مخلفات الذرة تتحول إلى وقود حيوي.. خميرة مطوّرة تنتج كميات كبيرة من الإيثانول
مخلفات الذرة تنافس النفط؟ علماء يطورون طريقة لإنتاج كميات كبيرة من الوقود الحيوي
قد تتحول الأجزاء التي اعتادت الحقول والمزارع التخلص منها بعد حصاد الذرة إلى مصدر مهم للوقود الحيوي، بعدما نجح باحثون في تطوير طريقة أكثر كفاءة لجعل الخميرة قادرة على تحويل مخلفات الذرة إلى الإيثانول، بل وإنتاج مواد يمكن استخدامها في صناعة البلاستيك.
وتشمل هذه المخلفات الأوراق والسيقان والكوالح التي تبقى بعد الاستفادة من حبوب الذرة، وهي أجزاء لا تدخل عادةً في الاستخدام الغذائي المباشر، رغم احتوائها على كميات كبيرة من المواد النباتية الغنية بالسكريات.
وتفتح هذه التقنية الباب أمام الاستفادة من كميات ضخمة من المخلفات الزراعية بدلًا من اعتبارها نفايات، وتحويلها إلى مادة خام لإنتاج وقود متجدد يمكن أن يساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ويأتي هذا التطور من باحثين بقيادة جيرالد فينك، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وعضو معهد وايتهيد للأبحاث الطبية الحيوية، بالتعاون مع الأستاذ جريجوري ستيفانوبولوس.
مخلفات الذرة.. ثروة زراعية مهدرة
لا يُستخدم سوى جزء محدود من نبات الذرة، بينما تبقى كميات كبيرة من السيقان والأوراق والكوالح في الحقول أو يجري التخلص منها باعتبارها مخلفات.
ويُطلق على هذه الأجزاء اسم مخلفات الذرة (Corn stover).
ويعتقد الباحثون أن هذه الكتلة النباتية يمكن أن تصبح مصدرًا واسع النطاق ومتجددًا للوقود، إذا أمكن تحويل السكريات الموجودة فيها بكفاءة إلى إيثانول، بالطريقة نفسها التي تستخدم بها سكريات حبوب الذرة في صناعة الوقود الحيوي.
ويشير فينك إلى ضخامة حجم هذه المخلفات، موضحًا أن إنتاجها يحدث بكميات هائلة تصل في حجمها إلى مقياس إنتاج النفط.
لكن الاستفادة منها اقتصاديًا تواجه تحديات تقنية كبيرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإنتاج الوقود والمواد الكيميائية بتكلفة منخفضة.
لماذا يصعب تحويل مخلفات الذرة إلى وقود؟
تعتمد صناعة الوقود الحيوي حاليًا على كائنات دقيقة، وعلى رأسها الخميرة، لتحويل السكريات الموجودة في حبوب الذرة، مثل الغلوكوز والفركتوز والسكروز، إلى إيثانول.
ويمكن مزج الإيثانول بالبنزين التقليدي واستخدامه كوقود للمركبات.
لكن مخلفات الذرة تحتوي هي الأخرى على كميات كبيرة من السكريات القابلة للتحويل إلى وقود، غير أن المشكلة تكمن في أن النبات يحتفظ بهذه المواد داخل بنية نباتية قوية ومعقدة.
وتُعد السليلوز أحد المكونات الرئيسية لهذه البنية، وهي مادة يصعب على الخميرة الوصول إلى سكرياتها بسهولة.
ولتحرير هذه السكريات، يمكن استخدام محلول حمضي يساعد على تفكيك البنية النباتية الصلبة.
لكن هذه المعالجة تخلق مشكلة جديدة.
السموم تعطل الخميرة

عندما تُستخدم الأحماض لتفكيك الجزيئات النباتية المعقدة، تتكون مركبات كيميائية تعرف باسم الألدهيدات.
وتكمن المشكلة في أن هذه المركبات سامة للخميرة.
وهذا يعني أن العملية قد تنجح في تحرير السكريات الموجودة داخل المخلفات النباتية، لكنها في الوقت نفسه تنتج مركبات تمنع الكائنات الدقيقة المسؤولة عن تخمير هذه السكريات وتحويلها إلى إيثانول من العمل بكفاءة.
ويقول الأستاذ جريجوري ستيفانوبولوس إن هذه السموم تمثل واحدة من أكبر القيود التي تواجه إنتاج الوقود الحيوي منخفض التكلفة من المواد النباتية الغنية بالسليلوز.
ولهذا ركز الباحثون على التعامل مع مشكلة الألدهيدات بدلًا من محاولة تجاوزها فقط.
تحويل السموم إلى مواد يمكن للخميرة التعامل معها
لم يكن الباحثون يعرفون بصورة كاملة الآلية الدقيقة التي تهاجم بها الألدهيدات الكائنات الدقيقة.
ولذلك اتجهوا إلى استراتيجية مختلفة: تحويل الألدهيدات كيميائيًا إلى كحولات.
وبحسب الباحثين، فإن هذه الخطوة نقلت المشكلة من مركبات سامة يصعب على الخميرة تحملها إلى صورة كيميائية سبق أن عرف الفريق كيفية التعامل معها.
وقال الباحث لام إن الفريق قام عمليًا بتحويل الألدهيدات وإزالة سميتها إلى صورة يمكن للخميرة التعامل معها.
ثم جرى دمج هذه الطريقة الكيميائية مع خميرة الخَبز (Saccharomyces cerevisiae) التي عدّل الباحثون ظروف نموها، ما سمح لها بالعمل بصورة أكثر كفاءة في البيئة الناتجة عن معالجة المخلفات النباتية.
خميرة محسنة تنتج الإيثانول

أجرى الباحثون تعديلات على ظروف نمو خميرة الخَبز، وتمكنوا من تطوير نظام يجمع بين المعالجة الكيميائية للمادة النباتية والقدرة المحسنة للخميرة على تحمل المركبات الناتجة.
والنتيجة كانت قدرة النظام على تحويل مخلفات الذرة إلى إيثانول بكفاءة مرتفعة.
ولم تقتصر النتائج على مخلفات الذرة وحدها.
فقد تمكن الباحثون أيضًا من استخدام النظام مع الميسكانثوس (Miscanthus)، وهو نبات عشبي يستخدم في بعض تطبيقات الطاقة الحيوية، إضافة إلى أنواع أخرى من المواد النباتية.
كما استطاع النظام إنتاج مواد أولية يمكن استخدامها في صناعة البلاستيك إلى جانب الإيثانول.
إنتاج كميات كبيرة من الوقود من المادة النباتية
تكمن أهمية النتائج في كمية الإيثانول التي تمكن الباحثون من إنتاجها مقارنة بكمية المادة النباتية المستخدمة.
ويقول فينك إن الفريق استطاع إنتاج حجم مرتفع من الإيثانول لكل وحدة من المادة الخام باستخدام النظام الجديد.
ويرى الباحث أن هذه النتيجة تشير إلى إمكانات كبيرة لتحويل المواد النباتية الغنية بالسليلوز إلى وقود بطريقة يمكن أن تصبح أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وتكمن أهمية ذلك في أن السليلوز يمثل أحد أكثر أشكال الكتلة الحيوية وفرة على الأرض، لكنه ظل لفترة طويلة تحديًا أمام صناعة الوقود الحيوي بسبب صعوبة تفكيكه والاستفادة من السكريات الموجودة داخله.
مخلفات زراعية بدلًا من المحاصيل الغذائية
تمنح هذه التقنية ميزة أخرى مهمة، تتمثل في إمكانية إنتاج الوقود من المخلفات الزراعية بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على أجزاء من المحاصيل التي يمكن استخدامها في الغذاء.
ففي حالة الذرة، يمكن أن تظل الحبوب متاحة للاستخدامات الغذائية أو العلفية، بينما يجري استغلال السيقان والأوراق والكوالح التي كانت تُعامل في كثير من الأحيان باعتبارها نفايات.
وهذا النهج يمكن أن يساهم في تطوير نموذج أكثر كفاءة لاستخدام الموارد الزراعية، بحيث لا تقتصر قيمة المحصول على الجزء الذي يتم حصاده وبيعه، بل تمتد إلى المخلفات المتبقية بعد الحصاد.
هل يمكن أن يصبح الوقود الحيوي منافسًا للوقود الأحفوري؟

لا تعني النتائج أن الإيثانول المصنوع من مخلفات الذرة أصبح جاهزًا بالفعل لمنافسة النفط على نطاق واسع.
فالانتقال من المختبر إلى الإنتاج التجاري يتطلب إثبات قدرة التقنية على العمل بكفاءة على نطاق صناعي، مع التحكم في تكاليف جمع المخلفات ونقلها ومعالجتها، إضافة إلى استهلاك الطاقة والمواد اللازمة خلال مراحل تحويل الكتلة النباتية.
لكن الباحثين يرون أن القدرة على التغلب على مشكلة السمية الناتجة عن الألدهيدات تمثل خطوة مهمة في معالجة أحد أكبر العوائق أمام تحويل المواد الغنية بالسليلوز إلى وقود.
وإذا أمكن تطوير العملية وخفض تكلفتها، فقد تصبح مخلفات المحاصيل مصدرًا مهمًا للوقود المتجدد والمواد الكيميائية الحيوية.
الإيثانول والبلاستيك من المخلفات نفسها
من الجوانب اللافتة في الدراسة أن النظام لا يقتصر على إنتاج الإيثانول.
فقد تمكن الباحثون أيضًا من إنتاج مركبات يمكن استخدامها كمواد أولية لصناعة البلاستيك من مخلفات الذرة والميسكانثوس وغيرها من المواد النباتية.
وهذا يوسع نطاق استخدام التكنولوجيا من إنتاج الوقود فقط إلى ما يمكن وصفه بمنصة حيوية لتحويل الكتلة النباتية إلى مجموعة متنوعة من المنتجات الكيميائية.
وبذلك يمكن للمخلفات الزراعية أن تصبح مادة خام لصناعة الوقود والمواد الكيميائية بدلًا من التخلص منها.
خطوة نحو اقتصاد أكثر كفاءة للكتلة الحيوية
تسلط الدراسة الضوء على إمكانات ما يعرف بـالاقتصاد الحيوي الدائري، الذي يهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد النباتية وتقليل الهدر.
فبدلًا من ترك مخلفات الذرة تتحلل أو التخلص منها، يمكن استخدامها كمادة خام لإنتاج الإيثانول ومنتجات كيميائية أخرى.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة مع تزايد الحاجة إلى مصادر متجددة للطاقة ومواد صناعية يمكن إنتاجها من موارد غير أحفورية.
لكن نجاح هذا النموذج على نطاق واسع سيعتمد في النهاية على الكفاءة والتكلفة والاستدامة البيئية للعملية بأكملها.
ونُشرت الدراسة في دورية Science Advances، لتضيف خطوة جديدة إلى الجهود الرامية إلى تحويل المخلفات النباتية الغنية بالسليلوز من عبء زراعي إلى مصدر للوقود والمواد الحيوية.





