موجات الحر تكشف أخطر فجوة مناخية في العالم.. هل يصبح التكييف «رفاهية منقذة للحياة»
الاستثمار في التبريد والطاقة النظيفة… مفتاح النجاة من صيف قاتل
مع تصاعد درجات الحرارة عالميًا، أصبح البقاء خلال موجات الحر الشديدة مرهونًا بشيء واحد: القدرة على الوصول إلى أجهزة التكييف.
هذا الصيف، ركّزت وسائل الإعلام على درجات الحرارة القياسية في أوروبا والولايات المتحدة، حيث امتلأت الشاشات بصور خرائط حرارية باللون الأحمر الداكن، وإغلاق المدارس، وتباطؤ حركة القطارات، وانتشار حرائق الغابات، وتزايد أعداد المصابين بأمراض مرتبطة بالحرارة داخل أقسام الطوارئ.
وجاءت استجابة المسؤولين تقليدية: البقاء في المنازل، شرب كميات كافية من المياه، وتشغيل أجهزة التكييف إن أمكن.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا. ففي مختلف أنحاء العالم، باتت حرارة الصيف مميتة، ما لم يكن بإمكانك دفع تكلفة النجاة منها. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، تعاني ملايين الأسر بالفعل من صعوبة سداد فواتير الكهرباء، ومع ارتفاع درجات الحرارة، ستحتاج إلى استهلاك المزيد من الطاقة فقط للحفاظ على سلامتها.

أما في دول الجنوب العالمي، فإن المشهد أكثر خطورة، إذ تتقاطع الحرارة المرتفعة مع انقطاعات الكهرباء، والاكتظاظ السكاني، وضعف الوصول إلى التكييف، وهشاشة أنظمة الصحة العامة، وانتشار الفقر، ما ينذر بكوارث إنسانية.
في الحالتين، قد تصبح عدم المساواة، داخل الدول وفيما بينها، العامل الحاسم في مصير ملايين البشر. والحلول معروفة: دعم الأسر منخفضة الدخل لتوفير التبريد، والاستثمار في بنية تحتية مرنة، والتوسع في تقنيات نظيفة أقل تكلفة وأكثر استقرارًا. لكن التحدي الحقيقي هو توافر الإرادة.

تُعد الحرارة الشديدة أخطر أشكال الطقس فتكًا بالبشر، إذ تتسبب في وفاة نحو ألفي شخص سنويًا في الولايات المتحدة، بينما أودت موجة حر في أوروبا بحياة أكثر من 1300 شخص خلال أقل من أسبوعين فقط. وفي الدول المتقدمة، يمثل دعم فواتير الطاقة للأسر منخفضة الدخل أحد الحلول الأساسية، نظرًا لتوافر الكهرباء وأنظمة التبريد.
لكن في الجنوب العالمي، تختلف طبيعة التحدي جذريًا. فخلال زيارة إلى الهند، بدا أن المسؤولين يدركون تمامًا ما يجب فعله: توسيع شبكات الكهرباء، تحسين جودة السكن، زيادة الوصول إلى التبريد الكفء، وتعزيز خطط الصحة العامة لحماية الفئات الأكثر هشاشة. المشكلة ليست في نقص الأفكار، بل في نقص الموارد.
تشير تقديرات علمية إلى أن مئات الآلاف يموتون سنويًا بسبب الحرارة، مع توقع ارتفاع هذه الأعداد بسرعة في جنوب آسيا وأفريقيا. كما حذرت الأمم المتحدة من أن الحرارة الشديدة تعمّق الفجوة الاقتصادية، وتبطئ التنمية، وتزيد الأعباء الإنسانية، رغم أن الفئات الأكثر تضررًا هي الأقل مساهمة في الانبعاثات.
ولا يكمن الحل في إرسال ملايين أجهزة التكييف إلى الدول النامية، إذ إن شبكات الكهرباء في كثير من هذه الدول لن تتحمل هذا العبء، حتى لو توفرت القدرة على شرائها.

الحل يكمن في دعم استثمارات طويلة الأجل في الطاقة النظيفة والمستقرة، وبناء بنية تحتية قادرة على التكيف مع المناخ الأكثر حرارة. ولن تتمكن الدول منخفضة الدخل من تحقيق ذلك بمفردها.
لذا، يجب أن تتضافر جهود بنوك التنمية، وصناديق المناخ الدولية، والمستثمرين، والدول الغنية لتمويل التكيف المناخي. ولا ينبغي النظر إلى ذلك كمساعدات تقليدية، بل كاستثمار في الصحة العالمية والاستقرار الاقتصادي والقدرة البشرية على الصمود.
ورغم ذلك، لم تحل الدول الغنية مشكلاتها بالكامل. فما تزال ملايين الأسر في أوروبا وأميركا تعاني كل صيف من ارتفاع فواتير الكهرباء، ويضطر كثيرون للاختيار بين دفع الفاتورة أو الحفاظ على سلامتهم خلال موجات الحر.
وفي النهاية، لم يعد تقييم السياسات المناخية يقتصر على خفض الانبعاثات، بل بات يشمل أيضًا القدرة على مساعدة البشر على التكيف مع المناخ الحالي. فالمعركة المقبلة ليست فقط للحد من الاحترار، بل لضمان البقاء.
وإلا، فإن الفجوة المناخية القادمة لن تكون بين من تسببوا في الانبعاثات ومن لم يفعلوا، بل بين من يملكون القدرة على التكيف… ومن لا يملكون.






