أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

تقنية جديدة تكشف سلوك خام الحديد داخل الأفران لدعم صناعة فولاذ أقل انبعاثًا للكربون

دراسة ترصد تحولات خام الحديد حتى الانصهار.. خطوة نحو خفض انبعاثات صناعة الصلب

طوّر فريق بحثي طريقة جديدة للتنبؤ بالخصائص الميكانيكية لكريات خام الحديد عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة، في خطوة قد تساعد على تحسين كفاءة أفران إنتاج الحديد وتعزيز استقرار تشغيلها، بما يدعم جهود خفض البصمة الكربونية لصناعة الصلب.

وتجمع الطريقة بين التصوير المقطعي المحوسب بالأشعة السينية عالية الطاقة، والتحليل الكيميائي، والمحاكاة الحاسوبية، لتقدير قدرة البنية الغنية بالحديد داخل الكريات على مقاومة التشوه مع ارتفاع درجات الحرارة.

وأجرى الدراسة فريق بقيادة شونجو ناتسوي، الأستاذ المشارك في جامعة توهوكو اليابانية، بالتعاون مع شركة تاتا ستيل أوروبا وجامعة دلفت للتكنولوجيا والمعهد الوطني الياباني للعلوم والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة.

ونُشرت النتائج في مجلة Scientific Reports عام 2026.

لماذا يهم سلوك خام الحديد داخل الفرن؟

تتطلب صناعة الحديد والصلب كميات كبيرة من الطاقة، وترتبط بانبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل تحسين كفاءة عمليات الإنتاج أحد المسارات المهمة لخفض الأثر المناخي للقطاع.

ورغم أن تقنيات الاختزال المعتمدة على الهيدروجين تتيح مسارًا واعدًا لإنتاج الحديد بانبعاثات أقل، ستظل الأفران العالية التقليدية مهمة خلال مرحلة التحول الصناعي.

ومن ثم، فإن تحسين أدائها وفهم العمليات التي تجري داخلها يمكن أن يساعدا على تقليل أوجه القصور خلال هذه المرحلة الانتقالية.

داخل الفرن العالي، تتعرض كريات خام الحديد للتسخين والاختزال الكيميائي، فتتغير بنيتها تدريجيًا، وتبدأ في التليّن ثم تنصهر مع استمرار ارتفاع الحرارة.

وتحت ضغط المواد المحيطة بها، تتشوه الكريات وتتقلص الفراغات بين الجسيمات، وهي المساحات التي تتحرك عبرها الغازات داخل الفرن.

وعندما تضيق هذه المسارات، قد تتراجع نفاذية الطبقة الصلبة للغازات، ما يؤثر في انتقال الحرارة والتفاعلات الكيميائية وكفاءة تشغيل الفرن واستقراره.

وكانت التجارب التقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على قياس انكماش طبقة خام الحديد ككل، إلى جانب رصد فقدان الضغط الناتج عن مرور الغاز خلالها.

لكن هذه القياسات الإجمالية لا تكشف بسهولة عن مساهمة التشوهات التي تحدث داخل كل كرية في السلوك العام للمواد المتراصة.

خفض انبعاثات صناعة الصلب

تصوير ثلاثي الأبعاد يكشف التحولات الحرارية

لمعالجة هذه المشكلة، أجرى الباحثون تجارب عند درجات حرارة مرتفعة لمحاكاة الظروف داخل الفرن العالي، واستخدموا التصوير المقطعي بالأشعة السينية عالية الطاقة لإعادة بناء البنية الداخلية لكريات خام الحديد في صورة ثلاثية الأبعاد عند درجات حرارة مختلفة.

وأظهرت الصور تغيرات بنيوية متتابعة مع ارتفاع الحرارة:

  • عند 1300 درجة مئوية: ساعدت قشرة صلبة نسبيًا من الحديد المعدني على مقاومة الحمل الواقع على الكريات والحفاظ على قدر من تماسكها.

  • عند 1400 درجة مئوية: تركزت المكونات المكوّنة للخبث داخل الكريات مع تقدم عملية التليّن، بما يعكس تغيرات في بنيتها الداخلية وخصائصها الميكانيكية.

  • عند 1550 درجة مئوية: بلغ الانصهار مرحلة سمحت بتسرب المواد السائلة إلى الخارج.

وتتيح هذه الملاحظات تتبع التحولات التي تمر بها الكريات خلال التسخين والاختزال والتليّن والانصهار، بدلًا من الاكتفاء بقياس التغيرات الإجمالية في حجم طبقة خام الحديد.

خفض انبعاثات صناعة الصلب

محاكاة حاسوبية لتقدير مقاومة التشوه

بعد إعادة بناء البنية الداخلية للكريات، استخدم الفريق أسلوب محاكاة يعتمد على الجسيمات، يُعرف باسم «الهيدروديناميكا الجسيمية المتحركة الضمنية» (Moving Particle Hydrodynamics-Implicit)، لإعادة تمثيل التشوه الذي رُصد في التجارب.

وقارن الباحثون النتائج المحسوبة بالصور الثلاثية الأبعاد الناتجة عن التصوير المقطعي، بهدف تقدير كيفية تغير إجهاد الخضوع الفعّال للقشرة الغنية بالحديد مع ارتفاع درجة الحرارة.

ويشير إجهاد الخضوع إلى مقدار الإجهاد الذي تستطيع المادة تحمله قبل أن تبدأ في التشوه الدائم.
ويصعب قياس هذه الخاصية مباشرة في الظروف القاسية داخل الفرن العالي، ولذلك يوفر الجمع بين التصوير والمحاكاة وسيلة غير مباشرة لتقديرها استنادًا إلى شكل التشوه الفعلي.

وتتمثل أهمية المنهج في ربط الخصائص الميكانيكية للبنية الداخلية للكريات بسلوكها المرصود تحت الحرارة والحمل، بما قد يساعد على فهم كيفية تأثير خواص المواد الخام في نفاذية الغاز داخل الفرن.

خفض انبعاثات صناعة الصلب

تطبيقات محتملة في صناعة الصلب منخفض الكربون

قد تساعد الطريقة الجديدة الباحثين على التنبؤ بصورة أفضل بتشوه طبقات خام الحديد، ومقارنة أداء أنواع مختلفة من المواد الخام عند درجات الحرارة المرتفعة. ويمكن أن تدعم هذه المعلومات اختيار المواد المناسبة وتطوير ظروف تشغيل أكثر استقرارًا وكفاءة.

ويخطط الفريق لتوسيع نطاق المنهج ليشمل أنواعًا أخرى من خام الحديد، ودراسة سلوكه في بيئات اختزال غنية بالهيدروجين، وهي ظروف تكتسب أهمية متزايدة مع بحث صناعة الصلب عن بدائل أقل اعتمادًا على الكربون.

ومع ذلك، لا تمثل الطريقة بحد ذاتها تقنية لإزالة الكربون، ولا تثبت النتائج المتاحة أنها خفضت بالفعل استهلاك الطاقة أو انبعاثات المصانع.

إنما توفر أداة لفهم الخصائص الميكانيكية للمواد الخام والتنبؤ بسلوكها، وقد تسهم هذه المعرفة مستقبلًا في تحسين تشغيل الأفران وتقييم ملاءمة الخامات لعمليات إنتاج الحديد الأقل انبعاثًا.

وتبرز أهمية هذا التطور في أنه يستهدف جانبًا دقيقًا من عملية الإنتاج الصناعية: فهم ما يحدث داخل كل كرية من خام الحديد، وكيف تتفاعل هذه التغيرات مع تدفق الغازات وأداء الفرن بأكمله.

وقد يتيح هذا المستوى من التحليل أساسًا أدق لتطوير عمليات إنتاج الحديد والصلب، بالتوازي مع التوسع في تقنيات الاختزال منخفضة الكربون.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة