أخبارالتنمية المستدامةتغير المناخ

كيف نخزن المزيد من المياه الجوفية لمواجهة الجفاف؟ حلول مبتكرة للتكيف مع تغير المناخ

المياه الجوفية.. خط الدفاع الأول ضد الجفاف والفيضانات في عصر المناخ المتطرف

في ظل تزايد موجات الجفاف والفيضانات نتيجة تغير المناخ، تتجه العديد من الدول إلى تعزيز تخزين المياه الجوفية باعتباره أحد أكثر الحلول فاعلية لتأمين إمدادات المياه خلال فترات الشح، وفي الوقت نفسه الحد من مخاطر الفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة.

ويؤكد خبراء المياه أن الخزانات الجوفية تمثل أكبر مخزن طبيعي للمياه العذبة على كوكب الأرض، إذ توفر نحو نصف مياه الشرب عالميًا، إلا أن الضغوط المتزايدة على هذه الموارد، إلى جانب تراجع معدلات تغذيتها الطبيعية، أدت إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية في العديد من مناطق العالم.

استنزاف متزايد للمياه الجوفية

تشير الدراسات إلى أن معدلات استخراج المياه الجوفية أصبحت تعادل ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل خمسين عامًا، في وقت تتسبب فيه موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة في تقليص قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.

المياه الجوفية لمواجهة الجفاف
المياه الجوفية لمواجهة الجفاف

كما يؤدي التوسع العمراني ورصف مساحات واسعة من الأراضي إلى زيادة جريان مياه الأمطار على السطح بدلًا من تسربها إلى باطن الأرض، ما يحرم الخزانات الجوفية من إعادة التغذية الطبيعية.

ويعتمد اليوم أكثر من ملياري شخص، إلى جانب نحو 40% من الإنتاج الزراعي العالمي، على خزانات مياه جوفية تعاني بالفعل من الاستغلال المفرط.

ألمانيا تطور نظامًا ذكيًا لتخزين مياه الأمطار

في محاولة لمواجهة هذه التحديات، طور فريق بحثي من الجامعة التقنية في ميونيخ نظامًا يعرف باسم “التخزين الذكي لمياه العواصف” (Smart Storm Water Storage)، يجمع بين الحد من مخاطر الفيضانات وتعزيز مخزون المياه الجوفية.

ويعتمد النظام على تجميع مياه الأمطار الغزيرة داخل أحواض احتجاز، ثم تنقيتها من الملوثات قبل ضخها عبر آبار تغذية إلى عمق يصل إلى 30 مترًا داخل الطبقات الجوفية، لتخزينها واستخدامها لاحقًا خلال فترات الجفاف في مياه الشرب أو الري.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية تحقق هدفين في آن واحد، هما تقليل أخطار السيول، وتأمين مصدر مائي مستدام للمستقبل.

الجفاف

التخزين تحت الأرض يقلل فاقد التبخر

وتعد ناميبيا من أوائل الدول التي اعتمدت على إعادة تغذية المياه الجوفية، إذ بدأت مدينة ويندهوك منذ عام 2002 ضخ المياه المعالجة إلى باطن الأرض عبر آبار خاصة، بعد تنقيتها لتصبح صالحة للشرب.

وتتميز هذه الطريقة بأن المياه المخزنة تحت الأرض تتعرض لفاقد تبخر أقل بكثير مقارنة بالخزانات والسدود المكشوفة، وهو ما يزيد كفاءة استخدام المياه، خاصة في المناطق الجافة.

المياه الجوفية لمواجهة الجفاف
المياه الجوفية لمواجهة الجفاف

كاليفورنيا تعتمد إعادة شحن الخزانات الجوفية

أصبحت إعادة تغذية المياه الجوفية إحدى الركائز الأساسية لإدارة المياه في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي تعاني موجات جفاف متكررة.

وخلال عام 2023 وحده، ضخت الولاية أكثر من 5 مليارات متر مكعب من المياه إلى الخزانات الجوفية، عبر تحويل مياه الأمطار والسيول إلى أحواض ترشيح خاصة تسمح بتسربها تدريجيًا إلى باطن الأرض.

ورغم أن هذه الطريقة أقل تكلفة من الأنظمة الهندسية المعقدة، فإنها تحتاج إلى مساحات واسعة ووقت أطول حتى تصل المياه إلى الطبقات الجوفية.

إغراق الأراضي الزراعية لحماية المياه

ومن الحلول الأخرى التي يجري تطبيقها في بعض المناطق، الإغراق المؤقت للأراضي الزراعية خلال الفيضانات، بما يسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض بدلًا من فقدها في البحر.

وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة لأن الأراضي الزراعية والمراعي تمثل نحو 40% من مساحة اليابسة عالميًا، إلا أن نجاحها يتطلب التأكد من خلو مياه الفيضانات من الملوثات والميكروبات التي قد تنتقل إلى الخزانات الجوفية.

المياه الجوفية لمواجهة الجفاف

استعادة الأنهار تعزز تغذية المياه الجوفية

تلعب الطبيعة أيضًا دورًا مهمًا في تعزيز مخزون المياه الجوفية، إذ تؤدي إعادة تأهيل الأنهار واستعادة سهولها الفيضية إلى إبطاء حركة المياه أثناء الفيضانات، ما يسمح بتسرب كميات أكبر إلى باطن الأرض.

كما تعمل الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة على تنقية المياه طبيعيًا أثناء مرورها عبر الطبقات الأرضية، وهو ما يحسن جودة المياه الجوفية ويقلل أخطار الفيضانات في الوقت نفسه.

المياه الجوفية لمواجهة الجفاف
المياه الجوفية لمواجهة الجفاف

الترشيح الطبيعي لمياه الأنهار

تعتمد بعض الدول، مثل ألمانيا، على تقنية الترشيح الضفافي، حيث تُضخ المياه الجوفية من آبار تقع بالقرب من الأنهار، فيندفع ماء النهر تدريجيًا عبر التربة لتعويض المياه المسحوبة، وخلال هذه الرحلة يخضع لعملية ترشيح طبيعية قبل استخدامه كمياه شرب.

وفي العاصمة برلين، توفر هذه التقنية أكثر من 50% من احتياجات المدينة من مياه الشرب.

كما تستخدم دول مثل كينيا سدودًا رملية صغيرة داخل مجاري الأنهار لاحتجاز الرمال والمياه خلال موسم الأمطار، لتتحول الرمال إلى خزانات طبيعية تحفظ المياه داخل باطن الأرض، مع تقليل فاقد التبخر وتوفير مصدر مستدام للمياه خلال فترات الجفاف.

ويؤكد الخبراء أن الاستثمار في إعادة تغذية المياه الجوفية يمثل أحد أهم أدوات التكيف مع تغير المناخ، إذ يسهم في حماية المجتمعات من آثار الجفاف والفيضانات، ويعزز الأمن المائي والغذائي على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة