الناجون من إنفلونزا الطيور يحتفظون بحماية من الفيروس لمدة عامين على الأقل
إنفلونزا الطيور تغيّر سلوك الطيور المهاجرة وتمنح الناجين حماية طويلة الأمد
كشفت دراسة علمية جديدة أن الطيور البرية التي تنجو من الإصابة بفيروس إنفلونزا الطيور قد تكتسب مناعة تستمر لسنوات، ما يمنح الباحثين فهمًا أعمق لكيفية تأثير الفيروس في التجمعات البرية وإمكانية الحد من شدة التفشيات المستقبلية.
وتوصل الباحثون إلى هذه النتائج بعد متابعة طيور نورس سوداء الرأس نجت من تفشٍ واسع لإنفلونزا الطيور اجتاح مستعمرات تكاثرها بالقرب من مدينة كالمار الساحلية في السويد خلال صيف عام 2023.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Proceedings of the Royal Society B العلمية.
تفشٍ مدمر في مستعمرات النورس

شهدت المنطقة بين منتصف يونيو ومنتصف يوليو 2023 نفوق أكثر من 700 طائر نورس أسود الرأس في ثلاث بلديات مختلفة.
وتُعد الطيور البحرية التي تعيش في مستعمرات كثيفة من أكثر الأنواع عرضة لانتشار الأمراض المعدية، إذ يسهل انتقال الفيروسات بينها بسبب التزاحم الشديد خلال موسم التكاثر.
وكانت الفراخ الصغيرة الأكثر تضررًا، حيث تجاوزت معدلات النفوق بينها 90%، فيما كادت بعض المستعمرات تفقد جميع صغارها بالكامل.
كما أصيب العديد من الطيور البالغة بأعراض عصبية واضحة.
وقال البروفيسور يوناس فالدنستروم، أستاذ علم بيئة الأمراض: “في جميع المستعمرات المتضررة أمكن مشاهدة الفراخ الصغيرة المصابة عند حافة المياه، بينما كانت الطيور النافقة تطفو على السطح. كما أظهرت الطيور البالغة أعراضًا عصبية مثل فقدان القدرة على استخدام الأرجل بصورة طبيعية وحركات تشنجية في الرأس”.
فرصة بحثية غير متوقعة
قبل عام واحد من تفشي المرض، كان فريق البحث قد زود نحو 30 طائرًا من النورس الأسود بأجهزة تتبع تعمل عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
ولم يكن الهدف من هذه الأجهزة دراسة إنفلونزا الطيور، بل كانت جزءًا من مشروع علمي يركز على كيفية اكتساب الطيور للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية من البيئة المحيطة.
وقالت الباحثة أليسيا أوستولاني، طالبة الدكتوراه المشاركة في الدراسة: “كنا نلتقط الطيور ونزودها بأجهزة التتبع حتى مايو 2023، وبعد شهر واحد فقط بدأ تفشي المرض”.
وأتاح هذا الأمر للباحثين فرصة نادرة لمراقبة سلوك الطيور الحية قبل الإصابة وخلال التفشي وبعده، بدلًا من الاعتماد فقط على بيانات الطيور النافقة.
انخفاض حاد في الحركة

كشفت بيانات التتبع أن الطيور الموجودة في المستعمرات المتضررة خفضت نشاطها بشكل كبير بعد انتشار الفيروس.
وانخفض متوسط سرعة الحركة اليومية بنحو 54% مقارنة بالفترة السابقة للتفشي، وهو تراجع كبير بالنسبة لطيور اعتادت القيام برحلات متكررة يوميًا لجمع الغذاء وإطعام صغارها.
وأوضحت أوستولاني أن طيور النورس خلال موسم التكاثر تتبع نمطًا سلوكيًا ثابتًا للغاية، إذ تتحرك باستمرار بين مواقع الغذاء وأعشاشها، لذلك فإن أي تغيير كبير في هذا النمط يعد مؤشرًا على وجود مشكلة صحية أو بيئية.
ورجح الباحثون أن يكون انخفاض الحركة ناجمًا عن الإصابة بالفيروس نفسه، وليس بسبب فقدان الفراخ فقط، إذ تشير دراسات سابقة إلى أن الطيور التي تفقد صغارها تميل عادة إلى زيادة تحركاتها وليس تقليلها.
هجرة مبكرة لمسافات طويلة
لاحظ العلماء أيضًا أن الطيور التي عاشت في المستعمرات المتضررة بدأت هجرتها الخريفية قبل موعدها المعتاد بنحو أسبوعين.
ويعتقد الباحثون أن فقدان الفراخ وانتهاء موسم التكاثر مبكرًا دفع الطيور البالغة إلى مغادرة المنطقة في وقت أبكر من المعتاد.
وتحمل هذه الظاهرة أهمية كبيرة لفهم انتشار الفيروس، لأن الطيور المهاجرة يمكن أن تنقل العدوى أو تتفاعل مع أنواع أخرى من الطيور في مناطق بعيدة.
وقالت الباحثة مارييل فان تور، المتخصصة في علم البيئة بجامعة لينيوس: “معرفة أن الطيور قد تبدأ الهجرة في وقت أبكر بكثير بعد تعرضها لإنفلونزا الطيور سيساعد في تحسين النماذج المستخدمة للتنبؤ بمسارات الهجرة وانتشار المرض”.
وأظهرت بيانات التتبع أن بعض الطيور قطعت مسافات طويلة جدًا، ووصلت إلى البرتغال خلال أيام قليلة فقط.
مناعة تستمر لعامين
أهم نتائج الدراسة جاءت من تحليل عينات الدم التي جُمعت من الطيور الناجية خلال موسمي التكاثر التاليين للتفشي.
وأظهرت الاختبارات أن مستويات الأجسام المضادة ضد الفيروس بقيت مرتفعة بعد عام كامل من الإصابة.
ففي عام 2024، حمل نحو 84% من الطيور التي خضعت للفحص أجسامًا مضادة للفيروس.
وبعد عام آخر، أي في عام 2025، ظلت نسبة الطيور الإيجابية للأجسام المضادة عند نحو 81%، رغم انخفاض مستويات المناعة تدريجيًا.
وقالت أوستولاني: “تشير هذه النتائج إلى أن طيور النورس سوداء الرأس التي تنجو من العدوى يمكن أن تحتفظ بحماية ضد الفيروس لمدة عامين على الأقل، وربما لفترة أطول”.
وأضافت أن هذه المناعة قد تساعد في الحد من شدة التفشيات المستقبلية إذا عاد الفيروس إلى المنطقة نفسها.
أهمية مراقبة الطيور الناجية
يرى الباحثون أن معظم الدراسات السابقة ركزت على الطيور النافقة باعتبارها المؤشر الرئيسي لتفشي المرض، بينما ظلت المعلومات المتعلقة بالطيور التي تنجو من العدوى محدودة للغاية.
وتُظهر الدراسة أن متابعة الناجين توفر معلومات مهمة حول تأثير الفيروس في السلوك والحركة والهجرة والمناعة، وهي عوامل أساسية لفهم كيفية انتشار المرض على المدى الطويل.
ومع استمرار انتشار فيروس H5N1 في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، يتوقع العلماء أن تتكرر موجات النفوق الجماعي بين الطيور البرية، ما يجعل مراقبة الناجين أداة مهمة لتقييم قدرة التجمعات البرية على التعافي ومقاومة التفشيات المستقبلية.





