علماء يبتكرون طريقة لإنتاج الأسمدة والوقود النظيف من ملوثات المياه
تحويل النترات الملوثة إلى أمونيا خضراء قد يغير مستقبل الزراعة والطاقة
قد لا تحظى الأمونيا باهتمام واسع خارج الأوساط العلمية والصناعية، لكنها تمثل عنصرًا أساسيًا في الحياة الحديثة، فهذه المادة، المكونة من النيتروجين والهيدروجين، تُعد المكون الرئيس لمعظم الأسمدة الزراعية التي يعتمد عليها إنتاج الغذاء العالمي، كما تبرز اليوم بوصفها أحد أكثر أنواع الوقود النظيف الواعدة للاستخدام في الشحن البحري وتوليد الكهرباء والصناعات الثقيلة.
لكن إنتاج الأمونيا التقليدي يواجه تحديًا بيئيًا كبيرًا، إذ يعتمد العالم بشكل شبه كامل على عملية “هابر-بوش” الصناعية التي طُورت قبل أكثر من قرن، والتي تتطلب درجات حرارة تتراوح بين 400 و500 درجة مئوية وضغوطًا تتجاوز 200 ضعف الضغط الجوي لدمج النيتروجين المستخرج من الهواء مع الهيدروجين.
ورغم كفاءة هذه العملية، فإنها تستهلك نحو 2% من إجمالي الطاقة العالمية، وتتسبب في ما بين 1% و2% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم.
وفي هذا السياق، توصل باحثون من جامعة ماكماستر الكندية إلى نهج جديد قد يغير مستقبل إنتاج الأمونيا، عبر استخدام الكهرباء المتجددة لتحويل النترات الموجودة في مياه الصرف والمياه الملوثة مباشرة إلى أمونيا، ما يتيح معالجة التلوث وإنتاج مادة ذات قيمة اقتصادية في الوقت نفسه.
ونُشرت نتائج الدراسة مؤخرًا، حيث أظهرت أن محفزات كيميائية مصممة بعناية تعتمد على الحديد يمكنها تعزيز كفاءة هذا التحويل، ما يفتح الباب أمام حلول مستدامة لمعالجة المياه وإنتاج الأسمدة والوقود النظيف.

النترات.. ملوث متزايد الخطورة
تمثل النترات أحد أكثر الملوثات انتشارًا في الموارد المائية حول العالم. وتنتج بشكل رئيسي عن جريان الأسمدة الزراعية، وتصريف مياه الصرف الصحي، وبعض الأنشطة الصناعية.
وعندما تتراكم النترات في الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، فإنها تؤدي إلى نمو الطحالب الضارة، وتدهور جودة مياه الشرب، وارتفاع تكاليف المعالجة البيئية والصحية.
وتعتمد محطات معالجة المياه التقليدية على تحويل النترات إلى غاز النيتروجين وإطلاقه مجددًا إلى الغلاف الجوي، وهي طريقة تزيل التلوث لكنها تهدر عنصر النيتروجين الذي تطلب استخلاصه من الهواء كميات هائلة من الطاقة في المقام الأول.
تحويل الملوثات إلى موارد
يقترح الباحثون بديلًا أكثر استدامة يعتمد على الطاقة المتجددة. ففي مفاعل كهروكيميائي يعمل بالكهرباء المولدة من مصادر مثل الشمس أو الرياح، يمكن تحويل النترات الموجودة في المياه إلى أمونيا عند درجة حرارة الغرفة وضغط جوي عادي، دون الحاجة إلى الحرارة المرتفعة أو الضغوط العالية المستخدمة في العمليات الصناعية التقليدية.
وبذلك، لا يجري التخلص من الملوثات فحسب، بل يعاد تدويرها وتحويلها إلى مادة يمكن استخدامها في إنتاج الأسمدة أو الوقود النظيف منخفض الانبعاثات.
وتزداد أهمية هذه التقنية مع توقعات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة بارتفاع الطلب العالمي على الأمونيا إلى نحو 700 مليون طن سنويًا بحلول عام 2050، أي ما يقرب من أربعة أضعاف الإنتاج الحالي، نتيجة تزايد الحاجة إلى الغذاء واتساع استخدام الأمونيا بوصفها ناقلًا للطاقة النظيفة.

سر النجاح في المحفزات الحديدية
تركزت الدراسة على تطوير أربعة أنواع مختلفة من المحفزات الجزيئية المعتمدة على الحديد، مع تعديل خصائصها الكيميائية السطحية لتحسين قدرتها على تحويل النترات إلى أمونيا.
وكان الاعتقاد السائد أن أفضل المحفزات هي تلك القادرة على نقل الإلكترونات بأعلى كفاءة، إلا أن نتائج التجارب كشفت عاملًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طبيعة التفاعل بين سطح المحفز والماء وجزيئات النترات.
وأوضحت الدراسة أن قدرة المحفز على جذب الماء والنترات وتسهيل وصولهما إلى المواقع النشطة داخل التفاعل تؤثر بشكل مباشر في كفاءة الإنتاج.
وشبه الباحثون الأمر بمطبخ مزدحم؛ فامتلاك موقد قوي لا يكفي وحده، بل يجب أن تكون المكونات الغذائية متاحة بسهولة للطاهي حتى ينجز عمله بكفاءة.
وخلال التجارب، مرر الباحثون تيارًا كهربائيًا عبر محلول مائي يحتوي على النترات، ما أدى إلى تحويلها تدريجيًا إلى أمونيا جزيئًا بعد آخر.
وأظهر أفضل المحفزات أداءً مرتفعًا بفضل قدرته على توفير بيئة مناسبة لوصول الماء والنترات إلى مواقع التفاعل الكيميائي.
الطريق إلى التطبيق الصناعي
ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن التقنية ما تزال في مرحلة الاختبارات المخبرية، وأن تطبيقها على نطاق صناعي يتطلب تجاوز عدد من التحديات الهندسية والتقنية.
وتتركز المرحلة المقبلة من الأبحاث على اختبار المحفزات في ظروف تشغيل أكثر تعقيدًا، تشمل استخدام مياه صرف حقيقية بدلًا من المحاليل المخبرية، وزيادة معدلات إنتاج الأمونيا، وتشغيل الأنظمة لفترات زمنية أطول.
وإذا أثبتت التقنية نجاحها في هذه الظروف، فقد تتحول محطات معالجة مياه الصرف إلى منشآت منتجة للأسمدة والوقود النظيف بدلًا من كونها مرافق مخصصة لإزالة الملوثات فقط.
كما يمكن أن توفر هذه المقاربة مصادر دخل جديدة لشركات المياه، وتمنح المزارعين موردًا مستدامًا للنيتروجين، وتدعم تحول الصناعة الكيميائية نحو نموذج اقتصادي دائري يقوم على إعادة استخدام النفايات وتحويلها إلى موارد ذات قيمة.
ويرى الباحثون أن الطريق ما يزال طويلًا، لكن كل تقدم علمي في إنتاج الأمونيا من الملوثات بدلًا من الوقود الأحفوري يقرب العالم خطوة إضافية نحو مستقبل أكثر استدامة وأقل انبعاثًا للكربون.





