الإضافات العلفية والتقنيات الحيوية.. مفاتيح خفض الانبعاثات في الثروة الحيوانية
انبعاثات الميثان من المجترات.. كيف نحول التحدي البيئي إلى فرصة اقتصادية؟
كتب : محمد كامل
شرح الدكتور محمد تقي , باحث بالعمل المركزي للمناخ الزراعي كيفية التعامل مع الانبعاثات الناتجة عن عمليات الهضم في المجترات وذلك بهدف تقليل الأثر البيئي، موضحاً أن العالم يلقي اهتمام كبير بقضايا التغيرات المناخية نتيجة للارتفاع المستمر في تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي, وما يترتب عليه من أثار بيئية واقتصادية واجتماعية مشيراً إلى أن الزراعة أصبحت محوراً رئيسياً في النقاشات الدولية المتعلقة بالتخفيف من الانبعاثات الكربونية لدورة المزدوج في توفير الغذاء لمليارات البشر وإسهامه في إطلاق كميات كبيرة من غاز الاحتباس الحراري في توفير الغذاء

قدرة الميثان علي احتجاز الاشعاع الحراري تفوق ثاني أكسيد الكربون
وتابع تقي برغم أن ثاني أكسيد الكربون يمثل الغالبية العظمى من الانبعاثات العالمية، فإن غاز الميثان يمتلك قدرة أعلى بكثير على احتجاز الإشعاع الحراري، إذ تبلغ قدرته على إحداث الاحترار العالمي نحو 28 مرة مقارنة بثاني أكسيد الكربون عند احتساب التأثير خلال فترة مائة عام، بينما ترتفع هذه القدرة إلى أكثر من 80 مرة خلال أول عشرين عامًا من انبعاثه.
كما يتميز الميثان بعمر أقصر نسبياً في الغلاف الجوي، مما يجعل خفض انبعاثاته وسيلة فعالة لتحقيق مكاسب مناخية سريعة مقارنة بالعديد من الغازات الدفيئة الأخرى. ولذلك، أصبح الحد من انبعاثات الميثان أحد المحاور الرئيسة في الاتفاقيات الدولية والمبادرات العالمية الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني وتعزيز استدامة النظم الزراعية.
وأشار تقي إلي أن قطاع الثروة الحيوانية أحد أكبر المصادر البشرية لغاز الميثان، حيث أنه وبحسب التقديرات الحديثة فإن الإنتاج الحيواني يسهم بنحو 14.5% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشرية، بينما يمثل التخمر المعوي في الحيوانات المجترة المصدر الأكبر لانبعاثات الميثان داخل هذا القطاع.
الأبقار المصدر الرئيسي لانبعاثات غاز الميثان
وأضاف أن الأبقار تعد المصدر الرئيس لهذه الانبعاثات نتيجة ضخامة أعدادها عالميًا، وكبر حجم الكرش، وارتفاع معدلات استهلاكها للأعلاف الخشنة، تليها الجاموس ثم الأغنام والماعز.
ومع تزايد الطلب العالمي على المنتجات الحيوانية بفعل النمو السكاني وتحسن مستويات المعيشة، يتوقع أن يزداد إنتاج اللحوم والألبان خلال العقود المقبلة، الأمر الذي يفرض تحديًا مزدوجًا يتمثل في تلبية احتياجات الأمن الغذائي مع الحد من الآثار البيئية المصاحبة لزيادة الإنتاج الحيواني.
ولا تقتصر أهمية الميثان على كونه أحد الغازات الدفيئة فحسب، بل يمثل أيضًا مؤشرًا مباشرًا على كفاءة استخدام الطاقة داخل الحيوان.

العليقة .. خفض الميثان يسهم في رفع كفاءة تحويل الغذاء:
فإنتاج الميثان أثناء التخمر المعوي يعكس فقدان نسبة تتراوح غالبًا بين 6 و10% من الطاقة الكلية الموجودة في العليقة، وهي طاقة كان من الممكن استغلالها في تحسين معدلات النمو أو زيادة إنتاج اللبن واللحم.
ومن ثم، فإن خفض انبعاثات الميثان لا يحقق فوائد بيئية فقط، بل يسهم أيضًا في رفع كفاءة تحويل الغذاء، وتحسين الأداء الإنتاجي، وتقليل تكاليف التغذية، وهو ما يجعل هذا المجال يمثل نقطة التقاء بين أهداف الاستدامة البيئية والجدوى الاقتصادية للإنتاج الحيواني.
وينشأ الميثان داخل الكرش نتيجة سلسلة معقدة من التفاعلات الميكروبية التي تتم أثناء تخمر الكربوهيدرات، مثل السليلوز والهيميسليلوز، بواسطة مجتمع متنوع من الكائنات الدقيقة ومنها البكتريا المنتجة لغاز الميثان. وخلال هذه العملية تتولد كميات كبيرة من الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، وتقوم بعض أنواع الكائنات الدقيقة باستخدامهما لإنتاج الميثان، وهو ما يساعد على الحفاظ على الاتزان الحيوي داخل الكرش واستمرار عمليات التخمر بكفاءة. إلا أن هذا المسار الحيوي، على الرغم من أهميته الفسيولوجية، يمثل في الوقت نفسه أحد أهم مصادر انبعاثات الميثان الزراعية، الأمر الذي جعل فهم آلياته الدقيقة محورًا رئيسيًا للبحوث الحديثة الهادفة إلى تطوير وسائل فعالة للحد من هذه الانبعاثات.
وقد أدى التقدم الكبير في علوم مكروبيولوجيا الكرش، والتغذية الحيوانية، والتقنيات الجينومية، وتحليل الميكرو بيوم، إلى تغيير النظرة التقليدية تجاه انبعاثات الميثان. فبعد أن كان يُنظر إليها بوصفها نتيجة حتمية لعملية الهضم في الحيوانات المجترة، أصبح من الممكن التدخل في مسارات تكوينه من خلال استراتيجيات متكاملة تستهدف إعادة توجيه الهيدروجين نحو مسارات أيضية أكثر كفاءة، أو تثبيط نشاط العتائق المنتجة للميثان، أو تعديل تركيب المجتمع الميكروبي داخل الكرش، أو تحسين الخصائص الوراثية للحيوانات ذاتها.
وقد أصبحت الإضافات العلفية تمثل الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجيات، إذ توفر حلولًا عملية قابلة للتطبيق دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في نظم التربية. ويأتي في مقدمة هذه الإضافات مركب 3-نيترو أوكسي بروبانول (3-NOP)، الذي يستهدف بصورة انتقائية الإنزيم المسؤول عن المرحلة النهائية لتكوين الميثان، إضافة إلى الطحالب البحرية الحمراء، وخاصة Asparagopsis taxiformis، التي أثبتت قدرة كبيرة على تثبيط إنتاج الميثان بفضل احتوائها على مركبات هالوجينية فعالة. كما برهنت العديد من المركبات الطبيعية، مثل التانينات، والصابونينات، والزيوت النباتية، والزيوت العطرية، والبروبيوتيك، على قدرتها في إعادة تشكيل البيئة الميكروبية داخل الكرش وتحويل الهيدروجين نحو مسارات أيضية بديلة، بما يسهم في تقليل فقد الطاقة وتحسين كفاءة الاستفادة من الأعلاف.
وبالتوازي مع التطورات في مجال التغذية، تشهد السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تطبيق التقنيات الحيوية المتقدمة، مثل هندسة ميكروبيوم الكرش، استخدام الفيروسات المتخصصة التي تستهدف الميكروبات المنتجة للميثان للحد من نشاطها داخل الكرش، بما يسهم في تقليل تكوين غاز الميثان دون التأثير في التوازن الميكروبي العام، بالإضافة إلى تطوير اللقاحات المضادة للميثان، فضلًا عن توظيف تقنيات الانتخاب الجينومي والذكاء الاصطناعي في اختيار الحيوانات منخفضة الانبعاثات وتصميم علائق غذائية دقيقة تتناسب مع الاحتياجات الفسيولوجية لكل حيوان.
وتمثل هذه الاتجاهات تحولًا من الحلول التقليدية قصيرة الأجل إلى استراتيجيات متكاملة تستهدف إحداث تغييرات مستدامة في بيئة الكرش، مع المحافظة على الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
ورغم ما أحرزته هذه التقنيات من تقدم كبير، فإن تطبيقها على نطاق تجاري واسع لا يزال يواجه العديد من التحديات، من أبرزها ارتفاع تكلفة بعض الإضافات العلفية، وتباين استجابة الحيوانات باختلاف نظم التغذية والإدارة، وقدرة المجتمع الميكروبي داخل الكرش على التكيف مع بعض التدخلات، فضلًا عن الحاجة إلى تقييمات طويلة الأمد لضمان سلامة الاستخدام وتأثيره على صحة الحيوان وجودة المنتجات الحيوانية. كما أن نجاح استراتيجيات خفض الميثان يتطلب تبني رؤية شاملة لا تقتصر على استخدام تقنية منفردة، وإنما تعتمد على دمج التغذية الدقيقة، والإضافات العلفية، والتحسين الوراثي، والإدارة الصحية، وتقنيات الزراعة الرقمية، وإدارة المخلفات الحيوانية ضمن منظومة إنتاج متكاملة.
حلول خفض الانبعاثات الناتجة عن التخمر المعوي في المجترات :
ويقول تقي أن الحد من انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن التخمر المعوي في المجترات لم يعد خياراً بيئياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الإنتاج الحيواني وتعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية في ظل التحديات المناخية المتزايدة موضحاً أن التقدم العلمي أثبت خلال السنوات الماضية أن خفض هذه الانبعاثات يمكن تحقيقه من خلال حزمة متكاملة من الحلول تشمل:
تحسين إدارة التغذية، واستخدام الإضافات العلفية المبتكرة، وتطوير برامج الانتخاب الوراثي، وتطبيق التقنيات الحيوية والرقمية، بما يسهم في تقليل الفاقد من الطاقة الغذائية وتحسين الإنتاجية مع خفض البصمة الكربونية للقطاع الحيواني.
وتؤكد الأدلة العلمية أن مستقبل الإنتاج الحيواني لن يعتمد على تقنية واحدة، بل على تكامل مجموعة من الممارسات والإجراءات التي تراعي الخصائص البيئية والاقتصادية لكل نظام إنتاج. ومن ثم، فإن نجاح جهود الحد من انبعاثات الميثان يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الباحثين، والجامعات، ومؤسسات الإرشاد الزراعي، والقطاع الخاص، والمربين، لتحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ في المزارع.

دور المربين والباحثين
يقول تقي أن قيام المربين بتبني ممارسات التغذية الحديثة، وتحسين إدارة القطيع، والاستفادة من الإضافات العلفية المثبتة علميًا، لا يسهم فقط في حماية البيئة، بل يمثل استثمارًا مباشرًا في رفع كفاءة الإنتاج، وخفض تكاليف التغذية، وتحسين جودة المنتجات الحيوانية وزيادة القدرة التنافسية للمزارع.
كما أن مسئولية الباحثين لا تقتصر على تطوير تقنيات جديدة لخفض الميثان، بل تمتد إلى تقييم جدواها الاقتصادية، ومواءمتها مع ظروف الإنتاج المحلية، وبناء شراكات فاعلة مع المربين وصناع القرار لضمان انتقال الابتكارات من المختبر إلى الحقل. كما تبرز الحاجة إلى تكثيف الدراسات المتعلقة بميكروبيوم الكرش، والهندسة الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والانتخاب الجينومي، لما تمثله من أدوات واعدة لإحداث تحول نوعي في نظم الإنتاج الحيواني خلال العقود المقبلة.
واختم تقي بأن التعامل مع تحدي الميثان لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عبئًا على قطاع الثروة الحيوانية، بل فرصة لإعادة بناء نظم إنتاج أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات المناخية. فكل خطوة تُتخذ اليوم نحو خفض انبعاثات الميثان تمثل استثمارًا في مستقبل أكثر أمنًا للغذاء، وأكثر حفاظًا على الموارد الطبيعية، وأكثر التزامًا بحقوق الأجيال القادمة في بيئة صحية ومستدامة.





