اضطراب الألعاب الإلكترونية يشترك في 98.9% من السمات القابلة للمقارنة مع إدمان المقامرة
الألعاب والعمل والتسوق.. متى يتحول السلوك اليومي إلى اضطراب يصعب السيطرة عليه؟
لا يرتبط مفهوم الإدمان دائمًا بالكحول أو المخدرات أو المقامرة، إذ يمكن لبعض السلوكيات اليومية أن تصبح صعبة السيطرة عليها، وأن تستمر رغم تسببها في مشكلات صحية أو اجتماعية أو مالية أو تأثيرها في الحياة اليومية.
وتشمل هذه السلوكيات الألعاب الإلكترونية، والأكل، والتسوق، والجنس، وممارسة الرياضة، والعمل.
وبينما يمارس معظم الناس هذه الأنشطة دون أن تتطور إلى مشكلة خطيرة، قد يصبح بعضها لدى فئة محدودة من الأشخاص نمطًا قهريًا يصعب التحكم فيه.
وفي دراسة قارنت مجموعة من الاضطرابات السلوكية باضطراب المقامرة، وجد الباحثون أن اضطراب الألعاب الإلكترونية أظهر أكبر قدر من التشابه بين الحالات التي جرى تحليلها، إذ توافقت 98.9% من النتائج القابلة للمقارنة مع الاتجاهات التي ظهرت في اضطراب المقامرة.
لكن هذه النسبة لا تعني أن اضطراب الألعاب مطابق لاضطراب المقامرة بنسبة 98.9%، لأن الحساب اقتصر على العوامل التي توافرت بشأنها أدلة قابلة للمقارنة.

عندما يصبح السلوك اليومي صعب السيطرة
يُظهر اضطراب المقامرة أن الإدمان لا يتطلب بالضرورة وجود مادة مخدرة، فهو معترف به باعتباره اضطرابًا إدمانيًا، كما تعترف منظمة الصحة العالمية باضطراب الألعاب ضمن الاضطرابات المرتبطة بالسلوكيات الإدمانية.
وأراد فريق دولي من الباحثين معرفة مدى اشتراك اضطرابات سلوكية أخرى في الخصائص نفسها التي تظهر لدى اضطراب المقامرة.
وشملت المقارنة:
• اضطراب نهم الطعام.
• اضطراب السلوك الجنسي القهري.
• اضطراب الشراء والتسوق القهري.
• إدمان ممارسة الرياضة.
• إدمان العمل.
• اضطراب الألعاب الإلكترونية.
وقال البروفيسور زولت ديميتروفيتش، المتخصص في السلوكيات الإدمانية بمعهد الصحة النفسية والرفاه في جامعة فليندرز، إن النتائج توسع الطريقة التي يمكن من خلالها فهم الإدمان.
وأوضح أن الإدمان لا تحدده المادة المستخدمة وحدها، إذ يمكن لبعض السلوكيات أن تصبح قهرية، صعبة السيطرة، وتستمر رغم الأضرار التي تسببها.
عدد ساعات اللعب وحده لا يعني وجود اضطراب
يشدد الباحثون على أن ممارسة الألعاب أو العمل لساعات طويلة أو التسوق المتكرر لا يعني تلقائيًا وجود إدمان أو اضطراب.
المشكلة الأساسية تتعلق بفقدان السيطرة على السلوك والاستمرار فيه رغم حدوث أضرار واضحة أو خطيرة.
وينطبق الأمر نفسه على الطعام أو الرياضة أو العمل أو التسوق أو السلوك الجنسي.
وتكمن صعوبة اكتشاف بعض هذه الاضطرابات في أن السلوك نفسه جزء طبيعي من الحياة اليومية، ولذلك قد لا يدرك الشخص أن ما يحدث تجاوز الاستخدام المعتاد وأصبح مشكلة تحتاج إلى دعم متخصص.
ويرى الباحثون أن بعض الأشخاص قد يفسرون المشكلة باعتبارها ضعفًا في الإرادة، بدلًا من إدراك أنها قد تتضمن أنماطًا سلوكية مشابهة لما يظهر في اضطرابات الإدمان المعترف بها.

كيف قارن الباحثون بين السلوكيات؟
اختار الباحثون اضطراب المقامرة كنقطة مرجعية رئيسية، لأنه من أقدم وأكثر الاضطرابات السلوكية دراسة.
وفي البداية، حدد الفريق 75 عاملًا سبق أن ارتبطت باضطراب المقامرة في الدراسات العلمية.
وشملت هذه العوامل مجموعة واسعة من الجوانب، بينها:
• الصحة النفسية.
• الشخصية.
• أنماط التفكير.
• تنظيم المشاعر.
• أنواع أخرى من الإدمان.
• الصحة الجسدية.
• العوامل الوراثية.
• البيئة المحيطة.
• النتائج المتعلقة بالدماغ.
بعد ذلك، بحث الباحثون عن الأدلة المتعلقة بالعوامل نفسها في اضطراب الألعاب والاضطرابات السلوكية الأخرى، وكذلك في اضطراب استخدام الكحول.
واعتمد التحليل على 246 مراجعة منهجية وتحليلًا تلويًا تناولت الاضطرابات السلوكية، إلى جانب 49 دراسة استخدمت في تحليل اضطراب استخدام الكحول.
وبذلك لم تعتمد الدراسة على تجربة جديدة لمجموعة واحدة من المشاركين، وإنما قارنت مجموعة كبيرة من النتائج التي توصلت إليها أبحاث سابقة.
وسأل الباحثون بشكل أساسي عن أمرين: مقدار الأدلة المتوافرة لكل سلوك، وما إذا كانت الأدلة الموجودة تشير إلى الاتجاه نفسه الذي ظهر في أبحاث اضطراب المقامرة.

اضطراب الألعاب سجل أوضح تشابه
برز اضطراب الألعاب الإلكترونية بصورة خاصة في التحليل، فقد وجد الباحثون أدلة على وجود 69.3% من العوامل الـ75 المرتبطة باضطراب المقامرة في الأدبيات الخاصة باضطراب الألعاب.
ومن بين النتائج التي أمكن مقارنتها مباشرة، اتجهت 98.9% منها في الاتجاه نفسه الذي ظهرت به نتائج اضطراب المقامرة.
وهنا يجب تفسير الرقم بحذر؛ فهو لا يعني أن الاضطرابين متطابقان بنسبة 98.9%، ولا يعني أن 98.9% من الأشخاص الذين يمارسون الألعاب يعانون اضطرابًا.
بل يعكس درجة الاتفاق بين النتائج القابلة للمقارنة فقط، بينما استُبعدت العوامل التي لم تتوافر عنها أدلة كافية.
وعندما أخذ الباحثون قوة الأدلة في الاعتبار، ظل اضطراب الألعاب يظهر قدرًا كبيرًا من التشابه مع اضطراب المقامرة.
كما أظهر اضطراب استخدام الكحول نمطًا قريبًا من اضطراب المقامرة، وهو ما أتاح للباحثين مقارنة الاضطرابات السلوكية مع اضطراب إدماني مرتبط بمادة.
اضطرابات أخرى أظهرت تشابهًا لكن الأدلة كانت أقل
أظهر اضطراب السلوك الجنسي القهري توافقًا بنسبة 89.7% مع اضطراب المقامرة بين النتائج التي أمكن مقارنتها، أما اضطراب نهم الطعام، فسجل توافقًا بنسبة 84.9%
لكن توفر الأدلة كان أقل بكثير في هاتين الحالتين، فقد غطت الأدلة 48.0% فقط من العوامل الـ75 في حالة اضطراب السلوك الجنسي القهري، و54.7% في حالة اضطراب نهم الطعام.
وكانت الفجوات أكبر في أبحاث إدمان العمل، وإدمان ممارسة الرياضة، واضطراب الشراء والتسوق القهري، إذ توافرت أدلة قابلة للمقارنة لنحو خُمس العوامل الـ75 فقط لكل حالة.
وهذا يجعل تفسير النسب أكثر تعقيدًا؛ فقد يبدو سلوك ما مشابهًا لاضطراب المقامرة في العوامل التي دُرست بالفعل، بينما تظل معلومات كثيرة غير متاحة عن العوامل الأخرى التي لم تُبحث بصورة كافية.

هل يساعد الاعتراف بالمشكلة على طلب المساعدة؟
قالت الدكتورة أندريا تشاكو، الباحثة الرئيسية في علم النفس بجامعة فليندرز، إن أحد التحديات يتمثل في أن بعض الأشخاص قد لا يدركون أن سلوكهم يمثل مشكلة تستحق الحصول على الدعم.
وقد يشعر البعض بالخجل من سلوكهم، أو ببساطة لا ينظرون إليه باعتباره احتمالًا لوجود اضطراب إدماني.
ويرى الباحثون أن فهم وجود آليات مشتركة محتملة بين بعض هذه الاضطرابات قد يساعد الأشخاص على طلب الدعم في وقت مبكر، كما قد يساعد المتخصصين في الرعاية الصحية على التعامل معها بصورة أكثر ملاءمة.
لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من تحويل كل عادة قوية أو متكررة إلى حالة مرضية.
فالتوسع في اعتبار السلوكيات المختلفة «إدمانات» قد يساعد بعض الأشخاص على الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى زيادة الوصمة أو وضع تصنيف طبي على سلوك مؤقت أو ناتج عن أسباب أخرى.
الدراسة تكشف فجوات مهمة في الأدلة
هناك حدود مهمة للمنهج الذي استخدمته الدراسة، العوامل الـ75 التي اعتمد عليها الباحثون جرى تحديدها أصلًا من أبحاث اضطراب المقامرة، ولذلك قد لا تشمل خصائص مهمة بالنسبة إلى العمل أو ممارسة الرياضة أو التسوق أو غيرها من السلوكيات.
كما أظهرت الدراسة نقصًا في الأدلة المتعلقة بالتأثيرات طويلة الأجل، والإعاقة، والحاجة إلى العلاج، والاستجابة للتدخلات العلاجية، وما إذا كانت بعض هذه المشكلات تستمر لسنوات أم أنها قد تكون مؤقتة.
وتشكل التعريفات المختلفة لبعض الاضطرابات تحديًا إضافيًا للمقارنة.
فعلى سبيل المثال، جرى تعريف السلوك الجنسي القهري بطرق مختلفة في الدراسات السابقة، ما يجعل مقارنة النتائج بين الأبحاث أكثر صعوبة.
كما أشارت الدراسة إلى بحث سابق امتد لخمس سنوات ووجد أن الانخراط المفرط في بعض السلوكيات كان مؤقتًا في كثير من الحالات.

ما الذي تعنيه النتائج؟
تشير النتائج إلى أن بعض السلوكيات يمكن أن تشترك في خصائص مهمة مع اضطرابات إدمانية معترف بها، وأن فقدان السيطرة والاستمرار في السلوك رغم الأضرار قد يكونان أكثر أهمية من مجرد عدد الساعات أو مرات ممارسة السلوك.
لكن الدراسة لا تعني أن كل شخص يمارس الألعاب بكثرة يعاني اضطرابًا، ولا أن كل ممارسة مكثفة للعمل أو الرياضة أو التسوق أو الطعام ينبغي تصنيفها باعتبارها إدمانًا.
ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم طبيعة هذه الاضطرابات، ومدى استمراريتها، وتأثيرها طويل الأجل، وأفضل طرق التعامل معها.
والدراسة، المنشورة في دورية European Psychiatry، تدعم نقاشًا أوسع حول الإدمانات السلوكية، مع استمرار الحاجة إلى تحديد الحالات التي تستحق بالفعل تشخيصًا سريريًا والتمييز بينها وبين السلوكيات المكثفة أو المؤقتة.





