بطاريات خضراء تعمل برطوبة الهواء تشغّل الأجهزة الذكية وتدمرها عند العبث بها
رطوبة الجو تتحول إلى مصدر للطاقة في بطارية صديقة للبيئة للأجهزة القابلة للارتداء

نجح باحثون من جامعة ولاية كارولينا الشمالية وجامعة رايس الأمريكيتين في تطوير بطارية مرنة وغير سامة تعمل عبر استخلاص الرطوبة من الهواء المحيط، حتى في البيئات شديدة الجفاف، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الأجهزة الذكية القابلة للارتداء وأجهزة إنترنت الأشياء منخفضة الاستهلاك للطاقة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Science Advances العلمية، حيث أظهرت التقنية الجديدة إمكانات واعدة في تشغيل الأجهزة الإلكترونية الحديثة، إلى جانب توفير ميزة أمنية فريدة تتمثل في التدمير الذاتي عند محاولة العبث بالجهاز.
بطارية تستمد طاقتها من الهواء
تتزايد الحاجة إلى مصادر طاقة خفيفة ومرنة مع انتشار الأجهزة القابلة للارتداء والروبوتات المصغرة وأجهزة إنترنت الأشياء، إلا أن البطاريات التقليدية غالبًا ما تكون ثقيلة وصلبة وتحتوي على مواد كيميائية قد تشكل مخاطر بيئية وصحية.
ولتجاوز هذه التحديات، طور الباحثون بطارية أطلقوا عليها اسم “البطارية المعتمدة على الرطوبة” (MAB)، وتتكون من قطب موجب مصنوع من المغنيسيوم وقطب سالب من الفضة وكلوريد الفضة، يفصل بينهما غشاء من السليلوز المشبع بأملاح كلوريد الليثيوم.

ويعمل هذا الغشاء على امتصاص الرطوبة من الهواء المحيط، ما يؤدي إلى إذابة الأملاح وتكوين محلول إلكتروليتي يسمح بانتقال الشحنات الكهربائية داخل البطارية وإنتاج الطاقة.
وقال أماي باندودكار، الأستاذ المساعد في الهندسة الكهربائية والحاسوبية بجامعة ولاية كارولينا الشمالية: “تتخلص بطاريتنا من الإلكتروليتات السامة والقابلة للاشتعال، لأنها تعتمد عمليًا على الماء المالح. كما أنها تظل غير نشطة داخل العبوات المغلقة، ما يمنحها عمر تخزين طويلًا.”
تصميم مستوحى من حيوان البنجولين

واجهت البطاريات المرنة السابقة مشكلة انخفاض كثافة الطاقة عند تعرضها للتمدد، بسبب تشكل فراغات بين المكونات الداخلية أثناء الاستخدام.
ولحل هذه المشكلة، استلهم الباحثون تصميمهم من القشور المتداخلة لحيوان البنغولين، حيث استخدموا بنية تعتمد على صفائح متراكبة بإحكام تقلل الفراغات إلى الحد الأدنى وتحافظ على كفاءة البطارية أثناء الانحناء أو الالتواء أو التمدد.
وأوضح روديل أفيلا، الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية بجامعة رايس، أن النماذج الهندسية أظهرت قدرة التصميم الحيوي الجديد على توزيع الإجهادات الميكانيكية بشكل أفضل، مع الحفاظ على الأداء وتقليل المساحات غير المستغلة التي تؤثر في كثافة الطاقة.
تشغيل الأجهزة لمدة 30 ساعة
واختبر الفريق البطارية الجديدة عبر تشغيل جهاز لاسلكي لقياس نسبة الأكسجين في الدم يعتمد على تقنية البلوتوث، حيث تمكنت البطارية من تشغيله لمدة تصل إلى 30 ساعة متواصلة، وهو أداء يقترب من البطاريات التقليدية المستخدمة حاليًا.
وقال أبراهام فاسكيز-جواداردو، الأستاذ المساعد في الهندسة الكهربائية والحاسوبية بجامعة ولاية كارولينا الشمالية: “هذه التقنية ليست مجرد نموذج بحثي، بل مصدر طاقة عملي قادر على تشغيل الأجهزة الطبية وأجهزة إنترنت الأشياء اليومية.”
وأضاف الباحثون أن البطارية أخف وزنًا من العديد من البطاريات التجارية المتاحة حاليًا، كما أنها مصنوعة من مواد قابلة للتحلل الحيوي ومتوافقة حيويًا مع الجسم، ما يجعلها بديلًا أكثر أمانًا واستدامة من بطاريات الليثيوم أيون.

خاصية تدمير ذاتي للأجهزة الحساسة

ومن أبرز مزايا التقنية الجديدة تطوير نظام “مفتاح قتل” مدمج يعتمد أيضًا على الرطوبة الجوية، ويمكن استخدامه لحماية الأجهزة الحساسة من العبث أو الاختراق.
ويتكون النظام من خليط جاف من مسحوق الألومنيوم واليود محفوظ داخل حجرة معزولة داخل الجهاز، وتغطيه طبقة من السليلوز الماص للرطوبة.
وعند تعرض الجهاز للضغط أو محاولة فتحه أو تعطيله، يلامس الخليط الجاف الماء الذي يجمعه الغشاء من الهواء، ما يؤدي إلى تفاعل كيميائي شديد ينتج حرارة ولهبًا كافيًا لتدمير الجهاز بالكامل خلال دقائق.
ولإثبات فعالية الفكرة، دمج الباحثون نظام التدمير الذاتي داخل جهاز استشعار لاسلكي للغازات يعمل بالبطارية الجديدة، حيث أظهرت الاختبارات احتراق الجهاز ومكوناته الإلكترونية بالكامل خلال أقل من ثلاث دقائق من تفعيل النظام.

آفاق واعدة لأجهزة المستقبل
ويرى الباحثون، أن هذه البطارية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير مصادر طاقة صغيرة الحجم وعالية الكفاءة وغير سامة، يمكن استخدامها في الجيل المقبل من الأجهزة القابلة للارتداء والمستشعرات الذكية والتطبيقات الطبية والإلكترونيات المرنة.
كما تفتح التقنية الباب أمام ابتكارات جديدة تجمع بين الاستدامة البيئية والأداء العالي والحماية الأمنية، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الأجهزة المتصلة والأنظمة الذكية في مختلف مجالات الحياة.





