أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية

مادة موجودة في الآيس كريم تُحدث ثورة في البناء المستدام.. تقنية جديدة تسمح ببناء جدران قوية

نجح فريق بحثي من جامعة كولورادو بولدر الأمريكية في تطوير تقنية مبتكرة تتيح تحويل التربة ومخلفات الحفر والبناء إلى هياكل مطبوعة ثلاثية الأبعاد، باستخدام مادة حيوية مستخلصة من الطحالب البحرية تُعرف باسم «ألجينات الصوديوم».

وتُستخدم هذه المادة على نطاق واسع في الصناعات الغذائية، خاصة في الآيس كريم، حيث تمنحه قوامه الكريمي الناعم، إلا أن العلماء اكتشفوا الآن قدرتها على إحداث تحول كبير في قطاع البناء المستدام.

استلهام من الطبيعة

استوحى الباحثون فكرتهم من أساليب البناء الطبيعية التي تعتمد عليها بعض الكائنات الحية، مثل النمل الأبيض والدبابير وديدان الشعاب البحرية، والتي تنجح في إنشاء هياكل معقدة ومتينة دون استخدام الأسمنت.

وتعتمد هذه الكائنات على البوليمرات الحيوية، وهي جزيئات طبيعية كبيرة تعمل كمادة لاصقة تربط التربة والرمال والطين معًا لتشكيل هياكل قوية.

وقال البروفيسور ويل سربار، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية والمعمارية بجامعة كولورادو بولدر: «منذ فجر التاريخ، استخدم البشر والحيوانات التربة في البناء، لكننا لم نكن نمتلك فهمًا علميًا كافيًا لكيفية تصميم هذه المواد أو تحسين أدائها».

وقد نُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Communications العلمية.

تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية
تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية

مادة غذائية تدخل عالم التشييد

سعى الباحثون إلى تحديد أفضل مادة حيوية يمكنها ربط التربة والرمال معًا مع الحفاظ على قابلية ضخها عبر الطابعات ثلاثية الأبعاد.

واختبر الفريق خمس مواد حيوية مختلفة، من بينها صمغ الجوار، وصمغ الخروب، وصمغ الكاسيا، وصمغ الزانثان، بالإضافة إلى ألجينات الصوديوم المستخلصة من الطحالب البحرية.

وأظهرت التجارب أن لكل مادة خصائص مختلفة عند مزجها بالطين والرمل، لكن ألجينات الصوديوم حققت أفضل النتائج من حيث التوازن بين القوة وسهولة الطباعة.

كيف تعمل ألجينات الصوديوم؟

على عكس المواد اللاصقة التقليدية التي تربط الجزيئات ببعضها مباشرة، تعمل ألجينات الصوديوم على تعديل الشحنات الكهربائية لجزيئات الطين، ما يجعلها تتنافر بشكل منظم يشبه تنافر الأقطاب المتشابهة في المغناطيس.

ويؤدي ذلك إلى بقاء الجزيئات موزعة بشكل متجانس داخل الخليط مع الحفاظ على انسيابية المادة أثناء خروجها من فوهة الطابعة ثلاثية الأبعاد.

تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية
تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية

الرمال ليست مجرد مادة مالئة

كشفت الدراسة أن الرمال تؤدي دورًا أكثر أهمية مما كان يُعتقد سابقًا، فبدلًا من اعتبارها مادة خاملة تُستخدم فقط لزيادة حجم الخليط، تبين أن خصائصها السطحية وشحناتها الكهربائية تؤثر بشكل مباشر في طريقة تفاعل البوليمرات الحيوية مع التربة والطين.

ويمنح ذلك المهندسين أداة إضافية للتحكم في خصائص المواد المستخدمة في البناء المستدام.

جرعة صغيرة.. نتائج كبيرة

استخدم الباحثون تربة طبيعية جُمعت من محجر جرانيت قرب مدينة جولدن بولاية كولورادو، وأضافوا إليها نسبة ضئيلة جدًا من ألجينات الصوديوم بلغت 0.12% فقط.

ورغم ضآلة هذه النسبة، فإن النتائج كانت لافتة:

  •  زيادة مقاومة المادة للضغط بنسبة تصل إلى 25%.
  •  تسريع عملية الطباعة ثلاثية الأبعاد بنحو 33%.
  •  تقليل الانكماش أثناء التجفيف بنسبة تقارب 75%.
  •  خفض احتمالات تشكل التشققات في الجدران المطبوعة.

جدران مائلة أكثر ثباتًا

ولإثبات فعالية التقنية، تمكن الفريق من طباعة جدار رقيق بسماكة نحو 8 مليمترات فقط، مع ميلان وصل إلى 60 درجة دون أن ينهار.

ويفوق هذا الميلان زاوية ميلان برج بيزا الشهير، ما يعكس قدرة المادة الجديدة على الحفاظ على استقرارها حتى في الأشكال المعمارية المعقدة.

تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية
تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية

فوائد بيئية داخل المباني

لا تقتصر مزايا هذه التقنية على تقليل النفايات والانبعاثات، بل تمتد إلى تحسين البيئة الداخلية للمباني.

وأوضح الباحث صامويل أرمستيد أن الجدران الترابية تمتلك قدرة طبيعية على تنظيم الرطوبة داخل المباني وامتصاص بعض الملوثات الهوائية.

كما تعمل هذه الجدران كعازل حراري طبيعي يساعد على الحفاظ على البرودة خلال الصيف والدفء خلال الشتاء، ما يقلل استهلاك الطاقة المستخدمة في التبريد والتدفئة.

حل لمشكلة مخلفات البناء

تنتج أعمال الحفر الخاصة بالأساسات والأنفاق ومواقف السيارات كميات هائلة من التربة التي غالبًا ما تُنقل إلى مكبات النفايات.

ويرى الباحثون أن إعادة استخدام هذه التربة مباشرة في مواقع البناء يمكن أن تقلل بشكل كبير من البصمة البيئية للقطاع، الذي يُعد أحد أكبر مصادر الانبعاثات واستهلاك الموارد عالميًا.

وقال أرمستيد: «تشير نتائجنا إلى إمكانية إعادة توظيف كميات ضخمة من التربة المهدرة في مواقع البناء نفسها بدلًا من التخلص منها».

تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية
تحويل مخلفات البناء إلى مبانٍ مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الطحالب البحرية

نحو مستقبل أكثر استدامة

يؤكد الباحثون أن الطين والرمال من أكثر المواد وفرة على سطح الأرض، ما يجعل التقنية الجديدة قابلة للتطبيق في مناطق عديدة حول العالم.

ويرى الفريق أن المبادئ العلمية التي تم تطويرها يمكن أن تُستخدم مستقبلاً في تقنيات بناء أخرى تعتمد على التربة، مثل الجدران الترابية المضغوطة والكتل الطينية، بما يفتح الباب أمام جيل جديد من المباني منخفضة الانبعاثات وأكثر توافقًا مع البيئة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة