانية نحو نموذج اقتصادي أكثر تقشفًا، يركز على إبقاء الدولة والمؤسسات الأساسية قادرة على العمل.

وبحسب تقرير حديث لـ«وول ستريت جورنال»، تتجه إيران إلى تقنين السلع الأساسية، وتشديد القيود على العملات الأجنبية، وتأجيل بعض الاستثمارات، وتحويل جزء أكبر من الأعباء الاقتصادية إلى الأسر، مع الحفاظ على الواردات الضرورية ومؤسسات الدولة الأساسية.

وتعني هذه السياسة أن الحكومة لا تراهن بالضرورة على التعافي الاقتصادي في المدى القصير، وإنما على القدرة على تحمل الأزمة لفترة أطول من قدرة خصومها على تحمل تكاليف المواجهة.

وهنا تظهر فلسفة «اقتصاد البقاء»: تقليص الاستهلاك، الحفاظ على الغذاء والدواء والطاقة، دعم المؤسسات الأساسية، وتوفير الحد الأدنى من العملة الأجنبية، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو ومستويات المعيشة.

التضخم يضرب الأسر

تأتي هذه السياسة في ظل ضغوط قوية على المواطنين الإيرانيين.

وتشير تقارير حديثة إلى تجاوز التضخم مستويات مرتفعة للغاية، بالتزامن مع قفزات كبيرة في أسعار السلع الأساسية.

وكانت أسعار الدجاج قد ارتفعت بنحو 190% على أساس سنوي، بينما زادت أسعار الحليب بنحو 150%، وفق بيانات وتقارير حديثة عن الوضع المعيشي في إيران.

كما كشفت تقارير سابقة عن زيادات أكبر في بعض المواد الغذائية؛ فقد سجل زيت الطعام ارتفاعًا بنحو 308% والأرز نحو 170% في إحدى مراحل الأزمة.

وتدفع هذه الزيادات الأسر إلى تقليص إنفاقها إلى الضروريات، مع تراجع القدرة على شراء اللحوم والسلع الأعلى سعرًا.

ركائز يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني لمواجهة الحصار البحري الأميركي

العملة والطاقة تحت الضغط

ولا تقتصر الأزمة على النفط والغذاء، فالعملة الإيرانية تواجه ضغوطًا حادة، فيما تحاول الحكومة إدارة نقص العملات الأجنبية من خلال تقييد الوصول إليها وتخصيص موارد محدودة للواردات الأكثر أهمية.

وتستخدم الحكومة أيضًا سياسات تقشفية في الطاقة، تشمل ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود وفرض قيود على بعض الأنشطة الصناعية.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح كل وحدة من العملة الأجنبية ذات أهمية كبيرة؛ إذ تحتاج إيران إلى استخدامها لتمويل واردات الغذاء والأدوية والسلع الأساسية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل مؤسساتها.

هرمز.. ورقة إيران الأخطر

لكن الاقتصاد لا يمكن فصله عن الجغرافيا السياسية، فمضيق هرمز يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، ولذلك أصبح محورًا رئيسيًا للمواجهة بين واشنطن وطهران.

وفي 13 أغسطس، تبادلت إيران والولايات المتحدة تصريحات متناقضة بشأن السيطرة على المضيق، مع تأكيد طهران استمرار تشديد شروط المرور، بينما تقول واشنطن إنها تعمل على تأمين حركة الملاحة.

وكانت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير قد أدت إلى إغلاق المضيق وتعطيل حركة الملاحة، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في يونيو، لكنه انهار لاحقًا وعادت المواجهات والقيود البحرية.

ويمثل استمرار التوتر في هرمز تهديدًا يتجاوز الاقتصاد الإيراني؛ فاضطراب حركة السفن عبر المضيق يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.

ترامب يراهن على الوقت

تبدو الاستراتيجية الأميركية الحالية قائمة على فكرة أساسية: إذا أمكن خفض عائدات النفط، وتجفيف قنوات التمويل، ورفع تكلفة الالتفاف على العقوبات، فقد تضطر طهران في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض.

لكن السؤال الأكثر صعوبة هو: كم تحتاج إيران من الوقت قبل أن تصبح الضغوط الاقتصادية غير قابلة للتحمل؟ وكم تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تحمل تكلفة استمرار الأزمة؟

وتشير التجربة الإيرانية السابقة إلى أن العقوبات يمكن أن تؤدي إلى إنهاك الاقتصاد، لكنها لا تضمن بالضرورة استسلام القيادة السياسية.

كما أن استمرار الضغوط قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تعزيز نفوذ التيار الأكثر تشددًا داخل إيران، وتقليص مساحة الأصوات التي تدعو إلى تقديم تنازلات للولايات المتحدة.

طهران تختار التحمل بدل الاستسلام

وفي أغسطس، التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وسط أزمة اقتصادية وعسكرية متصاعدة، وتركزت المناقشات على الحرب والموارد والوضع الاقتصادي والعملات الأجنبية والطاقة وسبل التعامل مع الضغوط.

وتكشف هذه الاجتماعات أن الأزمة الاقتصادية أصبحت جزءًا مباشرًا من حسابات القيادة الإيرانية، وليست مجرد نتيجة جانبية للحرب والعقوبات.

لكن بدلًا من الاتجاه إلى الاستسلام السريع، تبدو طهران أكثر ميلًا إلى شراء الوقت، وتقليل الاستهلاك، وإعادة توزيع الموارد، والاستفادة من شبكات التجارة والتمويل البديلة.

المعركة لم تعد عسكرية فقط

وهكذا تنتقل المواجهة الأميركية الإيرانية إلى مرحلة مختلفة، ففي ساحة القتال، تستخدم الصواريخ والطائرات والقوات البحرية.

أما في ساحة الاقتصاد، فتستخدم واشنطن العقوبات، والحصار البحري، والضغط على النفط والبنوك وشركات الشحن والوسطاء.

وفي المقابل، تستخدم طهران ما تبقى لديها من صادرات نفط، وشبكات الالتفاف على العقوبات، وترشيد الاستهلاك، والدعم الحكومي، وتحمل المواطنين لتكاليف الأزمة.

المشكلة أن الضغط الاقتصادي قد يخنق إيران تدريجيًا، لكنه لا يضمن أن يؤدي الخنق إلى تغيير سياسي.

فكلما طال أمد الأزمة، زادت تكلفة المعيشة وارتفع خطر الفقر والاضطرابات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القيادة الإيرانية ستقدم التنازلات التي تريدها واشنطن.

ولهذا، فإن المعركة الحالية ليست مجرد محاولة أميركية لخفض صادرات النفط الإيرانية، وإنما اختبار لاستراتيجية «الضغط الأقصى» نفسها: هل تستطيع واشنطن إجبار إيران على التفاوض قبل أن يتحول الحصار الاقتصادي إلى أزمة إقليمية أوسع تضرب أسواق الطاقة والتجارة العالمية؟

ومع استمرار التوتر حول مضيق هرمز، يبدو أن الإجابة لن تتحدد داخل الاقتصاد الإيراني وحده، بل ستتوقف أيضًا على قدرة الولايات المتحدة وإيران على تحمل كلفة المواجهة، وعلى مدى استعداد الصين وبقية القوى الاقتصادية لمواصلة التعامل مع طهران تحت ضغط العقوبات الأميركية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة